سطحية أحمد فهمي.. وركاكة ياسمين رئيس.. ما لم يتعلمه أصحاب مسلسل "أنا الخائن" من "سابع جار"
الإثنين, 10 ديسمبر 2018

سطحية أحمد فهمي.. وركاكة ياسمين رئيس.. ما لم يتعلمه أصحاب مسلسل "أنا الخائن" من "سابع جار"

في الوقت الذي يعود به الموسم الثاني من مسلسل «سابع جار» على قناة cbc بعد طول انتظار، يجد المُشاهد نفسه بينه وبين مسلسل «أنا شهيرة.. أنا الخائن» على قنوات mbc  بنسختين؛ الأولى من منطلق الراوي شهيرة، والأخرى الراوي زوجها الخائن رؤوف.

والمسلسل الذي أخرجه أحمد مدحت، مبالغ به كما هو اسمه بالضبط، أي بالعامية المصرية «كله أفورة»، لا يمتّ للواقع بصلة، وبعيد عن الناس، وبه تجريب في التكنيك خالٍ من الذكاء بل مجرد تكرار للأحداث والمَشاهد أو موازاة لها دون إدهاش أو أي نوع من التشويق أو الكشف عن جديد.

وأُضيف للجزء الثاني «أنا الخائن» قصص هامشية لشخصيات محيطة بحياة رؤوف وشهيرة دون داع لها، فهي لا تمثل محركاً رئيسياً في حياة رؤوف وشهيرة، بل جميعها حكايات غير ذات صلة؛ مملة ومليئة بالمبالغات غير الواقعية، فالحياة لا تحدث بهذا الشكل؛ لا يقتل صحفي فخور بقلمه رجلاً فاسداً في مكتبه، كما لا يوجد مصنع شوكولاتة في مصر يصدر إلى فرنسا!

إنها سردية درامية مليئة بالغلو وسهلة التخيل دون أن تجعلك تفكر لثانية، بل حتى الأسرار التي تُترك للجزء الثاني غير منطقية، فخيانة الجدة تترك عقدة في العائلة تجعل والد رؤوف وشقيقه طارق، والذي يؤدي دوره الممثل «خالد زكي» يكره النساء ويحرم دخولهن إلى قصره في مَشاهد لا تصلح سوى للكوميديا.

وكأن صاحبة الرواية الأصلية وكاتبة سيناريو المسلسل، السعودية نور عبد المجيد لا تختلط بالحياة الحقيقية، لتكتب قصصاً من لحم ودم بعيدة عن القصور البرجوازية والرجال المرغوبين الأنقياء والنساء المعشوقات المظلومات، وبالطبع هناك النهاية الدراماتيكية بالخيانة المشتركة التي ليس لها صلة بالسياق.

ناهيك عن ضعف أداء الممثلين والممثلات، على رأسهم الممثل أحمد فهمي في دور «رؤوف»، وقد أصبح لازمة المسلسلات المصرية الاجتماعية، على الرغم منه أنه حتى في هذه الأدوار البسيطة غير قادر على تمثيلها باحتراف، فأداؤه سطحي، كتعابير وجهه ونبرة صوته جميعها ذات نغمة واحدة.

ويبدو أن الممثلة ياسمين رئيس التي استطاع المخرج محمد خان تقديمها في فيلم «فتاة المصنع» كممثلة متفجرة بالأحاسيس، تقع هي الأخرى بمأزق الركاكة، فتظهر كدمية بلاستيك تحفظ دورها أكثر مما تبدع فيه، على عكس مجايلتها في العمر ولاء الشريف في دور حبيبة رؤوف الأولى «زهرة»، فعلى الرغم من خفوت شهرتها فإنها أدت دورها بكثير من الصدق والبساطة.

ولا مناص من التكرار في ثيمات الدراما المصرية؛ فهذه مرة أخرى حكاية الشاب الغني الذي يتعرف على فتاة من طبقة أقل منه، ويقع في حبها ويتزوجها على الرغم الصعوبات، وتكمن هنا في والده المعقد من النساء، ويريد أن يُبقي ولديه أعزبين.

وبالتأكيد ليس مطلوباً من الدراما أن تكون دوماً واقعية، لكن على الأقل لو لم تكن كذلك فهي بحاجة إلى أن تكون جذابة ومقنعة، ولكن ألا تكون شيئاً مما سبق، وفي جزأين كل جزء يبلغ عدد حلقاته ثلاثين، فنحن بالتأكيد أمام مأساة وإنتاج ضخم مهدور، ورواية لم تخرج من ضفتي الكتاب بل كأننا نشاهد رسوماً مع الكلمات.

فهو عمل درامي فيه بذخ وإضاعة لموازنة ضخمة، كان من الممكن استغلالها في عمل أفضل على المستويين الأدبي والدرامي، بدل التكرار الفادح للمشاهد والأحداث، والاعتماد على الإبهار البصري في القصور والسيارات وحفلات الزفاف، وبيت في جزيرة يتنقلون إليه بالمركب، والإبهار المعنوي بتمثيل شخصيات شديدة الشر أو شديدة الخير لجذب المتابعين، ما يجعل من الصعب الحكم عليه عند الكثيرين ولكن مع قليل من التجرد من عوامل الإبهار هذه لا يبقى شيئاً.

