الزوسكنديَّة

لذلك، فهي دعوة لكل مبدع بأن يستمر، فبهؤلاء تستمر الحياة، وإن تجاهل طموحاتهم وإبداعاتهم اليوم هو محنة كي يصلوا لتحقيق ذواتهم، وعليهم أن يدركوا بأن من يعترض طريقهم اليوم هو من سيفرش لهم البساط الأحمر غداً.

عربي بوست
تم النشر: 2016/02/06 الساعة 01:39 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2016/02/06 الساعة 01:39 بتوقيت غرينتش

كنت قد قرأت ذات صباح ضمن بستان أخبار الأدب، قبل أكثر من عشرة أعوام، أنه وبعد الانتهاء من تقديمه مونودراما "عازف الكونترباص" والتصفيق الحار له من طرف الجمهور، استوقفته إحدى الفاتنات لتعبِّر له عن مدى إعجابها بمسرحيته تلك، وهو الكاتب المغمور، الذي لم يكن يعرفه أحد من قبل..

وقد كانت تعمل تلك الفتاة سكرتيرة لإحدى أهم المطابع في ألمانيا، فأخبرها عن عمل روائي له حاول نشره أكثر من مرة، ولكن دور النشر رفضت طباعة الرواية، فطلبت تلك السكرتيرة روايته وعرضتها على الناشر الذي قام بطباعتها لتصبح فيما بعد إحدى أهم الروايات الألمانية ولتترجم إلى أكثر من خمس وأربعين لغة، ويباع منها أكثر من عشرين مليون نسخة. هذا بالإضافة إلى تحويلها لفيلم سينمائي نال استحسان الكثيرين أيضاً، فقد أخرجه الألماني توم تايكوير، وقد اشترى داستن هوفمان حقوق الراوية لتحويلها إلى فيلم سينمائي بـ10 ملايين يورو في حينه.

"باتريك زوسكيند" صاحب رواية "العِطر" المغمور، الذي لا تجد له حديثاً صحافياً واحداً، أو صورة منشورة في جريدة أو حتى في كتاب، قدم عمله الرائع ليصبح أحد أهم أعلام الرواية في عصره، لدرجة أن اعتبر الألمان رواية "العطر" تقف في مضاهاة "مائة عام من العزلة" لماركيز، وصار شعارهم: بأن مدرسة زوسكيند تضاهي الواقعية السحرية وأدب أميركا اللاتينية. فقد نجح الأخير حسب كثير من النقاد بالولوج مع قرائه في العوالم النفسية المتناقضة لشخصياته، وتوصيفه للأشياء من حوله، حتى كأنك تشم الرائحة مع كل حرف من الرواية.

زوسكيند لم يكن ليحصل على تلك الشهرة لولا الظروف المواتية والفرصة السانحة التي أتاحت له تقديم عمله، في حين يفتقد الكثيرون من الشباب اليوم الفرص لتقديم أعمالهم.

ولعل جائزة" بوكرالرواية العربية" وفوز الكاتب الكويتي الشاب سعود السنعوسي بها قبل سنوات عن روايته "ساق البامبو" دليل واضح على وجود كثير من المبدعين المغمورين في صفوف هذه الأمة التي أهملت شبابها، وتركتهم على مفترقات الطرق يمارسون جنونهم بعد أن أحبطتهم الظروف والواقع المعيش.

هذا بالإضافة إلى وجود كثير من الأعمال الإبداعية التي لم يحالفها الحظ بالانتشار بسبب ترهل وزارات الثقافة واتحادات الكتاب العربية، والاستئثار بطباعة أعمال فريق معين من الكتّاب على حساب آخرين جُدد، لديهم ربما ما هو أروع وأعمق، وهو ما دفع بالمبدعين الجدد إلى الركون والانزواء والاكتفاء بما تم تقديمه حيث ادخار المال بدلاً من إهداره لمجتمع لا يقدر الكاتب والكتاب.

لذلك، فهي دعوة لكل مبدع بأن يستمر، فبهؤلاء تستمر الحياة، وإن تجاهل طموحاتهم وإبداعاتهم اليوم هو محنة كي يصلوا لتحقيق ذواتهم، وعليهم أن يدركوا بأن من يعترض طريقهم اليوم هو من سيفرش لهم البساط الأحمر غداً.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

تحميل المزيد