أدمغتهم ستطفو وسيفقدون ثلثي أوزانهم.. مخاطر كبيرة تعترض سفر رواد الفضاء للمريخ، لكن هذه الطريقة قد تنقذهم

عربي بوست
تم النشر: 2018/11/22 الساعة 19:35 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/11/23 الساعة 09:58 بتوقيت غرينتش
Spaceman in a spacesuit in outer space. Astronaut landing on a planet. Cosmonaut isolated on dark background. Elements of this image furnished by NASA

السفر إلى المريخ أصبح حلم البشرية الأكثر طموحاً وإلحاحاً، لكن الرحلة التي قد تستغرق عدة سنوات، تواجه مخاطر وتحديات كبيرة، أهمها كيف يمكن التكيف مع انعدام الجاذبية خلال هذه الفترة الطويلة؟

مؤخراً، أعلنت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) اعتزامها إرسال البشر إلى كوكب المريخ مع بداية عام 2030.

هذا الهدف يعتبر طموحاً جداً إذا ما فكرنا في أن هذه الرحلة ذهاباً وإياباً ستستغرق ما بين 3 و6 أشهر، في حين يفترض أن يبقى طاقم المكوك الفضائي على سطح الكوكب الأحمر نحو عامين، قبل أن تسمح حركة الكواكب بعودتهم إلى الديار.

هذا يعني أن رواد الفضاء سيتوجب عليهم العيش في جاذبية منخفضة مدة تصل إلى 3 سنوات، وهي مدة تتجاوز بكثيرٍ الرقم القياسي الحالي، المتمثل في 438 يوماً متتالياً، والتي قضاها رائد الفضاء الروسي فاليري بولياكوف في الفضاء.

داميان بيلي، أستاذ علم وظائف الأعضاء والكيمياء الحيوية بجامعة ساوث ويلز البريطانية، أجرى بحثاً عن تأثيرات انعدام الجاذبية خلال هذه الفترة الطويلة.

وحاول بيلي في البحث أن يقدم حلولاً مبتكرة لهذه المشكلة، وفقاً لما ذكره في مقالٍ كتبه، ونُشر بموقع The Conversation الأميركي.

التغلب على الجاذبية كان التحدي الأول أمام السفر إلى الفضاء، والآن المشكلة في انعدامها

في بداية عصر السفر إلى الفضاء، بذل العلماء جهداً كبيراً للتوصل إلى طريقة لتجاوز قوة الجاذبية، حتى يتمكن الصاروخ من الانطلاق والتحرر من قيود كوكب الأرض، وحمل الإنسان إلى القمر.

واليوم لا تزال قوة الجاذبية هي محور عمل العلماء.

لكن هذه المرة، تتجه الأنظار نحو فهم تأثيرات انخفاض الجاذبية على الحالة الصحية لرواد الفضاء وأدمغتهم.

فالبشر سيفقدون معظم أوزانهم على سطح المريخ

نحن البشر نشأنا في جاذبية كوكب الأرض، حيث تساوي قوة تسارع السقوط 1g.

وفي المقابل، فإن انعدام الوزن في الفضاء يعني أن هذه القوة تبلغ 0g.

الرحلة إلى المريخ أمامها تحديات عديدة/ISTOCK
الرحلة إلى المريخ أمامها تحديات عديدة/ISTOCK

أما على سطح كوكب المريخ، فهنالك جاذبية صغرى تجعل هذه القوة تبلغ 0.3g، أي إن البشر سيفقدون أكثر من ثلثي أوزانهم في هذا الكوكب الأحمر الذي يتطلعون إلى غزوه وإبقاء بعثة بشرية عليه مدة عامين.

ومن ثم، كيف سيتعامل الدماغ البشري مع الجاذبية الصغيرة لهذا الكوكب؟

للأسف وباختصار، فإن المعلومات المتوافرة عن هذه المسألة لا تزال محدودة.

وجوه حمراء وسيقان الطيور.. لماذا يعود رواد الفضاء بهذه الأعراض الغريبة؟

رواد الفضاء عندما يعودون من رحلاتهم تصبح وجوههم حمراء ومحتقنة بسبب بقائهم في حالة من انعدام الجاذبية والوزن.

