نحن الفتيات نسافر إلى إفريقيا أيضاً “1”

عربي بوست
تم النشر: 2018/04/14 الساعة 09:57 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/04/14 الساعة 10:00 بتوقيت غرينتش

قررت أن أخبركم قصّتي حين أعدت التفكير فيما حدث، ربما يستطيع أحدكم أن يستفيد منها:
من وجهة نظر فتاة مسلمة، ترددت مراتٍ كثيرة في القيام بهذه الرحلة. تساءلت كيف سيكون الأمر وأنا أتنقل على الطريق من بلد إلى بلد، وأقضي أياماً وليالي في العراء؟ كيف سأتحمّم؟ كيف سأسبح؟ وهل سيؤثر ذلك على صَلاتي؟
بالطبع، وبالنسبة لبعض الناس، فإن صعوبة الأمر قد تنحصر في التحديات الناجمة عن كوني امرأة، لكن هذا لم يكن مهماً لي ولعائلتي.

تم تشخيص إصابتي بالسرطان قبل ثلاث سنوات، وبحلول العام الثاني كنت أتعافى. صحيحٌ أنك تصبح شخصاً مختلفاً حين تتحداك الحياة.
قبل هذا، لم يكن لديّ شغفٌ بالسفر أو الاستكشاف، كنت متعلقة بالأشياء غير المهمة. أثّر ذلك على دراستي في الجامعة، ومشاريع أفكاري لم تكن مميزة، لم أكن أستطيع فتح عينيّ لأرى الصورة الأكبر، صارعتُ كثيراً.

بعد شهرين من المعالجة الكيميائية، قرر والدي أن يصطحبني إلى فيينا قبل بدء الجولة الثالثة من العلاج ليبعدني عن لندن لفترة. كانت الرحلة رائعة، ليس فقط لأنها كانت المرة الأولى التي أسافر فيها مع والدي وحدنا، بل أيضاً لأنها كانت المرة الأولى منذ زمن طويل التي أشعر فيها بالرغبة والحاجة إلى الاستكشاف. لا يمكنني وصف الأمر، لكن ما أعرفه هو أنني استعدت ومضة الحياة، ولِمَ تستحق العيش!

وهكذا بدأ الأمر، منذ تلك الرحلة، تمسكت بكل فرصة سفرٍ أحصل عليها أثناء علاجي. في بعض الأحيان، كنت أركض لحزم حقيبتي والانطلاق في السفر بعد انتهاء جلسة العلاج مباشرةً. بدأت أحلم ثانيةً، وكان الشعور منعشاً، كان حلمي وقتها هو أن أحضر دورة في الرسوم المتحركة في جامعة هارفارد في أميركا، وقد حققت ذلك الحلم.

بعدها عُدت إلى لندن لاستكمال آخر سنواتي في الجامعة، عُدت أقوى وأكثر انفتاحاً على الأشياء الجديدة، لكن هذا لم يكن كافياً. كلما بحثت أكثر وعملت أكثر على مشاريعي، رغبتُ في السفر مجدداً. هذه المرة لم أنوِ السفر في أوروبا، كانت عيني على إفريقيا، القارة التي جئتُ منها والتي لم أعِش فيها ولم أبنِ علاقة معها.

انتهزت كل استراحة من الدراسة لمشاهدة أفلام وثائقية عن السفر، عن نساء يرتحلن ليرين العالم، باحثاتٍ عن السلام أو فقط للخروج من دائرة الراحة التي اعتدن العيش فيها.

ذات يوم اعترفتُ لصديقة: "حين أنهي الجامعة، سأذهب للسفر. أنا أشتاق لذلك وأفتقد ذاك الشعور".
من حُسن الحظ أنها أجابتني بأنها تريد فعل هذا أيضاً. قررنا أن نخطط للسفر معاً إلى آسيا، لكني لم أشعر بأنه القرار الصائب. أدركتُ أن تركيزي منصبّ على شيء آخر، شيء مختلف له معنى أعمق بالنسبة لي، أحتاج الذهاب إلى إفريقيا.

الغريب هو أنني كلما أشرتُ إلى الذهاب إلى إفريقيا أمام أي شخص، يقول لي: "لماذا؟ لماذا إفريقيا؟ ألستِ خائفة؟"، أو "يا إلهي! الذهاب إلى إفريقيا مخيف، لن أدعمك في هذا القرار"، لكني كنت مُصرّة على الذهاب، كنتُ قد عقدتُ العزم.

حين أتى وقتُ إبلاغ والديّ بالأمر، كنت قلقة، بدا الأمر سريالياً قليلاً ولا أتذكر كيف أخبرتهما، ولكني أذكر أنني مهّدت للأمر بالإشارة إلى السفر. كانت خُطتي المبدئية هي السفر حول القارة لمدة ستة أشهر، لكن ولأنني كنت قد أنهيت العلاج الكيميائي للتوّ، رفض والداي الفكرة فوراً. تطلب إقناعهما الكثير من المفاوضات وبعض التنازلات الحقيقية، في النهاية حصلت على شهرين.. فقط العرب يساومون.