وإن مشاهدة عمل درامي كمسلسل «أنا شهيرة.. أنا الخائن» يجعلنا نفهم تماماً الموجة العنيفة التي حدثت ضد مسلسل «سابع جار» واتهامه بأنه يحرض على الفسق أو يصور المجتمع المصري دون أخلاق، فهو لم يأت بجرأته من الخارج بل كل ما فعله أنه مثل الواقعية بكل عيوبها وكل سوادها دون تزويق وتنميق وإبهار.

ومن المهم التنبيه إلى أن مسلسل «أنا شهيرة» لم يصنع على الإطلاق الضجة والأزمة الأخلاقية التي فعلها مسلسل «سابع جار» حين اختارت شهيرة أن تخون زوجها رؤوف رداً على خيانته في نهاية غريبة وغير متسقة على الإطلاق مع بنية الشخصيات، ولكن هذا يمكن حدوثه مع الرؤية البرجوازية للمرأة والرجل في المسلسل، والتي ترى المساواة بينهما فقط عند الانتقام أو في تمثل الأخطاء.

والسبب ببساطة في عدم الهجوم هذا أن الناس لم تشعر أن العمل يشبهها بل بعيد وخيالي، على عكس مسلسل «سابع جار» الذي كان حياً يشبه كل بيت في الطبقة الوسطى بكل ما تخفيه من أسرار وتسكت عنه من أزمات؛ لذلك ثار المجتمع المصري ضده بقوة، فهو يقول لهم عن مكنون هذه الأسرار بكل جرأة، وهذه الجرأة كانت في البداية محببة وقد عشقوا المسلسل، وانتظروا حلقاته بشغف تشهده صفحات «السوشيال ميديا» والتعليقات تحت الحلقات الرئيسية على «اليوتيوب»، قبل أن ينقلبوا عليه.

بيد أن الأعمال الحقيقية تؤلم وجرحها يجب أن يمس الجمهور أكثر من أي أعمال أخرى تبدو مصنوعة في بيوت بلاستيكية خوفاً عليها من التلوث بالحياة الحقيقية كما مسلسل «أنا شهيرة.. أنا الخائن»؛ لذلك جاء «سابع جار» مليئاً بالأتربة والرياح والغبار، فشخصياته عميقة متطورة، من البشر الذين نقابلهم كل يوم، في إطار من العادات المصرية الحقيقية كزواج الصالونات، وحفلات الخطوبة، وعادات الأكل، وسكوت المرأة على ظلم الرجل، وانتظار العريس الأبدي.

العمل لم يكن غريباً حتى مع الصدمات التي قدمها والتي لا يريد المجتمع الحديث عنها، بل أن يبقيها في المسكوت عنه؛ كقضايا الشرب وتدخين المخدرات، أو الإجهاض، والصداقات بين الجنسين، وهو ما جعل أغلبية من يمثلون هذه الطبقة أن يشعروا بالتعري الكامل من أسرارهم الصغيرة المتشابهة.

إن الحيرة الحقيقية التي تشعرك بالإحباط أنه بعد ثورة يناير/كانون الثاني في 2011، وما حدث وما طالبت به الجماهير وما خسرته يصبح غضبها مركزاً على مسلسل، وسقف حريتها حول ما يعرضه، وإذا كان من المفترض استكمال حلقاته أم لا؟!.

هناك حالة إنكار كاملة لكل ما آلت إليه المجتمعات العربية وقيمها، وقد أدى هذا الغضب إلى أن يتوقف المسلسل فجأة ليعود في الموسم الثاني كأنه مسلسل آخر انتزع منه فتيل قوته وجذبه بل عبارة عن مط وإعادة مونتاج لحلقاته بتحكم من القناة بعيداً عن صُناعه، وذلك في محاولة لتدارك أي ردود فعل جديدة على المسلسل، فقناة كـcbc من الصعب عليها استيعاب أن تعرض شيئاً تقدمياً مغايراً يجعلها محل نقد كبير ومحط جدل تماماً كما حاولت التحكم ببرنامج باسم يوسف «البرنامج» قبل إيقافه نهائياً.

وقد ظهرت موجة الاعتراض على المسلسل في موسمه الأول بقوة في آخر عشر حلقات والذي وصل إلى 47 حلقة، بعد أن كان كل شيء يجري ضمن رتم معتاد ومحبب، ولكن تشعر فجأة أن خط السرد مشي بسرعة؛ كي تصل الحبكة إلى مبتغاها، لذلك يأتي الموسم الثاني فيه كثير من المط لما بعد الأحداث ما يعني قتل شخصياته التي تعلق بها المُشاهد.

