الخميس, 24 مايو 2018
رأي
لمياء الناجي ,كاتبة مغربية

"تعالَ نأخذ سيلفي.." عن زمن البؤساء المبتسمين للكاميرا

لم يكن يمكنُ إلا أن أرفع بصري حين أقبلنَ ثلاثُهنّ قبل أن يجلسنَ إلى الطاولة التي بجانبنا، ذلك أن مظهرهن كان مهرجان ألوان ذو تفاصيل ملفتة تدعوك للالتفات، وإن لم تدعك لإطالة النظر لغياب أيّ جمالٍ حقيقي فيه.

إحداهن كانت في مجال بصري، وقد لمحت خلف الملامح التي كانت ترتديها جمالاً كان ليكون هادئاً ومُحبباً لولا الأصباغُ الصارخة.

لست أبالغ مطلقاً إذ أقول إنّ من جلست إلى يساري، رفعت كاميرا هاتفها متخذة وضع "السيلفي" بمجرّدِ أن ألقت بنفسها فوق الكرسي. وصارت، حسب ما صورت لي عيني وهي ترى المشهد بشكل مشوش (لأني لم أنظر إليها بشكل مباشر)، تشكلُ ملامحها بشكلٍ يثير الضحك بين صورة وأخرى. فهمت من حديثهن بعد ذلك أن الصور كانت لتطبيق "السناب شات".

– مممواه!

بضحكةٍ كبيرة طبعت قبلةً على خدِّ صديقتها وهي "كتسنابي" اللحظة.

أجابتها: هاها.. آي لاف يو..

حدث كل هذا في الثواني الأولى بعد جلوسهنّ، شعرت بامتعاضٍ مفاجئ.

قالَ لي:

– كنتُ أحب أن أولد في عصر آخر، كنت أحب لو وجدت في زمن الكلمة. كان عهداً أنيقا للغاية. اليوم زمن الصورة، التي تزحف على أهم المكتسبات الإنسانية.

– الكلمة هي تجلي الفكر، والأخير يساوي الإنتاج، ونحنُ في عصرِ الاستهلاك. الفكرُ معنى، ونحن في زمن اللامعنى. الفكرُ شيءٌ حقيقيٌّ للغاية، ونحن في زمنِ الادّعاء.

إنّ الفكر، هو حين كان الإنسان يجلس بهدوءٍ متواجداً في الزمان والمكان الذي يحيطه فعلياً. يتساءل.. ثمّ يراقب ويتدبر ويجرّب ليفهم.. وأخيراً يستنتج فيُنتج. ينتجُ علماً وحضارة وفناً وتقدماً ووعياً ورقياً.

الواقع اليوم، أن توجه الأقطاب التي تسيطر فعلياً على العالم، من خلال مشروع العولمة، باستخدام وسيلة الإعلام، هو صنعُ وعيٍ يُمجِّدُ نموذجاً إنسانياً محدداً، من أبرز صفاته أنه استهلاكي.

لكنها طبعاً لا تسميه كذلك، إنها تسميه إنساناً حراً، مستمتعاً، "كوول"، يعيش اللحظة.

بالتوازي مع السعي المستمر لصناعة الوعي، يتم عرض كمية هائلة من المنتوجات والخدمات، يحشون بها حياة الناس لإبقائهم في دوامةٍ لا تنتهي.. دوامة الاستهلاك.

كل هذا، لضرب 4 عصافير بحجر: السيادة، صنع الثروة، التفرد بها، الحفاظ عليها.

إنّ النموذج الاستهلاكي يصنع ثروتهم ويبايعهم على العرش في آن. فهذا النموذج متسم بكثير من البلادة والسطحية، هو صورة خارجية صاخبة لكيانٍ فارغ من أيّ هوية. هو نموذج لا هوية له، لأنه لا فكر له.

الشخص الاستهلاكي، لا يمكن أن يكون كياناً منتجاً. وهنا علينا أن نفرّق بينهُ وبين الشخص المستهلك. فالشخص الاستهلاكي يدور كلّ وجوده حول الاستهلاك ولا ينتج أيّ شيء.

