يوميات عسكري (3)| حكايا المهمَّشين

كنت لا أعلم ما أصابني، فالخدر والكهرباء والتنميل في اليد اليسرى أمر لا يبشر بخير وأحتاج إلى طبيب أعصاب، لم أجد في المستشفى العام طبيباً للأعصاب ؛بل لم أجد أطباء بالأساس، ورفضت طبيبة الطوارئ كتابة التحويل إلى المستشفى العسكري، ولا أعلم حتى يومنا هذا لماذا رفضت!

عربي بوست
تم النشر: 2017/09/08 الساعة 09:06 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2017/09/08 الساعة 09:06 بتوقيت غرينتش

لستُ حكَّاء محترفاً، ولكن هذه الحكايات تغري أي قلم بأن يسردها، لا لمجرد السرد، ولكن لما تحويه من آلام لا يشعر بها أحد، فاسمح لي -عزيزي القارئ- بأن أقطع تسلسل سرد اليوميات وأذكر حكايات نحيلة عن المهمَّشين من الجنود الذين طحنتهم الحياة.

(1)
جاي من بلادي البعيدة
لا زاد ولا مية،
وغربتي صاحبتي بتحوم حواليا،
وانتي تقوليلي "بحبك"، تحبي إيه فيا؟!
حب إيه ده اللي من غير أي حرية؟
الأبنودي

كان جندياً من الصعيد، تعليمه متوسط، وماذا يعمل؟ على باب الله، وكلنا على باب الله، يطلب كل مرة أن يتم تأجيل إجازته، وكيف هذا؟! كلنا نتشوق إلى اليوم الذي نحظى فيه بإجازة ولو يوماً واحداً. سيرته عجيبة، كان طيباً طيبة لم أرَ مثلها من قبل، يجلس في المسجد يستمع إلى إذاعة القرآن الكريم، سألته ذات مرة: " قولي يا م.. أنت مبتنزلش إجازة معانا ليه وبتأجل إجازاتك؟

فقال وعلى وجهه بعض الخجل: والله ما بيبقى معايا فلوس كفاية تخليني أروح وآجي كل شوية، بستني نقبض وبعدين أبويا على باب الله، لما أروح هبقى تقيل عليهم وأنا مبتشغلش.

(2)
قطمة ضهر
يقف نصف ساعة خدمة ثم يجلس لا يصمد للوقوف ثانية، وينادي: حد يجي يستلم مكاني مش مكمل.

أوجاع ظهره كانت واضحة، فكان يُستثنى أحياناً من الخدمة وأحياناً لا. سألني مرة أن استلم بدلاً منه وكان يوم راحتي، فرفضتُ لتعبي الشديد، فقال لي: "والله، يا عم، أنا مش بستهبل، أنا عندي شرخ في فقرتين تعالى شوف.. وأخرج من دولابه تقارير وإشاعات تثبت بالفعل أنه مصاب بشرخ في الفقرات". تعجبت للأمر، فقلت له سريعاً: هستلم مكانك، بس انت ليه مقدمتش تظلم طبي؟!

لم يكن يعرف أن من حقه أن يتظلم ويخرج للمانع الطبي! قلت له إن من حقه أن يتقدم بالتظلم الآن.. فردَّ قائلاً: واخرج من الجيش بشهادة إني مش نافع! لا يا أبو عمو، نستحمل الكام شهر.

(3)
"واللى بيشربوها بيستفيدوا إيه.. دي مفهاش أي سُطل.
اللي بيشربوها الدنيا سطلاهم قبل ما يقعدوا يتسطلوا"
(البهظ بيه – فيلم الكيف)

لسانه الثقيل وعدم تركيزه كانا العلامة المميزة لحديثه، المخدرات أكلت من عقله الكثير، كان الجميع يحتقر الحديث معه، لا يسمعه أحد ولا يصدقه أحد مهما أقسم بكل الأيمان الممكنة وغير الممكنة على أنه محتاج إجازة لرعاية أمه المريضة.

جمعتني به الخدمة ذات مرة، كنت أنصت له بهدوء واحترام، ربما لم يعتَد أن يسمعه أحد، فبدأ في السرد دون أن أطلب، كان يحكي حكايات متفرقة وكثيرة عن بيته وأسرته وأمه وحبيبته، وأنا لا أعلِّق إلا بهمهات قصيرة.