وهي ظاهرة تُعرف باسم "تأثير شارلي براون" أو "متلازمة الرأس المنتفخ وسيقان الطيور".

وسبب ذلك هو أن السوائل التي تمثل الجزء الأعظم من الدم (خلايا وبلازما) والسائل الدماغي أيضاً، تندفع كلها للأعلى في اتجاه الرأس، وهو ما يجعل رواد الفضاء يعانون انتفاخ الوجه وترقق الساقين.

وتؤدي طريقة ضخ الجسم السوائل أيضاً إلى ظهور أعراض أخرى مرتبطة بالسفر في الفضاء، وهي الدوار والغثيان وآلام الرأس.

وقد تم مؤخراً ربط هذا الأمر بضبابية الرؤية، بسبب ارتفاع الضغط إثر زيادة تدفق الدم.

حتى إن المخ يطفو داخل الجمجمة

كما يطفو الدماغ داخل الجمجمة، وهي ظاهرة تسمى عند العلماء "متلازمة اعتلال الرؤية والضغط داخل الجمجمة".

وتعتبر وكالة ناسا أن هذه المتلازمة تأتي على رأس المخاطر الصحية في أي مهمة إلى كوكب المريخ.

لكن رغم ذلك، فإن فهم سببها، والتوصل لحل للوقاية منها، لا يزالان لغزاً مبهماً.

هل يمكن إيجاد حل لما يحدث داخل أدمغة رواد الفضاء؟

كيف يمكن أن يقدم البحث الذي أجراه داميان بيلي إضافة في هذا الصدد؟

يجيب أستاذ علم وظائف الأعضاء والكيمياء الحيوية قائلاً: "في الواقع، أعتقد أن بعض أجزاء الدماغ ينتهي بها الأمر إلى تلقي كمية زائدة من الدم، لأن أكسيد النيتريك (جزيئات غير مرئية تطفو دائماً في مجرى الدم)، تتزايد أعدادها في مجرى الدم بسبب انعدام الجاذبية.

وهذا يجعل الشرايين التي تزود الدماغ بالدم ترتخي، وتتمدد أكثر من اللازم.

وكنتيجة لهذا التزايد المستمر في تدفق الدم، فإن الحاجز الدموي الدماغي، الذي يعد بمثابة ممتص الصدمات على مستوى الدماغ، يتعرض لضغط كبير.

وهذا قد يؤدي أحياناً إلى تجمع المياه ويتسبب في حالة مَرَضية تسمى الاستسقاء الدماغي، وهو ما يجعل الدماغ يتورم ويتزايد الضغط عليه، في ظل محدودية قدرته على تصريف المياه المتجمعة.

انعدام الجاذبيية يتسبب في عدد من الأعراض على رواد الفضاء/ISTOCK
انعدام الجاذبيية يتسبب في عدد من الأعراض على رواد الفضاء/ISTOCK

ولتبسيط الأمر، يمكن التفكير فيه مثل نهر ارتفع منسوبه ليفيض على الضفتين. والنتيجة النهائية لذلك هي أن كمية محدودة من الأكسجين تصل لأجزاء الدماغ بشكل بطيء.

وهذه المشكلة الخطيرة هي ما يمكن أن يفسر تشويش الرؤية، وبقية الأعراض التي يعانيها رواد الفضاء، والتي قد تصل إلى مشاكل ذهنية، تؤثر على طريقة تفكيرهم وتركيزهم وحركتهم.

وبالطبع، المشكلة قد تكون أكبر مع طول الرحلة المقترحة إلى المريخ مقارنة بالفترة التي قضاها أي إنسان في الفضاء.

رحلة على متن "مذنب القيء" قد تمكن رواد الفضاء من التكيف مع انعدام الجاذبية

للتأكد من صحة هذه الفرضيات التي تفسر المشكلات الناجمة عن انعدام الجاذبية، "كان هناك حاجة لوضعها تحت الاختبار العملي"، حسبما يقول بيلي.

