متلازمات وأمور أخرى

أمّا "ستوكهولم" والـ"بوليميا" فقد نالتا نصيب الأسد في شُعورنا، فكُنّا وما زلنا نتعاطف مع مُسببات الألم في حياتنا ونختلقُ لها أعذاراً مُتتالية، ونتلذذ في استنزاف أنفسنا وطاقاتنا ومشاعرنا في ما يؤذينا.

عربي بوست
تم النشر: 2018/03/21 الساعة 03:14 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/03/21 الساعة 03:14 بتوقيت غرينتش

لستُ فيلسوفاً، ولكنني رجل علم، قضيت الشطر الأكبر من حياتي في المعمل أدرس الكائنات الحيّة، والشطر الباقي في العالم الفسيح أُراقب بني الإنسان، وأحاول أن أفهمهم، ومع ذلك فإنني لا أدّعي أنني أعالج أموراً خارج نِطاق حقل المُلاحظة العِلميّة.

بهذه الكلمات العاجِزة بدأ "ألكسيس كاريل" مُقدمة كتابه "الإنسان ذلك المجهول" والذي يُعدّ مَرجعاً بحد ذاع صيته وتُرجم للعديد من اللّغات بالرغم من نَشره مُنذ زمن بعيد (1935 تحديداً)، ويبدو أنّه وبالرغم من مجهودات أليكسيس ومن سبقه وتلاه من عُلماء النفس والفلاسفة والمُفكرين في هذا المجال، إلا أنّ وصول الفضاء واكتشاف وتصوير أكبر المجرات -التي تبعد عنّا ملايين السنوات الضوئية- وأصغر الذرات المُكونة لأجسامنا ما زال -على تعقيده- أبسط بكثير من إدراك خبايا النفس الإنسانيّة ومكنوناتها، وإنه لأمرٌ مُزعجٌ حقاً أن تكون قادراً على تفسير كُل ما يدور حولك وتقف عاجزاً عن تفسير وإدراك ذاتك.

ويتجلى العجز ليجلعنا نقف مكتوفي الأيدي شاخصة أبصارنا أمام أندر التصرفات البشرية العجيبة لبعض الحالات النادرة التي تُدرج أسفل اسم "المُتلازمات"؛ حيث يعيش المُصابون بها ضمن حالة نفسية فسيولوجية لا تخضع لأيّ عقل أو منطق، ويقع المُصابون بها في المنطقة الفاصلة بين الفهم والوهم فتصدر عنهم تصرفات لا عقلانيّة ناتجة عن عدم قدرتهم على السيطرة على ذواتهم.

فمُتلازمة "كابجراس" مثلاً يعاني مصابوها من الوهم بأن أحد أفراد أسرتهم أو أصدقائهم قد تم استبداله بشخص مُتطابق المظهر، فلا يثقون به أو يصدقونه، وقد يتعدى الأمر ذلك إلى مُحاولة الاعتداء عليه أو تعذيبه للاعتراف.

وقد يزداد الأمر سوءاً من إنكار وجود الغير إلى إنكار وجود الذات كما في متلازمة "كوتار"؛ حيث يفقد فيها المريض تعاطفه مع ذاته وحرصه عليها؛ ليشعر أنه غير موجود أو يشعر بفقدانه دماً أو عضواً معيناً، ورُبّما يتنامى هذا الشعور ليقتنع المصاب أنه ميّت تماماً، وينتهي به الأمر مُحاولاً الانتحار.

وفي متلازمة أخرى قد يُنكر المُصاب ذاته مع إبقائها على قيد الحياة -ولو أن نُكران الذات بحدّ ذاته موتٌ مُطلق- فيُنكرها بانعدام الثقة بالنفس وغِياب تقدير الذات؛ ليعتقد المصاب بهذه المتلازمة أنّه لا يستحق النجاح الذي حققه، ويعتبر ما تمّ تحقيقه مُجرّد صدفة أو هِبة من السماء أو ضرب من الحظ، ولا علاقة لمجهوده الشخصيّ المبذول، بل ويعتقد أيضاً أنه كان مُحتالاً على الآخرين وقام بخداعهم ليصل إلى ما آلت إليه أموره، لهذا سميت بمتلازمة "المُحتال".

وتتجلى أذيّة الذات الجسديّة في مُتلازمة غريبة للغاية تدعى "البوليميا"؛ حيث يشعر المُصاب فيها باللذة العارمة خلال تناول الطعام، فيأكل إلى الحدّ الذي يُصبح فيه مُتخماً لا يقدر على التنفس، مما يجبره على أخذ أدوية إسهال أو إرغام ذاته على التقيؤ والاستفراغ ثم يقوم بإعادة هذه الدورة المؤلمة مراراً وتكراراً لتحصيل اللذة.

ومن مُتلازمات إنكار الغير والذات إلى تسويتهم جميعاً، فها هي مُتلازمة "فريجولي" تُوهم مُصابها أنّ جميع الناس هُم شخص واحد، فيراهم بذات المظهر، وإمّا أن يُحبهم جميعاً، وأما أن يكرههم جميعاً وينفر منهم تِبعاً للشخص الذي يرى الناس على هيئته.

