هوكينغ ليس النموذج الوحيد.. وإنما الخلل كامن في خجلنا من ديننا

عربي بوست
تم النشر: 2018/04/12 الساعة 13:32 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/04/12 الساعة 13:32 بتوقيت غرينتش

"لم تكن قضية ستيفن هوكينغ والترحم عليه بحد ذاتها وذاته هي  إشكالية الحوار والنقاش في الفيسبوك اليوم، غير أن ما تخفيه وراءها وبين السطور من مدركات المسلمين في هذه الحقبة من تاريخهم المهزوم لحقيقة الحياة وطبيعتها وقواعدها التي أنشأها الله عليها وأنشأهم فيها، ومنها كانت تشريعاته وعقيدتهم، هي مربط الفرس.
فقبل الحديث عن الرحمة بشكلها العام ومساحات الرحمة المبتغاة من الرحمن الرحيم لعباده، والمذكورة في القرآن الكريم في سياقات مختلفة علينا، أن نُدرك أصلاً  ثابتاً في تصنيف الناس قامت عليه أول سورة في القرآن بعد الفاتحة وقامت عليه الدنيا.

فإن استمراء الرحمة للكافر المعاند زوراً وبهتاناً ليس تضييعاً فقط  للعدل الإلهي للمؤمنين الذين جاهدوا في الله حق جهاده، ورابطوا على الإيمان والطاعة، بل وتضييعاً للدين ذاته وثوابته، وهذا مبتغى شيطاني عظيم، يقوم عليه وجوده، ليهلك من بعده وجودنا… ويهلك الدين.
فعندما بدأت سورة البقرة في تصنيف الناس، بدأت بتصنيفهم في أول إطلالة للقرآن على الناس، كل الناس، بطريقة مختلفة تماماً عما في عقول الناس وعقولنا من إنسانيات زائفة ندّعيها فقهاً للحياة!
فلم يتم التصنيف بناء على المكان والأرض والوطن، هذا ابن جزيرة العرب، وذاك من اليمن وفرنسا والصين، ولا صنفتهم بناء على نوعي الجنس البشري، هؤلاء رجال ونساء يتمايزون في هيئات وقدرات وكفاءات، ولم يتم تصنيفهم بناء على العلم والجهل.

لأن ارتباط تصنيف الناس في الكون غير قائم بحسب علاقاتهم الإنسانية ببعضهم البعض؛ ليكون التصنيف جزائرياً وهندياً وفرنسياً يعملون في شركة واحدة متسامحين متحابين، منجزين خيراً للبشرية (وهو كذلك)، ولا نساء ورجال  يتزاوجون عن حب ووفاق، فيتكاثرون وتكبر العشائر وتتواصل القرى، وتختلط الأنساب فتزدهر قيمة التعارف والتشارك (وهو كذلك)، ولا يرتبط تصنيف الناس يوم يرتبط بناء على علومهم؛ ليكون عالِم الفيزياء أو الكيمياء أشد أثراً من عالِم التاريخ أو أكثر ارتباطاً بعَالِم الفلسفة، فتصنيف الناس لا يرتبط بعلاقتهم بالعلوم واكتشافهم لمعادلة فيزيائية أو معادلة كيميائية أو منهج لتفسير التاريخ أو اكتشاف أفق لعلاج مرض (وهو كذلك)، وهو كذلك في كل ذلك من نفع للبشرية في استمراريتها وعمارتها لكوكبها الذي هي ساكنته وتقطنه كجنة خلدها.

بل إن تصنيف الناس يرتبط حين يرتبط بالأصل الأصيل لوجودهم في الحياة، يرتبط بموقفهم من مُوجِدهم وخالقهم فيها، الذي أتى بهم من العدم ليروا نور الحياة ويتدرجوا من ثمّ في علاقاتهم ويصعدوا سلم علومه فيها؛ ليحققوا مُراد الله في شهادتهم على عظمة خالقهم بخلقهم، عظمة إبداعه بإبداعهم، فهم روحه.
فكانت البقرة أول ما تتحدث عن أصناف ثلاثة من البشر: المؤمن والكافر والمنافق.
تصنفهم بناء على علاقتهم بالله، ولا شيء آخر، لا علم ولا قوانين ولا نظريات أبدعوها، ولا جاه ولا عائلات ولا عشائر ينتمون لها، ولا  أوطان ولا ديار هم قاطنوها، كل ما يملكون من فكر ووعي وعمل وعلم ومال وأرض وحسن خلق وحب للإنسانية متوقف حين يتوقف على علاقتهم بالله وتسليمهم له؛ فهم إما مؤمن استحق الفوز  والخلود بالنعيم، وإما كافر استحق الجحيم والعذاب، وإما منافق واستحق ذلك أيضاً.