ويضيف قائلاً: "وعوضاً عن أن نطلب من ناسا إرسال بعثة إلى القمر، تمكنا من الهروب من قيود جاذبية الأرض عبر محاكاة انعدام الوزن باستعمال طائرة خاصة تشتهر باسم (مذنب القيء-Vomit Comet)

فمن خلال الصعود والنزول بشكل حاد في الهواء، فإن هذه الطائرة يمكنها أن تؤدي ما يصل إلى 30 عملية محاكاة لانعدام الجاذبية في رحلة واحدة، من أجل تجربة شعور انعدام الوزن.

وكل عملية تستمر فقط 30 ثانية، واللافت أنها تسبب الإدمان، بالإضافة إلى احتقان الوجه.

وبعد إتمام كل إجراءات التأمين والتأكد من المعدات، قام بيلي والباحثون معه بقياس المؤشرات الصحية لثمانية من المتطوعين خضعوا لتجربة رحلة واحدة يومياً ولمدة 4 أيام.

بيلي يقوم بمحاولات للتغلب على أعراض انعدام الجاذبية/ISTOCK
بيلي يقوم بمحاولات للتغلب على أعراض انعدام الجاذبية/ISTOCK

يقول بيلي: "قمنا بقياس تدفق الدم في مختلف الشرايين التي تزود الدماغ، وذلك باستخدام جهاز قياس متنقل يعتمد على الموجات فوق الصوتية.

ويقوم هذا الجهاز أيضاً بأخذ القياسات من خلال رصد الموجات الصوتية عالية التردد التي تصدر عن خلايا الدم في أثناء جريانها".

كما قام بيلي ومساعدوه أيضاً بقياس أكسيد النيتريك في الدم، من خلال عينات أخذت من عروق الساعد، إلى جانب جزيئات أخرى غير مرئية منها الشوارد الحرة وبروتينات خاصة بالدماغ، للمساعدة على معرفة ما إذا كان الحاجز الدموي الدماغي قد تعرض للتلف.

ونتائج التجربة العملية تشير إلى صحة فرضياته

وقد جاءت النتائج الأولية متطابقة مع توقعاتنا، حسب قول بيلي.

إذ تبين أن مستويات أكسيد النيتريك ارتفعت بعد التعرض بشكل متكرر لانعدام الوزن.

وترافق هذا مع ارتفاع تدفق الدم، خاصة عبر الشرايين التي تزود الجزء الخلفي من الدماغ.

وهذا أدى إلى أضرار في الحاجز الدموي الدماغي، رغم أنه لم تكن هناك أدلة على حدوث تلف دماغي.

وهذا الاكتشاف لن يكون مفيداً لرواد الفضاء فقط، بل لأمراض الخرف والسكتات الدماغية

ويقول بيلي: "نحن نخطط الآن لمتابعة هذه الدراسات، والقيام باختبارات مفصلة للتغيرات التي تحدث على مستوى الدم والسوائل، باستخدام تقنيات التصوير مثل الرنين المغناطيسي، لتأكيد هذه النتائج".

كما أننا سنقوم باستكشاف فاعلية التدابير المضادة لهذا المشكل، مثل سراويل الامتصاص المطاطية، التي تخلق ضغطاً سلبياً في النصف الأسفل من الجسم، بهدف المساعدة على امتصاص الدم بعيداً عن دماغ رائد الفضاء، كما ستتم تجربة عقاقير تعمل على إبطال ارتفاع مستويات أكسيد النيتريك.

لكن هذه الاكتشافات لن تساعد على تحسين ظروف السفر في الفضاء، وتساعد على التكيف مع الجاذبية بالنسبة لرواد الفضاء فقط.

بل إنها يمكن أن تقدم معلومات قيّمة حول فوائد تأثير مقاومة الجاذبية التي يعتبرها الأطباء ناجعة بالنسبة للدماغ، وكيف يمكنها حمايتنا من الخرف والسكتات الدماغية عند التقدم في العمر.

 

تحميل المزيد