سألته عن المخدرات، فأجاب بأنه يهرب بها من الدنيا، فهو العائل الوحيد لوالدته بعد وفاة والده وأخيه الأكبر المريض العقلي، سألته لماذا لم يتظلم، فأجاب أنه لا يعلم أن من حقه الإعفاء من الخدمة العسكرية، قام بتقديم التظلم وإجراءاته وأنا في آخر أيام خدمتي، ولا أعلم ماذا حدث له بعد ذلك.

(4)
المستشفى العسكري
لا يتم تحويل أي جندي إلى المستشفى إلا بعد تمام التأكد من أنه مريض، و"التأكد أنه مريض" أعني بها أن كل موجوع متَّهم بأنه متمارض أو بلغة الجيش "بيتسكلن " ما لم يثبت العكس، وسأحكي في هذا الأمر 3 مواقف؛ أولها عن شخصي الضعيف.

أُصبت ببعض الالتهابات في الفقرات؛ نتيجة الجلوس على المكاتب والوقوف في الخدمة فترات طويلة، طلبت تحويلي إلى المستشفى فرُفض الطلب؛ ﻷن طبيب الوحدة غير موجود وسُمح لي بالذهاب لأقرب مستشفى عام.

كنت لا أعلم ما أصابني، فالخدر والكهرباء والتنميل في اليد اليسرى أمر لا يبشر بخير وأحتاج إلى طبيب أعصاب، لم أجد في المستشفى العام طبيباً للأعصاب ؛بل لم أجد أطباء بالأساس، ورفضت طبيبة الطوارئ كتابة التحويل إلى المستشفى العسكري، ولا أعلم حتى يومنا هذا لماذا رفضت!

حاولت بكل الطرق أن أذهب للمستشفى العسكري ولكن تم الرفض، ذهبت في اليوم التالي في موعد مبكر للمستشفى العام مرة أخرى، ودخلت لدكتور العظام، فقال لي: يا ابني، انت عاوز دكتور أعصاب؟

فجاوبت وأنا أبتسم: والله العظيم عارف، بس أعمل إيه، انت اللي موجود!
فكان رده منطقياً: طيب، أنا أعملك إيه دلوقتي؟
ولا حاجة، بس حضرتك اكتب لي في الورقة دي أني محتاج دكتور أعصاب..

وساعتها فقط، تم تحويلي للمستشفى.

على بوابة المستشفى، أوقفني جنود الشرطة العسكرية، وهي العادة أن يتم توقيف الجندي؛ ليتم فحصه بحثاً عن أي خطأ في الزي أو في التصاريح أو في أي شيء؛ ليتم احتجازه وحبسه حتى لو كان مريضاً، كنت أعلم هذا جيداً، وذهبت مستعداً لذلك حتى مرت هذه المحطة بسلام.

أما الطبيب الرائد، فقال لي: انت محتاج لراحة وكمادات ميّه سُخنة وتاخد الدوا ده.
سألته: يا فندم، طيب.. حضرتك، ممكن تكتب لي راحة من الخدمة؟
فجاوب: ﻷ مش مستاهلة.. انصراف يا عسكري.

كان أحد الأثار الجانبية للدواء "النوم"، فقضيت أياماً وأنا أنام على السلاح وأحاول أن أسرق لحظات اليقظة؛ حتى لا يتم حبسي بتهمة الإهمال في الخدمة.

أما عن القصة الثانية، فكانت لجندي مصاب بحصاة في الكلي، ضربه المغص الكلوي ضربة مؤلمة، وأخذ يبكي مثل الأطفال وضابط عظيم الوحدة لا يبالي بأي استغاثة، خرج بعد 15 دقيقة، ثم أمر بأن يتم نقله بعربة الإسعاف.

جاوب الجندي السائق: عطلانه يا فندم من شهر!
– خلاص.. انقلوه في الإواز..وهي عربة النقل.

حملناه على الأكتاف وفرشنا بطانية على أرضية عربة النقل، والحمد لله تم نقله للمستشفى بنجاح.

القصة الأخيرة لجندي مصاب بدوالي في الخصية، كانت مؤلمة جداً وكان يستيقظ منتصف الليل وهو يصرخ من الألم.

في المستشفى العسكري، أخبره الطبيب بحاجته لإجراء جراحة، ولكن لن تتم؛ ﻷن الأولوية ليست له! وأعطاه الدواء، وكيف يصبر سنةً كاملةً من أجل إنهاء الخدمة؟! ولو أجراها في الخارج، فلن يُسمح له بإجازة الراحة! تم إجراء العملية للجندي بعد توسُّط اللواء قائد الوحدة.

الكثير والكثير من قصص المهمَّشين المتعَبين الذين يقضون ساعات الخدمة ولا يبالي بهم أحد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
تحميل المزيد