ويتضح تأثير النسوة القوي في الفن والدراما بعيداً عن أي نخبوية أو خطابية، كون أغلب شخصيات هذا المسلسل الرئيسية هن من النساء كما مخرجاته الثلاث أيتن أمين ونادين خان وهبة يسر، على الرغم من أنه أحياناً تمثل الواقع بحذافيره جعله يغرق فيما هو عكس النسوية تماماً من الإسهاب في شرح اختفاء كينونة المرأة دون أن تتزوج أو تصبح أماً، وإن كانت هذه الأفكار تعبر عن الشارع المصري، فكان بالإمكان أن يكون السيناريو أكثر وعياً وحرية من ذلك.

ومن الممكن القول إن المسلسل الذي صنعته ومثلته نساء، أعاد الاعتبار إلى قوة المرأة المصرية واستقلاليتها، فعلى سبيل المثال ظهر في المسلسل عملها ليس كماليات بل جزء من حياتها اليومية تحترمه وتقدسه، ولا تقبل المساومة عليه، وتلتزم بموازاته بأحكام المجتمع والأسرة، وكل التجاوزات التي قدمها المسلسل في حياة هؤلاء الفتيات تمت بعيداً عن أسرهن، فلا توجد موافقة علنية على ما يحدث، لكنه أيضاً يحدث بشكل منتظم وطبيعي ولا يمكن التغاضي عنه، فالمسلسل لا يقدم لنا مجموعة من الملائكة.

وحين تحكمت المُخرجات الثلاث بالمسلسل في الموسم الأول قبل أن تخرج الأمور من أيديهن كما حدث مع الموسم الثاني بحسب بيان لهن، كان لديهن الوعي النسوي والمجتمعي الكافي كي يكنّ حساسات لكل شيء، أضف إلى ذلك الرؤية الإخراجية المتميزة، إلا أن كل ذلك لا يعني أن المسلسل لم يقع في مطبات كثيرة بالجزء الأول، أهمها ضعف مواطن كثيرة في السيناريو.

كذلك هناك التركيز على كثير من التفاصيل الهامشية كأن يتم تضييع أربع دقائق كاملة في حلقة من الحلقات للحديث عن العلاج بالأعشاب كأنها فقرة توعية دخيلة على المسلسل، أو تكرار مشهد الرقص بين دلال عبد العزيز وابنها وابنتها، وكأن التلقائية الناجحة في المشهد الأول استدعت عرض مشهد آخر مشابه تماماً، وبذلك ضاعت تلقائية المشهدين في ذاكرة المُتلقي، وهناك التهويل طوال واحدة من الحلقات من تأثير قطع الكهرباء على «الجاتوه» الذي يجب تقديمه للعريس وعائلته، وهكذا كانت مثل هذه العثرات حاجزاً أمام كمال العمل.

أما موضوع تحضير الطعام كمكون رئيسي في جميع الحلقات لزيادة الحميمية بين المُشاهد والعمل قد نجح في ذلك، بالتأكيد ليس إلى درجة أن يصبح النسخة المصرية من مسلسل «باب الحارة»، ولكنها كانت مشاهد في محلها قربت المسلسل من المُتلقي وجعلت الأحداث تبدو حقيقية، وكادت كميات الأكل في المسلسل أن تخرجه من الطبقة المتوسطة إلى طبقة أخرى أكثر ثراءً لولا ذكاء المخرجات أنهن ركزن عليه كعادة أكثر منها قدرة مالية، فالعائلات ذاتها متوسطة الحال في جوانب أخرى.

وإذا كان المتلقي تاه بين مسلسلي «أنا شهيرة.. أنا الخائن»، و»سابع جار» على الفضائيات العربية إلا أنه لا يزال بإمكانه تمييز التلقائية الشديدة في تأدية الأدوار عند الممثلين والممثلات في «سابع جار»، في جميع المواقف كالحب والتدين والغضب والخيانة.

لقد قدم «سابع جار» ولا يزال على الرغم من أزمة الموسم الثاني، الشخصية المصرية بأقصى تطرف أزماتها ومشاكلها مع ذاتها ومجتمعها، واستطاع أن يحفر عمودياً بكل شخصية ويطورها ويجعلها غير سهلة وليست بلاستيكية أو كالـ»روبوت» تمثل ما تحفظه، وكان مصراً على تقديم شخصيات جديدة في كل حلقة تقريباً في تحدّ للـ»هارموني» بين الممثلين وهوية العمل التي لم تتأثر، بل كان تقليداً أضفى مزيداً من الواقعية على المسلسل ليشبه الحياة.

وعلى الرغم من أن «سابع جار» ركز على أن يعزل كل الأحداث والشخصيات عن السياسة ويبعدها، كما قدم نفسه في فترة زمنية غير محددة المعالم، فإنه مع ذلك أثار كل ذلك السخط، ما يجعل الحياة الاجتماعية وقيمها هي الأخرى نوعاً من السياسة، فمن أجل هذه الحياة ومكوناتها مكثت الجماهير في ميدان التحرير 18 يوماً قبل سبعة أعوام.

الجزيرة الوثائقية

مقالات الرأي المنشورة في عربي بوست لا تعبر عن عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
سطحية أحمد فهمي.. وركاكة ياسمين رئيس.. ما لم يتعلمه أصحاب مسلسل "أنا الخائن" من "سابع جار"