أما الشخص المستهلك فهو إنسان طبيعي يستهلك باعتدال ما يحتاجه فعلاً في حياته اليومية؛ لذلك فهو انتقائي فلا يستهلك كلّ ما تعرضه، وهو أيضاً شخص منتج فيزاحمك فيما تسعى لاحتكاره.

فيما الشخص الاستهلاكي يسمح لك أن تكون الثري الوحيد، لأنه لن يزاحمك بأيّ محاولة لإنتاج أيّ شيء. وأنت ما استطعت إبقاءه كذلك، تحافظ على احتكارك للثروة.

أما العرش، فهو لك لأنك أنت السيد، الذي يشكل ويملك كلّ معاني وجوده التي تدور حول ما يستهلك.

– كلّ هذا يتجلى فيما يمكن أن ندعوه زمن الصورة. الصورة في كلّ مكان.. مكررة، مفعمة بالابتذال.

– إن زمن الصورة الذي نعاصرهُ اليوم، زمن اللامعنى. ذلك أن المعنى مرتبط بالفكر، بالانوجاد، بالحضور، بالتأني، بالبطء.

اليوم، كل هذه الأشياء مفقودة تماماً. ليس هناك انوجاد، هناك استلاب. وليس هناك حضور، هناك غياب وفقدان للشعور بماهية الزمان والمكان. قد تمسك هاتفك الذي يُمدكَ بادعاءات أصدقائك، وتمر ساعات دون أن تشعر بها.

إنهُ يفقدك القدرة على الإدراك السليم للوقت، كما أن نفس الهاتف، الذي يحررك من حدود المكان ويجعلكَ ترى بأم عينك ما يحدث بعيداً بمسافاتٍ لا حصر لها، يُفقدكَ شعورك بالتواجد في مكان ما بالذات، ويفقد لحظتك فيه كل معنى. فأنت هنا، ويمكنك أن تكون هناك.. وقد تكون هناك بشكل كامل، بينما جسدك وحده ظل هنا.

أما التأني، فلا وجود له. الإنسان اليوم لا صبر له، إنهُ يرتاحُ في السرعة التي تتلاءمُ مع لهفتهِ المستمرة للاستهلاك. وهذا على العكس من الإنتاج، الذي يتوقف على مدى القدرة على التمهّل. إنّ صنعَ أيّ شيء لهُ معنى يحتاج إلى كائنٍ متأمل يتقنُ البطء، أما الكائن الاستهلاكي فهو كائنٌ مهرول.

– هل ترينَ كيف لم يعد أحدٌ قادراً على التصور أنه قد يستمتع باللحظة لمجرد أنه يعيشها دون أن يلتقط لها صورة؟

إنّ الاستهلاك هو إدمان على نيل نشوةٍ سريعة مؤقتة، سرعان ما تتلاشى وتترك فراغاً قاسياً.

وهذا الفراغ القاسي هو تحديداً ما يجعلك تسرعُ إلى الاستهلاك مرة أخرى لنيل نشوةٍ جديدة مؤقتة تنقذك من ذاك الخواء الذي يبعثُ داخلك بؤساً كبيراً.

إنّ مشاعرنا، مشاعر السعادة والاستمتاع خلقت لتربطنا بأشياء حقيقية وذلك لتحفزنا على تأثيث وجودنا بأنشطة وعلاقات تجعل لحياتنا معنىً إيجابياً.. فأنت حينَ تعيش مشاعر جميلة حينَ تمارس نشاطاً معيناً، فإنّ ما تفعله هذه المشاعر هو أنها تخلق ارتباطاً داخلك مع هذا النشاط.

وهكذا أيضاً حين يجعلك وجود شخصٍ معين تشعر بالسكينة، فإنّ هذا الشعور الإيجابي يربطك به فتحرص على بقائه. لكن ما يحدث في دوامة الاستهلاك، هو أنك تشعرُ بمشاعر جيدة لكنها سرعان ما تتلاشى لتتركك وحيداً ولا تربطك بأي شخصٍ أو شيءٍ ذي معنى حقيقي.