لكني عند هذه اللحظة كنت أواجه مشكلةً أخرى؛ لم يرغب أحدٌ في السفر إلى إفريقيا معي. أشارت إحدى صديقاتي إلى أن إحدى صديقاتها واجهت نفس المعضلة. قررت هذه الفتاة أن تنشر على أكبر عدد من مواقع الإنترنت حاجتها إلى رفيقة سفر، وبعدها بأيام قليلة، قامت فتاة من نفس المدينة بالتواصل معها. انتهى الأمر بسفرهما معاً وأصبحتا صديقتين حميمتين، منحتني هذه القصة الأملَ.

قضيت عدداً لا يُحصى من الساعات بين الكتب ومواقع الإنترنت، باحثةً عن رفيقة سفر تريد الترحال في إفريقيا وفي توقيت يوافق خُطتي. كل الردود كانت تأتي من رجل لم ألتقِ به من قبل بالتأكيد، ولم تكن فكرة السفر مع رجل غريب جذابة بالنسبة لي. أخيراً صادفت وكالة سفر تنظم الرحلات إلى جميع أنحاء العالم، أخذت أختي وتوجهنا إلى هناك لمناقشة الخيارات التي يقدمونها.

كنت منتشيةً بالإثارة، فقد كانت الرحلة هي تماماً ما أبحث عنه، لكن تلك النشوة تلاشت، فقد كانت تكلفة الرحلة باهظة. ولم يكن هذا السبب الوحيد لإحباطي، فقد كنت قلقة حول المجموعة التي سأسافر معها والتي سألتقي بها حين أصل إلى هناك، ماذا لو كانت المجموعة من النوع الذي يصعب التلاؤم معه؟ هذا سيفسد الرحلة كلها.

كما كانت هناك فكرة قضاء شهرين متواصلين من التخييم المستمر والتجوال عبر البراري. هل سأقدر على فعلها؟ بحثت عن بدائل أخرى، مثل مجرد السفر بميزانية منخفضة بمفردي، حاملةً رَحْلي وزادي على ظهري عبر هذه القارة الساحرة.

لا أستطيع أن أصف لكم حالة التردد الفظيعة التي أعقبت ذلك، كل ما كنت أعرفه وعلى يقين منه هو أنني ذاهبة ولا بدّ؛ كان عليَّ أن أُحيي جذوة حبي القديم لفن التصوير الذي هجرته قبل سنين، فهل من فرصة أفضل من هذه التي سنحت لي الآن وفي إفريقيا؟ حياة لندن باتت لا تُحتمَل بالنسبة لي؛ حيث كل شيء مرتبط بالمستشفى وبمرضي السابق. أصبح لديَّ رهاب الازدحام والاختناق منه في هذه المدينة التي يرغب معظم سكان العالم بزيارتها، كان من الضروري أن أغادر ولو لفترة وجيزة على الأٌقل.

تفصلني الآن ستة أسابيع عن موعد اتخاذي القرار إما بالذهاب أو بالبقاء، قلبت مخاوفي في ذهني: خوفي من الحشرات وكراهيتي للقيظ والحر، وتجاربي السابقة التعيسة في التخييم، والدوار والغثيان الذي يعتريني أثناء السفر براً.

وفجأة شعرت أن كل هذا ما عاد يهم ولا يحول دوني وحجز تذكرة سفر، لن أدع شيئاً يعيق خُطتي، سأفعلها يعني سأفعلها. صحيح أنني أتخلى عن سُبل راحتي وأنني لا أعلم مع مَن سأسافر ولا كيف سيؤثر ذلك عليّ، كما أن شعوراً ملأني بأن هذه أكبر مغامرة خطرة أخوضها في حياتي (أخطر حتى من لحظة توقيعي لأوراق الموافقة على العلاج الكيماوي التي ذكرت خطر الموت من بين أعراضه).

وبعد سنة صعبة في الجامعة وبعد تخرّجي بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، اعتقدت أنه لن تكون هناك طريقة مثالية ومريحة للسفر، وأن عليَّ المغامرة، وهكذا حسمت أمري، واشتريت بطاقة السفر.

ثم جاء اليوم الذي تسلمت فيه حقائبي وأمتعتي في المطار وخرجت من البوابة لأجد نفسي في كيب تاون بجنوب إفريقيا؛ كان ذاك هو اليوم الذي تلاشت فيه مخاوفي، وحل محلها سلام وسكينة لم أشعر بهما من قبل، لتبدأ رحلتي.

(يُتبَع)

** الصور من مدوّنة مريم حراز عن رحلتها إلى إفريقيا.. المزيد هنا، ويمكن زيارة حسابها على إنستغرام هنا.

 

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

مريم حراز
فنانة بريطانية مصرية
تحميل المزيد