في مثل هذا اليوم في العام الماضي، كتبت مقالاً بعنوان "الرعب على أعتاب الثلاثين" وصفت فيه تلك الحالة الغريبة التي تملّكتني وأنا على بُعد عام واحد من الثلاثين، لقد كنت حينها كالذي يقف على بُعد أمتار من ركوب البحر، فهو يشعر بالرعب كلّما تخيّل نفسه وسط الأمواج بينما هو على الشاطئ، إلا أن هذا الرعب قد يكون أقل بكثير حين يجد المرء نفسه وسط الأمواج بالفعل، ويرى وجوده في البحر الذي كان يخشاه أصبح أمراً واقعاً.
بينما أكتب هذا المقال تفصلني دقائق عن بلوغي الثلاثين عاماً، ولا أكاد أصدق نفسي، لديّ مشاعر غريبة كأنني لم أشعر بها قبل ذلك، مشاعر يختلط فيها قبول الأمر الواقع بالاستنكار، تختلط فيها صورة الطفل البريء بالشاب الثلاثيني صاحب الشعر الأبيض الذي يظهر في المرآة على استحياء، تختلط فيها مشاعر الطيش بالنضج، تختلط فيها مشاعر الفتى الحالم بالشاب العملي الواقعي، تختلط فيها مشاعر الابن الذي اشتاق إلى حضن والده وبين مشاعر الأب الذي لا يرتاح خاطره إلا باحتضان ابنته، بين صورة ذلك الطفل الذي كان يحمله والده بين يدَيه ويرميه في الهواء فيشعر بالحرية وكأنه أفلت من جاذبية الأرض وبين الرجل الذي أصبح أباً وأصبح من واجبه أن يحمل ابنته بين يدَيه ويلقيها في الهواء لتأتي من الفضاء ببهجة تمحو من على الأرض بعض الكآبة.
كنت على أعتاب الثلاثين وما زلت أتوجس عندما أرى كلمة للكبار فقط على أحد الفيديوهات أو الأفلام، ونسيت أنني أصبحت من هؤلاء الكبار.
كنت على أعتاب الثلاثين وما زلت أخاف من أفلام الرعب، بل أكرهها من كثرة الخوف منها، وما زلت أسرع بتغيير القناة أو غلق الفيديو حينما يُعرض فيه مشهد رعب أو حتى مشهد مخيف قليلاً، أتذكر تلك الليلة البائسة التي قضيتها منذ فترة قريبة حين شاهدت أحد المشاهد المخيفة في أحد الأفلام ولم أستطِع النوم حينها.
كنت على أعتاب الثلاثين وما زلت أخاف من الكلاب أياً كانت وفي أي مكان، ثم أتفاجأ أنني ثلاثيني من المفترض أنني كبرت على هذه الأمور.
كنت على أعتاب الثلاثين وما زلت أفكر في ذلك السؤال الذي كان يسأله المدرس لنا في المدرسة: "نفسك تطلع إيه لما تكبر؟" لأجد نفسي فجأة أنني أصبحت كبيراً بالفعل.
كنت على أعتاب الثلاثين وما زلت أشتاق إلى عناق والدي وطبطبة أمي لي وأنا بين النوم واليقظة، لأجد نفسي مدركاً أنني أصبحت أباً لطفلة منذ 3 سنوات وكأنني كلما أنسى ذلك، أجد تالا ابنتي توقظني من ذلك النسيان بكلمة "بابا"، فتأتي لحظة على خاطري مستنكراً متعجباً في نفسي: "بابا مين ده أنا لسه طفل؟!".
ولقد أتممت الثلاثين وأصبحت أكثر نضجاً وشعوراً بالواقعية والحكمة والمسؤولية، وهو شعور له نشوته أيضاً التي قد تفوق شعور الطفولية والبراءة والطيش.
لقد أتممت الثلاثين وأصبحت لا أعبأ بالكثرة من حولي مثل السابق، بل أصبح كل ما أتمناه صديقاً حقيقياً أو اثنين أو ثلاثة، أجد فيهم المعنى الحقيقي للصداقة والوفاء، ليس بالمعنى القديم الذي كنت أتصوّره في الصديق الذي يأتيك في مناسبات الفرح والحزن أو يتصل بك في أي منهم، بل بمعناه الحالي بالنسبة لي، وهو الصديق الذي تأمنه على نفسك وأنت معه وتأمنه أنت بعيد عنه، تأمنه على نفسك وأنت تنظر إليه وتأمنه حين تدير ظهرك له، تأمن مكره وتقلّبه عليك، وتأمن على صورتك عنده حين تفتح قلبك وتحكي عن رغباتك السيئة التي تتمنى فعلها أو التي ارتكبتها بالفعل فيظل متقبّلك، يده في يدك، يميل عليك ناصحاً بلا ملائكية، ويظلّك من الشموس المحرقة حين تنقطع أوراق الأشجار في هذه الحياة.
لقد أتممت الثلاثين وأصبحت أرى معنى الخبرة والدروس في معرفة الأشخاص وكثرة التعامل والمواقف السيئة، تظهر هذه الخبرة في وقتها وتلمع حينها فائدة تراكم السنوات متمثّلة في جملة للكاتب علي الوردي "إن أبناء الصعاليك من أمثالي يمرّون في حياتهم بتجارب قاسية تكشف لهم حقيقة الناس من غير بُرقع أو طلاء".
لقد أتممت الثلاثين وأصبحت أرى معنى مختلفاً وجانباً آخر للتعامل مع أشخاص ومحيط مختلف، وأدركت أن الفائدة الأكبر لا يكتسبها المرء من التعامل مع أشخاص ماكرين ومواقف سيئة فقط، بل مع أشخاص خيرين طيبين أنقياء لهم نفوس كبيرة في مواقف جيدة، فتكون الخبرة والمكسب الأهم هو إدراك مدى ما فيك من سوء، وأن هناك من هو أفضل وأنقى وأكبر نفساً، فتدرك أن معركتك الحقيقية مع نفسك وهمّك الأكبر هو استكشاف ذاتك وفهمها وتقويمها، وتعلم أن المعاناة الحقيقية ليست في ألمك من أناس سيئين، بل في ألمك من إدراك احتياج نفسك للتغيير والتنقية عند التعامل مع أناس طيبين.
ولقد أتممت الثلاثين وأدركت أن "على هذه الأرض ما يستحق الحياة" بالفعل كما يقول محمود درويش، وأدركت أنني وإن كنت قد فاتني الكثير مما لم أحققه، فقد حققت الكثير وحظيت بالكثير من النِّعم العظيمة التي حاولت منذ أيام أن أمررها على خاطري لأحصيها فلم أستطِع حقاً.
تقول Marianne Williamson: "الله هو الوحيد الموجود في الأزل، والنقطة الوحيدة التي يلتقي فيها الزمن بالأزل هي الحاضر، فالحاضر هو الوقت الوحيد المتاح!".
مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.