عشتُ في القدس ثلاثين عاماً منذ طفولتي.. هكذا اختلفت وتغير شكلها
الثلاثاء, 25 سبتمبر 2018

عشتُ في القدس ثلاثين عاماً منذ طفولتي.. هكذا اختلفت وتغير شكلها

افتتحت إدارة ترمب يوم الإثنين 14 مايو/أيّار سفارة جديدة للولايات المتّحدة في إسرائيل في مدينة القدس، في خطوة تتحدّى الإجماع الدوليّ، وستكون لها على الأرجح عواقب وخيمة بالنسبة للفلسطينيّين الذين يعيشون في المدينة وخارجها.

كانت ذكرياتي الأولى في القدس

كنّا نعيش في القدس الشرقيّة، في حيّ قطعه الجدار الإسرائيليّ إلى نصفين منذ ذلك الحين، بل إنَّ الجدار كان في الواقع يمرّ مباشرة بحديقة البيت الذي عشت فيه طفولتي. وكوني قد عشت في القدس الشرقيّة في أواخر الثمانينيّات، فقد شهدت العديد من الحوادث التي شكّلت ذكرياتي.

بدءاً بالانتفاضة الأولى، وحظر التجوّل الذي فُرِض حينها، والجنود الإسرائيليّين الذين كانوا يتمركزون بجوار سور حديقتنا. حتّى حرب الخليج في عام 1991، التي أتّذكر حينها أنَّ والديّ وضعانني فيما يشبه خيمة واقيّة للغازات السامّة؛ لأنَّ وجهي كان صغيراً جدّاً على ارتداء قناع واقٍ من الغاز.

كانت نقاط التفتيش العشوائيّة تُميّز الرحلات اليوميّة، وأتذكّر بوضوح والديّ وهما يتجادلان مع الجنود الذين يقطعون الطريق بشكل متعسّف، ويغلقونه في وجه الفلسطينيّن.

الحياة في القدس

لكنّي أمتلك على الرغم من ذلك ذكريات جميلة مع الأهل والأصدقاء في المدينة. أحببت مدرستي، ودروس الموسيقى، والمخيّمات الصيفيّة. أحببت عندما كان والدي يأخذني إلى البلدة القديمة؛ حيث كنّا نأكل الكنافة، ونزور الحرم القدسيّ الشريف. لقد أحببت القدس – كانت المدينة عالمي بأكمله، ولم أستطع أن أتخيّل يوماً أنّي قد أرحل عنها.

وعندما غادرناها في عام 1999، كنت مفطورة القلب، وبعد حوالي 14 سنة، اختبرت العيش في القدس كشخص بالغ، وكان عليّ أن أواجه الكثير من الصعوبات التي تواجه من يعيشون في القدس، والتي كان والداي يحميانني منها عندما كنت طفلة.

يُصادف هذا الشهر كذلك الذكرى السبعين للنكبة التي شهدت محو الفلسطينيّين من الخارطة وإقامة دولة إسرائيل على أطلال فلسطين. وبحلول العام التالي للنكبة، رُسم خطّ هدنة بين المنطقتين مع منطقة مجرّدة من السلاح تمتد فاصلة بين القدس الغربيّة التي تسيطر عليها إسرائيل، والقدس الشرقيّة التي تسيطر عليها الأردن.

وفي عام 1967، احتلّت إسرائيل الضفّة الغربيّة وغزّة ومرتفعات الجولان ووُضعت هذه المناطق تحت نظام عسكريّ. وفي الوقت نفسه، ضُمّت القدس الشرقيّة في خطوة أحادية، وواجهت منذ ذلك الحين محاولات ممنهجة لتفريغها من الفلسطينيّين.

ومع «ضم القدس»، صار سكّان القدس من الفلسطينيّين يعاملون معاملة «الإقامة الدائمة». ومنحهم هذا الوضع بعض التحسّنات في الحقوق الممنوحة لهم، وبعض المزايا والخدمات الاجتماعيّة، لكن لم يكن يُسمح لهم التصويت في الانتخابات الوطنيّة الإٍسرائيليّة.

وقد واجه سكّان القدس الشرقيّة حالة مستمرة من عدم الاستقرار؛ إذ كان عليهم أن يُثبتوا أن «شؤون حياتهم» تقع داخل المدينة، وإلّا سيواجهون خطر إلغاء تصاريح إقامتهم.