وقد يختلُ ميزان الشعور في بعض المُتلازمات فيتعاطف مُصابوها مع من يُؤذيهم باستمرار وقد يرتبطون معه عاطفياً أيضاً كمتلازمة "ستوكهولم"، والتي ظهرت حين تعاطف بعض الرهائن مع مٌختطفيهم ووصلت بهم الحال للدفاع عنهم في نهاية المطاف، ويُعزى سبب هذه المُتلازمة لحاجة المُصابين اللاإرادية للحصول على الحماية عندما تنتهي سُبل الخلاص، وقد تُقلب الآية تماماً فيتعاطف الخاطف مع رهائنه مثلاً كمتلازمة "ليما" التي ظهرت في اليابان.

وأمّا بعد:
إذا كان لسانُ حالنا بعد تلك السطور "ما شأننا نحن؟.. فالمُصابون بمثل هذه المُتلازمات نادرون ولا علاقة لنا بِهم، ورُبّما لم نسمع ببعضها مُسبقاً" فالإجابة ستكون، لا يا صديقي فهذه المُتلازمات على تعقيدها تَسكن في كُل واحد مِنّا!

ولو دقّقنا النظر جيّداً لوجدنا جُزءاً بسيطاً من كل واحدة مِنها يظهر جليّاً -في موقف واحد على الأقل- في حياتنا اليومية، وإن لم تكن بنفس الوصف المرضيّ الطبيّ السابق، وبنفس الحِدّة والدرجة.

فمن مِنّا لم يشعر بتغيُّر طِباع أحد أفراد أسرته معه -وخصوصاً الوالدين في مرحلة المراهقة- ليفقد جُزءاً من تعاطفه مع أحدهما أو كليهما وهذا جزء "كابغراس".

وكم مِنا من يُبدع في نكران ذاته وجلدها ليلاً نهاراً فيكون قاب قوسين أو أدنى من "كوتار" فقط؛ لأنه أراد أن يجعل من رأي غيره فيه واقعاً مُطابقاً له، وقد يكون مُقتنعاً في مرحلة ما أنّه ذلك "المُحتال" الذي لطالما كان الحظ حليفه وصديقه في نجاحه.

أمّا "ستوكهولم" والـ"بوليميا" فقد نالتا نصيب الأسد في شُعورنا، فكُنّا وما زلنا نتعاطف مع مُسببات الألم في حياتنا ونختلقُ لها أعذاراً مُتتالية، ونتلذذ في استنزاف أنفسنا وطاقاتنا ومشاعرنا في ما يؤذينا.

فـ"ستكهولم" ليست مُرتبطة بالأشخاص وحدهم، وإنما تتعداهم لتشمل كُل ما يضرُنا ونتمسّك به بالرغم من ضَرره، فمَن يعمل في مكانٍ لا يُناسبه، ومن يدرس تخصصاً ليس منه في شيء، ومن يُرافق أشخاصاً يُسقطونه ولا يرفعونه، ومن يُقدّس عاداته وتقاليده السيئة ولا يتحرر من عُبودية فِكره.

كُلهم يُعانون من "ستوكهولم" المشاعر، وكُلهم فشلوا في اعتزال مَن وما يؤذيهم؛ لذلك يجدون في الرضوخ لذواتهم خياراً أسهل لتجدهم يبحثون عن شعور اللذة المؤقتة بصرف النظر عن عواقب أفعالهم التي ستجعلهم يمر بأوقات عصيبة ومؤذية للغاية تماماً كالـ"بوليميا".

وعلى ناصية هذه المُتلازمات التي تفضح عُيوبنا البشرية وتُعرّينا من مظاهر كمالنا المُصطنعة، يقف الكمال البشريّ مُبتسماً يأبى أن يصله أحدنا، ومِمّا يزيد ابتسامته أن يرانا ما نزال نحاول الوصول له -على الرغم من إيماننا التام باستحالته- ولكن يكفينا شرفاً أن نموت ونحن نُحاول، أن نموت ونحن نُناضل؛ لكي نكون أفضل ونُغادر هذه الحياة بأقلّ اتساخ مُمكن.

إننا كالإسفنجة، ثُقوبنا كثيرة، لكننا لا نزال نُقاوم ونمتصُّ ما تيسر لنا من العِلم لنعمل به ونصبح أفضل، وسنموت في الللحظة التي نتوقف فيها عن المقاومة، عندها فقط ستصبح أيامنا تماماً كـ"فريجولي"، كُل أيامنا متشابهة لا نُفرّق بينها.

وعلينا أن ندرك في الختام أن الاعتراف بالنقص كمالٌ مُطلق، والبحثُ عن الكمال وهمٌ محض، و"الشغف" تِجاه معرفة عيوبنا ومحاولة إصلاحها هو جوهر هذه الحياة بأسرها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات عربي بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

تحميل المزيد