فكان التوحيد مناط الحياة وسبب الخلق الثابت، ومناط الرحمة بهم أو الغضب عليهم.
وكان التوحيد مناط هبة العقل لهم؛ ليتعلموا من خلاله قوانين الخالق في الحياة، فمن تعلم القوانين لينكر الخالق أنكره الخالق، ومن تعلم القوانين ليصل إلى إبداع الخالق العظيم، وصل إلى حالة الخلود العظيم.
هذا أصل ثابت في تصنيف الناس، وأصل لوجودنا.. ومنه تكون وتُبنى المواقف، وبغض النظر عن الأدلة القرآنية لهذا الأصل وتبعاته فهي كثيرة جليلة، بل هي القرآن كله، قام عليه بناؤه، فكيف بنا نستهتر بالموضوع بسذاجة ادعاء الرحمة، وللرحمة بالطبع مقامها، الذي لا أتحدث عنه الآن!
فأن يتعاطف بشر مع بشر ضد معايير الخالق لأصل تصنيفه للبشر وللبشرية، فهذه جريمة كبرى لا أشك وبأدلة القرآن على تحريم ذلك، ولا أشك أن من يتعاطف عليه من الإثم ما عليه، أما أن يتعاطف بشر مع بشر لإيصاله للخالق فهذه هي الوظيفة العليا لوجود المؤمنين، أن تعُرّف من لا يعرف بخالقه.

ومن القرآن :"لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
يوادون من الود، فكيف بالدعاء بالرحمة والترحم؟! وإنما شمت رسول الله بأبي جهل وهو مدفون في بئر القليب وزمرته الجاحدة، ولم يترحم عليهم.

ويقول الله تعالى: "لا تجد"، أصلًا أنت لا تجد قوماً يؤمنون بالله يفعلون مثل هذا الأمر! وهذا دليل على الآفة العظيمة والخلل العميق الذي أصاب عقائدنا وارتباطنا بدين الله.

والدين، أي دين، حتى لو كان دينك البلاهة، فهو ما تُدين به نفسك له وتذعن له كامل الإذعان، وكل إنسان على وجه هذه البسيطة يدين نفسه لشيء ما، شاء أم أبى.

هنالك مَن يدين نفسه للحريات المطلقة، وهناك مَن يدين نفسه للعلم، فيصبح دينه وإلهه،  وهناك مَن يدين نفسه للمال كالحكام الظالمين سارقي قوت الشعوب، وهناك وأغلب المسلمين أصبحوا كذلك دون أن يشعروا  أصبحوا يدينون أنفسهم لأخيهم الإنسان، ولقيم إنسانية زائفة حتى ولو ضد تشريعات الله وقوانينه ومنظومته من شدة خجلهم من تشريعات الله أمام أخيهم هذا الإنسان،  فأرادوا أن يقولبوا الله في صورة، ولكنها ليست كالتجسيد المسيحي لعيسى بل تجسيد أشد، جسدوه على صورتهم المعنوية الناقصة، فظنوا أن رحمتهم أشد بأساً من رحمة الله،  وهنا يكمن خلل كبير في المُعتقد ذاته، فها هو أحدهم يكتب:

"لو أن لي جسداً ضخماً جداً يقف على بوابة الجحيم؛ ليمنع أي أحد من الوقوع فيها"، يريد أمثال هؤلاء أن يجعلوا رحمة الله مبتذلة كصورة رحمتهم الناقصة الظالمة؛ لأنهم لن يستطيعوا أن يصلوا بحكمتهم الضئيلة إلى حكمة الله العليا، فيظنون أن جهنم عذاب، وإنما جهنم بمن فيها هي الرحمة التي كنست الكون من العذاب والظلم والشر.. يريدون أن ينقذوا الناس أمثال هوكينغ وغيره من الله المُكافئ العدل، أو يساووا مسلماً وحّد الله وعرف قدره بهوكينغ الذي كلما احتد ذكاؤه كلما تعالَى على الله غروراً بذاته.

نعم.. إن المسلم العاصي أوْلى بالرحمة من العالِم الكافر؛ لأن العاصي على معصيته وصل وبمعية شهوته ومعصيته إلى الاعتراف والشهادة بالخالق تواضعاً وذلة لله،  وأبى العالِم وبأدوات علمه الموصلة أصلاً للخالق أن يعترف بالبديع، تذاكى على الله وتحامق مع نفسه، فنال جزاءه.. وعلى هذا قِس.

ونحن لا نرتبط بالله عن طريق البشر،  وتلك هي آفتنا ونقص إيماننا اليوم، نحن نرتبط بالله فنحدد على أثر ذلك علاقتنا بالبشر ضمن معاييره.

والتوحيد هو أول الدنيا للوصول بالعقل والعلم والعمل إلى آخرها وآخرتها، عليه قامت وعليه يكون حساب الآخرة، ولم يكفِ ولا يكفي ولن يكفي يوماً ذلك الإيمان الصامت بل هي شهادة، وهي أول ركن للقبول، ولا بد من إعلانها؛ لأن في الإعلان اعترافاً ووضوح رؤية، وفي الإعلان تثبيت موقف مهم وخطير، وفي الإعلان تشجيع الآخر  على شهادة مماثلة.

ونحن أمام خيارين؛ أما أن نعِي عن الله تصنيفه للبشر من أول سورة في كتابه ومصير كل صنف، أو أن نخترع إلهاً جديداً نؤمن به بعيداً عن الله العدل الحكيم، وليكن إلهُنا الجديد أخانا الإنسان وليكن دين الإنسانية.

فإن الإسلام ليس دين الإنسانية، ولا يجمع الأطياف والأصناف كلها في صعيد واحد من الرحمة أو العذاب، بل الإسلام دين الاستسلام لمنظومة الخالق والإذعان له، فلا تجعلوا الله شعاراً للإنسانية، بل الله هو الخالق المعبود.. وهنا لعمري لفرق جلل، وهو ذاته مربط الفرس.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

أروى التل
مدير ومؤسس شركة زدني للتعليم
تحميل المزيد