أبي.. متى تعطيني هذه الهدية؟
السبت, 15 ديسمبر 2018

أبي.. متى تعطيني هذه الهدية؟

يا أبي.. يا من احتضنني واعتنى بي، ويا من رباني بحنان وحب؛ أراك شامخاً لامعاً بين أهلي، فأنت الساعد والقوي والمقتدى، فكلنا نعتمد عليك ونقوى بك، فنحن نحتاجك في السر والعلن وفي المسرة والمضرة.. فأنت دوماً المأوى والمرجع لنا؛ نشاركك الأحزان والأفراح، نضحك معك ونكشف لك أسرارنا، ونحس بالأمن والأمان بجنبك، فأنت الرفيق والمنيع والحارس الحقيقي من وحوش الدنيا الآدمية والحيوانية.. فما أغلاك يا أبي!

أتذكر دوماً وبدون انقطاع عنايتك الدائمة لي واهتمامك الزائد الذي لم يقل عن قدره يوماً، فكنت تقول لي دائماً: «يا ولدي، يا حبيب قلبي»، وضحكاتك معي ما زالت تترد في فؤادي فهي كانت نعم الرفقة والألفة، فأحياناً كنت تلاعبني وتجري معي في فناء البيت، وتعطيني جزءاً قيماً من وقتك لي، وهذا أبداً لا أنساه، فقد كان  لبنة أساسية من لبنات حياتي التي أتمتع بها.

ولكن يا أبي، تنوعت حاجاتي اليوم، ولم أعد نفس الشخص الذي كنت تعطيه الحلويات فيفرح، وتحمله إلى أعلى فيضحك ويمرح، فالوضع صار مختلفاً، والحاجة بدأت تتغير؛ نظراً لنمو عقلي وفكري وجسدي، فما كنت أريده بالأمس القريب لم يعد له معنى عندي اليوم، فطمعي وطموحي ازدادا، فأرى الحياة من رونق وطريقة خاصة بي، فهذا ما طرأ بي ولم أعهده من قبل.

أبي.. أريد منك هدية خاصة لشخصي، ولحالي وعمري، هدية تتحسن بها حياتي وتتحرك نحو الأمام، وتحقق لي آمالاً مستقبلية وتحوّل أحلامي إلى واقع عملي ملموس.. هدية لم تعطِني إياها من قبل؛ فهي جديدة ولم تلمسها يداي من قبل؛ فهي من الطراز الغالي والنفيس، فهي مع غلائها تكمن في داخلها الفوائد العظام، والمنافع الكثيرة.

أبي.. «بهذه الهدية» أريد أن أسافر إلى عوالم مجهولة عني، ولم تطأها قدماي قط، فأستفيد منها الخبرات والثقافات، وألتحم مع أقوام وشعوب، ذات أعراف وتقاليد لم أعرفها ولم أرها من قبل.. أتنفس وأوسع بها فؤادي، وأجرب الحر والبرد، والطويل والقصير، وأصاحب أناساً، وأجعلهم إخوة لي في الإنسانية، أعتمد عليهم ويعتمدون عليّ، يعطونني ما لديهم وأعطيهم مما عندي، أفرحهم وهم يفرحونني.

أبي أريد أن أسند إلى مسؤولية، أي نوع كانت صغيرة أم كبيرة، حتى أجرب صعوبات الحياة ودروبها ومنعطفاتها، وأتعلم من الأخطاء ثم أصوبها، وأشارك في صناعات القرارات، وأبلغ الإنجازات وأحقق النجاحات.

أريد أن أتزوج وأعيش عيشة هنيئة، مع امرأة تشاركني الحياة وتكون لي رفيقة وأختاً وأُماُ وصديقة لي؛ ترعاني وأرعاها، أغضب عليها ثم أطلب العفو فهي تفعل بالمثل، فهناك أكون الزوج المثالي لزوجتي، وأباً فاضلاً وقدوة لأولادي فأكون سيد بيت وساعده.

أريد أن أشتري وأبيع وأبتاع، وأجمع الأموال، وأتصرف بها كيفما أشاء وحيثما أشاء، وأنفذ المشاريع وأقويها، فإن حصلت معي خسارة ولم أتمكن من تحقيق النجاح، فما هو إلا أنا، فإن حييت حاولت الكرة، ثم أنجزت من جديد وبصورة أفضل وأحسن.. فهو أنا فقط.

أبي.. أرى أن هديتي ازدادت غلاءً وقيمة بعد الذي أخبرته في تفاصيله ومعلوماته، أعرف «وأخبرتك في الأول» أنها غالية وقيمة جداً، ولا تقدر بثمن، وخاصة بالنسبة لشاب مقبل على الحياة ومنتظر الإقدام صوب الأمام، فلتتأكد أن تعطيني آذاناً صاغية وعقلاً واعياً.

أبي.. هديتي «الحرية»، فاسمها جميل، ونطقها كذلك، ولكن اكتسابها صعب عند كثيرين، فهديتي هذه هي مفتاحي نحو المستقبل المشرق، فهي تكون لي مثل سفينة أنا الربان فيها والمتحكم بأمورها، فهي أملي الوحيد لإحكام السيطرة على الحياة، فبدونها لن يقر لي قرار.

أبي.. أقول لك: أعرف أنك والدي ومن رباني ومن هو له كل الحق عليّ، ويجب عليّ أن أبرّه وأجلّه وأكرمه خير تكريم، ولكني أريد أن أنطلق كالطائر الحر في السماء أستنشق رائحة الحرية؛ فأنزل على أية شجرة أشاء وبقرار منّي، حينها تطيب الحياة، وما زلت متمسكاً ومنصاعاً للأوامر الوالدية وقراراتهما، ولكن هذه الحرية هي التي تجعلني نابغة من النوابغ وعالماً من العلماء.

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
«عام 2000 لن يكون به صومالي جائع»! فما الذي قلب حال الصومال وشرّد أهله؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
أبي.. متى تعطيني هذه الهدية؟