ولمواجهة هذه التعاسة الكثيفة، صنعوا حلاً يخدرك ويبقيك في نفس الآن قيدها : الوهم.

إنّ زمن الصورة، هو زمن الادعاء، زمن استعراض الأوهام. الجميع يتسابق بشكل مستمر إلى أخذ صورة ونشرها، ليدعي أمام العالم أنه سعيد.

هكذا تكذب كذبة حتى تكادُ تصدقها، كما أنّ تفاعل الناس وتقديرهم يمنحك شعوراً إيجابياً بالتعويض.

إنه لفرطِ ما لا يجد أي طعم ومعنى لوجوده، يستمر في أخذ صور ليثبت للجميع أن لوجودهِ طعماً ومعنى حقاً.. فهو الآن في طريقهِ إلى المكان الفلاني، وهو الآن مع أصدقائه الذين يبتسمونَ ابتساماتٍ كبيرة في هذه الصورة.. أو إنهُ يتناول هذا الطبقَ الشهيّ، حتى انظروا إلى الصورة! الحقيقة أن الجميع كان عابساً قبل أن تأمرهُ الكاميرا الموجهة لوجههِ الشاحب بالتبسم. لكن الصورة تيسّرُ لهم أمرَ ادعاء السعادةِ المطلقة، حتى انظروا!

– إنّ المعنى مرتبطٌ بوجود غايةٍ لوجودك.

– وأنت لن تجد هذه الغاية إلا إذا تساءلت بخصوصها أولاً.

– لكنك لتستطيعَ التساؤل، لا بد أن تكون أولاً مستيقظاً، واعياً، حاضراً. لن يخطر لك أي تساؤلٍ وأنت مُغيّب.

وحين تتساءل، ستفكر وتتأمل.. وستجد تلك الغاية.. ستصير موجوداً، سيكون لك فكر، وتبعاً لذلك هوية، ونمط عيش تتجلى فيه هذه الأخيرة، وتفاصيل خاصة بك. لن تكون نموذجاً مستنسخاً، ستكونُ أنت، الذي لا يشبهكَ أحد.

حينها، لن تستهلك كلّ ما يقدَّم لك، ستكون انتقائياً، تختارُ ما يناسبك وتترك ما لا حاجة لكَ به. ستكونُ أخيراً حراً، وسيكون لوجودكَ معنى.

إنّنا في عصرٍ أبرزُ شعاراتهِ هي المناداة بالحرية الفردية، وهو مجرّد تمويه؛ لأن نفسَ من ينادي بها هو من يعدمُ حريتك تماماً حين يتدخل في أدقّ تفاصيل وجودك ويصنع حتى طريقة تفكيرك وشعورك تجاه كلّ شيء، يسرق هويتك ويصنع وعيك ويستعبدك في الوقت الذي يحرصُ على إيهامك فيه بأنك حرّ.

ونخلصُ إلى أنّ العيب ليس في الصورة، لكن في إفراغها من كلّ معنى وصنع ملايين النسخ منها. فلطالما عبرت الصورة عن معانٍ لا قبل للكلمات بها، تماماً كما تحكي الموسيقى تجارب لا تقولها الكلماتُ ولا الصور.

إنّ كلّ شكلٍ من أشكال التعبيرِ الإنساني هو جمالٌ متفرد، لكنّ الخلل يحدثُ حين لا يكون للإنسان شيءٌ ليعبر عنه، فتصير الوسيلة مبتذلة؛ لأنّ الغاية مفقودة أو مزيفة.

والغاية من الصورة اليوم، هي الادعاء، وتزييف الحقيقة، لتعويض شيءٍ من الفراغ القاسي الذي تحشرنا فيه دوامة الاستهلاك، ويحرمنا منه غياب المعنى لوجودنا.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع للاطلاع على مزيد من تدوينات الكاتب اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
"تعالَ نأخذ سيلفي.." عن زمن البؤساء المبتسمين للكاميرا