لماذا نعشق الأفلام؟

عربي بوست
تم النشر: 2018/04/07 الساعة 10:56 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/04/07 الساعة 10:56 بتوقيت غرينتش

بحب السيما، لا تستقيم حياتي من دونها، أشعر دائماً بأنني داخل علاقة مع السينما، لا أعرف لها اسماً واضحاً، كل ما أعرفه أن أي علاقة تستوجب التزاماً بين الطرفين، السينما تعرض لي أفلامها، وأنا ملتزمة بالذهاب إلى قاعة السينما للمشاهدة والتصفيق الحار، ولكنني اكتشفت مؤخراً وكما يقول العندليب، "لست وحدك حبيبها"، هناك آلاف غيري على علاقة بالسينما، يعشقونها عشقاً، مع أننا كعشاق للسينما، نبدو في نظر الآخرين "تافهين"، أو "بنضيع وقتنا وفلوسنا".

لماذا نحب السينما؟ سأجيب عن هذا التساؤل المحيّر للجميع.. بالنسبة لي، ببساطة، تعطيني السينما ما أفتقده، أستطيع خلال ساعتين أن يكون لي حبيب يحبني بشدة، أن تكون لي أسرة كبيرة لا تنتقدني أبداً، أن أحقق أحلامي وأصبح نجمة تطفو فوق السحاب، أن أرقص في الشوارع دون عارٍ يلحق بي، وأن أغني دون أن يسكتني أحد.

عندما ينطفئ النور داخل قاعة السينما، ويبدأ عرض الفيلم، يعتقد الجميع أنك لا تشاهد سوى هذه الشاشة الكبيرة أمامك، ولكن عندما ينطفئ النور لا يرى عاشق السينما إلا نفسه، يتوحّد مع كل مشهد، ترى كل سيدة أنها البطلة، ويرى كل رجل أنه البطل، فتشعر بهمومهم وفرحهم، تنفصل تماماً عن واقعك مدة ساعتين، تنسى أنك فلان الفولاني، الذي وراءه عشرات المسؤوليات، أنت الآن لست فلاناً، أنت الآن البطل، والانفصال عن الواقع بعض الوقت، نعمة كبيرة، الراحة وشحن الطاقة مهمان لمواصلة الحياة.

تجعلك السينما تعبّر عمّا بداخلك رغماً عنك، كأي طبيب نفسي ماهر، فخلال الفيلم تؤثر فيك مَشاهد لا تؤثر بأحد غيرك، فتدمع عيناك في بعض الأحيان، وأحياناً كثيرة تبكي بشدة، ولا يشترط أن تبكي أمام مشهد حزين، فمن الممكن جداً أن تبكي بشدة أمام مشهد فرح، دون أن تعلم لماذا تبكي؟ لا أحد يعلم لماذا يبكي أمام الأفلام؟ خاصة عندما يرى مشاهد معينة دون غيرها، ولكننا نعلم بعد البكاء أننا تخلصنا من عبء كبير على صدورنا، وأصبحنا أفضل حالاً مع حل حبكة الفيلم.

ستجد داخل كل فيلم ما فقدته في الواقع، إن لم تجد صديقاً تحكي له، فستجد أصدقاء جدداً داخل السينما، إذا لم تجد عاطفة من الأب والأم، فستجدها خلال السينما، شاهدت صديقة لي تبكي أمام الفيلم الكوميدي Father of the bride، فهمت سبب بكائها، وفهمت سبب إعادتها مشاهدة الفيلم نفسه عشرات المرات، إنه الحنين إلى هذا الأب العطوف، كانت تفتقد والدها.

وكتجربة شخصية، بكيت ساعتين بعد مشاهدة فيلم Lala Land، ليس لافتقادي قصة حب، أو خسارتي حبيباً؛ لأنني لم أخسر حبيباً قط، ولكن لقهري من قِبل المخرج، فهو خدعني، قال لي إن هناك نهاية سعيدة، أعطاني كل ما تمنيته، جعلني أشعر بأن هناك فرصة ثانية لكل شخص، بإمكانها أن تصلح الأمور، ولكنه عاد سريعاً ليأخذ مني كل شيء تمنيته، فجأة، قال لي إن الواقع قاسٍ، تكيَّفي معه، أذهب إلى السينما لأجعل الواقع أجمل، ولكن بعد هذه الصدمة، لن أجد مكاناً آخر لأهرب إليه، فلم أجد حلاً سوى البكاء .. فلا يوجد مفر.

السينما هي المكان الوحيد الذي سيعطيك أملاً بلا حدود، لن يوجد صديق سيقول لك: غداً سيكون أفضل من اليوم، فالجميع يدندنون نغمة واحدة هذه الأيام، قلِّل من توقعاتك بحياة أفضل؛ حتى لا تنصدم بالواقع، حتى أصبحت لا تتوقع شيئاً على الإطلاق.

ولكن السينما تعطيك حياة، من دون أن تنتظر منك المقابل، خاصةً خلال أفلام السير الذاتية، التي ترى فيها أشخاصاً لم تكن لديهم فرصة واحدة للنجاح، ولكنهم تحدّوا مَن حولهم، ونجحوا في النهاية، فمع نهاية هذه الأفلام، تشعر بأن هناك من يهمس في أذنك قائلاً: احلم، الحلم ليس حراماً، ليس عيباً، لا تخجل من الحلم، فالأَولى بالخجل هم من يئدون أحلامنا، قبل أن يعطوها فرصة واحدة لترى النور.

من منّا -كمحبين للأفلام الأجنبية- لم يكتب على الإنترنت: رشِّح لي فيلماً يدور حول السعادة وتحقيق الأحلام، فيرشح له الناس فيلم the pursuit of happyness، ثم يشاهده ويشعر بأنه بالفعل في حال أفضل؟ من منّا لم يكتب عن حبه الشديد فيلم The Shawshank Redemption، وتوحّده معه خلال مشاهدته؟ ما أحوجنا لأن نرى أشخاصاً بسيطة، تحاول بكل صعوبة أن تجد الأمل، ثم تجده وتنجح، وتصبح بحال أفضل، من الجيد أن تجد من يؤنسك، أن تشعر بأنك لست وحدك.

شاهدت الفيلم الوثائقي Jim and Andy، الذي يتحدث فيه الممثل "جيم كاري" عن تجسيده شخصية الممثل الراحل "آندي كوفمان"، قال "كاري" خلال الفيلم، إنه حزن بعد نهاية التصوير، ليس لأنه افتقد الشخصية التي كان يؤديها؛ بل لأنه عاد إلى "جيم كاري" مرة أخرى، فقد ظل 3 أشهر يعيش كـ"آندي كوفمان"، لا يعبأ لأي شيء، فنسي كيف كان يعيش "جيم كاري"، عاد إلى أحزانه مرة أخرى، ولمشكلاته مرة أخرى، ولكنه كان شاكراً للفترة التي ابتعد فيها عنه.

إذا كان هذا هو شعور "كاري" فكلنا كعشاق للسينما إذن ممثلون، لا أستثني أحداً.

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
ياسمين سعد
مهتمة بالفن والسينما
تحميل المزيد