وفي الواقع، أُلغي منذ عام 1967 وضع الإقامة الدائمة لما يقارب 15 ألف فلسطينيّ في القدس الشرقيّة. يرقى هذا الشكل من أشكال النقل القسريّ إلى جريمة حرب، لكنّها ليست جريمة الحرب الوحيدة التي تحدث في المدينة. فقد تمّ الاستيلاء على مساحات واسعة من أراضي الفلسطينيّين لبناء المستوطنات اليهودية فيما يُعدّ انتهاكاً للقانون الدوليّ والسياسة الأميركيّة الرسميّة.

يوجد اليوم ما يقارب مائتي ألف مستوطن إسرائيليّ يهوديّ يعيشون بطريقة غير قانونيّة في القدس الشرقيّة. وتُظهر المناورات السياسيّة الحاصلة في الكنيست الإسرائيليّ، محاولة إسرائيل المتعجّلة والوقحة تقليلَ الوجود الفلسطينيّ في القدس.

أفعال غير قانونيّة

لم تواجه إسرائيل سوى القليل من العواقب على انتهاكاتها للقانون الدوليّ في القدس وفلسطين بأكملها. بل إنَّ أفعالها غير القانونيّة في القدس أُعطيت صبغة شرعيّة في ديسمبر/كانون الأوّل من السنة الماضية، عندما أعلن رئيس الولايات المتّحدة الأميركيّة دونالد ترمب نقل السفارة الأميركيّة من تل أبيب إلى القدس.  

كما اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وهو لا يُشجّع بذلك إسرائيل على مواصلة وتعجيل مشروع ضمّ المدينة فقط، بل يُعطي كذلك الشرعيّة للسرديّة القائلة بأنَّ القدس مِلك حصريّ لليهود.

وبهذه الموافقة الجديدة من الولايات المتّحدة، ستواصل إسرائيل هدم منازل الفلسطينيّين، وإلغاء إقاماتهم، وسرقة أراضيهم. وسيُشجّع ذلك جماعات مثل الجماعة المتطرّفة «أمناء جبل الهيكل» التي تسعى إلى هدم المسجد الأقصى وقبّة الصخرة من أجل إقامة معبد يهوديّ ثالث.

ستُفتتح السفارة في لفتة رمزيّة وحشيّة قبل يومٍ من إحياء الفلسطينيّين لذكرى النكبة. وقد قرّرت إدارة ترمب أنَّ السفارة ستقع في أحد المباني القنصليّة الأميركيّة في القدس، بدلاً من بناء سفارة جديدة.

وكما لو أنَّ خرق الإجماع الدوليّ لم يكن كافياً، يقع المبنى المذكور ضمن الخطّ الفاصل «منزوع السلاح»، في أرض محتلّة بالاعتراف الدوليّ. ما تبرهن عليه إسرائيل بامتياز، هو أنَّ القانون الدوليّ ليس له أيّ وزن إذا لم يكن فرضه بالقوّة ممكناً، وإذا لم تكن هناك عواقب للانتهاكات.

مساحات معزولة

بعد مرور 70 عاماً على النّكبة، لا يزال الوضع في فلسطين يسوء بالنسبة للفلسطينيّين. عزّزت إسرائيل من سيطرتها على المدينة التي فيها أعزّ ذكريات طفولتي عن طريق تشريد الفلسطينيّين، وعزلهم في مساحات صغيرة. لقد مزّق جدارها الفاصل ومستوطناتها وحواجز الطرق المجتمعات.

دمّرت إسرائيل الحياة الاقتصاديّة والثقافيّة والسياسيّة للفلسطينيّين القاطنين في القدس الشرقيّة. وقد أوضحت أنَّها لا تنوي التنازل عن أيّ أرضٍ وإعادتها إلى أصحابها الأصليّين.

لكن لا يزال هناك وقت أمام المجتمع الدوليّ لإبطال الأذى. إلّا أنَّه سيتطلّب عملاً عاجلاً وحازماً، يتضمّن المقاطعات وتقليل التعاملات الاقتصاديّة وفرض العقوبات وتفعيل حظر تصدير الأسلحة لإسرائيل.

ستواصل إسرائيل في غياب الضغط الملموس وبدعم وتشجيع كاملين من إدارة ترمب انتهاك الحقوق الأساسيّة للفلسطينيّين من سكان القدس وبقيّة فلسطين التاريخيّة.

هذا الموضوع مترجم عن موقع Middle East Eye.  للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
متلازمة عبد الحليم حافظ «صبيّ مصر الأسمر»
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
عشتُ في القدس ثلاثين عاماً منذ طفولتي.. هكذا اختلفت وتغير شكلها