اللقاحات أنقذت حياة مئات الملايين حتى أنه يمكن اعتبارها أعظم اختراعات البشرية، ولكنها شاهدة أيضاً على إخفاقاتها
الثلاثاء, 18 ديسمبر 2018

لماذا فشلنا في إيجاد لقاحات ضد أخطر الأمراض حتى الآن؟ قصة الصراع بين الميكروبات والجيوش الذي أحبط العلماء

عربي بوست، ترجمة

لعل اللقاحات هي من أكثر الاختراعات عبقرية، لكنها أيضاً من أكثرها دفعاً إلى الجنون، فرغم التقدم الذي تحقق يعجز العلماء عن التصدي لأمراض عديدة تهدد البشرية، فهل الميكروبات أذكى منا أم أننا نساعدها على الفتك بأجسادنا؟

فرغم أن تاريخ اللقاحات يحوي فصولاً مجيدة تم فيها القضاء على أمراض وبائية هددت بالبشر بالفناء، فإن الواقع يفيد بأن الذكاء المذهل والسرعة المفرطة لتطور الميكروبات كثيراً ما تفوق قدرات العلماء، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The New York Times الأميركية.

ولكن المشكلة ليست فقط في ذكاء الميكروبات، وقدرتها المذهلة على التكيف مع اللقاحات، بل إنها تكمن في أن البشر لا يعيرون اللقاحات الاهتمام الكافي إلا في أوقات بعينها.

بواسطة اللقاحات اختفت هذه الأمراض الفتاكة.. فلماذا لا تتواصل هذه الملحمة المجيدة؟

بعض الأمراض الفتاكة العالمية كالجدري وشلل الأطفال سُحقت تماماً، وآلت إلى الزوال كلياً أو جزئياً بفضل عقاقير تعود إلى حقبة لويس باستور خلال القرن التاسع عشر (أحد مؤسسي علم الأحياء الدقيقة في الطب).

أما أمراض أخرى كالملاريا والإيدز، فما زالت إلى يومنا هذا مستعصية على العلماء على الرغم من الأسلحة الجديدة المذهلة كالتعديل الجيني.

لقد غيرت هذه اللقاحات من توقعات الوفيات ومن واقع الأمومة والأبوة.

ففي إنكلترا القرن الـ17، كان ثلث الأطفال يموت قبل بلوغ سن الـ15، أما في يومنا هذا فبفضل هذه اللقاحات تقلص هذا الرقم إلى أقل من 1% من أطفال إنكلترا.

وما زالت الأنفلونزا شاهدة على عجز البشر إلى أن جاء الإيدز

لدينا لقاح ضد إيبولا يقي 100% من متلقيه تقريباً من مخاطر الفيروس اللعين، لكن حظنا أنه لا يحقق أكثر من نصف هذه النتيجة حين نتلقى جرعة لقاح أنفلونزا بشكل روتيني.

وفي مركز تطوير اللقاح بمستشفى تكساس للأطفال، لقاحات ضد الإنكلستوما والبلهارسيا جارٍ حالياً اختبارها إكلينيكياً.

لدينا لقاحات أطفال ضد الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية والدفتريا (الخناق) والسعال الديكي والتيتانوس وجدري الماء وشلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي بنوعيه «أ» و»ب»، والروتافيروس (الفيروس العجلي) والالتهاب الرئوي والنزلة النزفية ومرض السحايا.

في البلدان الاستوائية توجد لقاحات ضد الحمى الصفراء والكوليرا والتهاب الدماغ الياباني والتهاب السحايا من النوع «أ»، والتيفوئيد وحمى الضنك وداء الكلب، لكن مع ذلك ورغم جهود استمرت 30 عاماً، لا نجد لقاحاً ضد الإيدز.

لا يوجد لقاح موحد شامل ضد الأنفلونزا، ولا توجد كذلك لقاحات ذات وقاية طويلة الأمد ضد الملاريا والسل.

ولا للفيروس المخلوِي التنفسي الذي يقتل الأطفال ولا حتى لعشرات الأسباب التي تصيبنا بالبرد المعتاد.

وهذه المؤسسة هي أكبر منافس للقاحات 

اللقاحات هي من بين أعظم أوجه التقدم الطبي في العالم، مثل الماء النظيف الصالح للشرب والصابون والمبيضات وأنظمة الصرف الصحي والمضادات الحيوية.

وفي عالَم منطقي تبنى ميزانياته على الدولار وحده، فإن الإنفاق على أبحاث اللقاح ينافسُ الإنفاق على أبحاث الدفاع.

ولذا فإن عجلة التطور تتقدم للإمام في الجيوش أكثر من اللقاحات.

فعندما وُلد لويس باستور كان الجنود يحملون بنادق، أما الآن فقد صارت طائرات بلا طيار تقلع من قاعدة بولاية أريزونا الأميركية، وتذهب لتقتل مقاتلاً من طالبان.

لكن مع ذلك ما زال الأميركيون مضطرين إلى الاعتماد على تقنية لقاح أنفلونزا يعود تاريخ اختراعها إلى 1931: تنمية اللقاح في بيض الدجاج.

وكما هو الحال في الأسلحة، فإن الخوف يغير كل شيء.

ففي الزمن الذي تخمد فيه الأوبئة وتنام بسلام، يبدأ اللوبي المعارض للقاح ببذر الشكوك، أما عندما تنتشر الإيبولا أو الأنفلونزا الوبائية، عندها يطلب الأميركيون النجدة والحماية من العلماء، لحمايتهم من هذه الأمراض.

عقبتان أمام تقدم اللقاحات، إحداهما مخزية حقاً

ثمة عقبتان أمام عجلة التقدم، حسبما يقول د. غريغوري أ. بولاند مدير مجموعة أبحاث اللقاح بعيادة Mayo Clinic الأميركية.

ويضيف أن إحدى هاتين العقبتين علمية، في حين أن الأخرى مخزية.

العقبة المخزية هي قلة الاستثمار، فتطوير لقاح أمرٌ يستغرق 10 سنوات وأكثر من مليار دولار، وهذا مبلغ مستكثرٌ على التقدم الطبي، بيد أنه مبلغ زهيد من المبالغ المبذولة في سبيل تطوير أنظمة التسلح.

وفي حين أن زبوناً واحداً هو البنتاغون هو من يدفع عجلة أبحاث الأنظمة الدفاعية والتسلح، فإن باحثي مجال اللقاح يجدون أنفسهم مشتتين أمام طيف غير موحد من الداعمين.

والأولوية لهذه اللقاحات التي تخص الأقوياء.. أما الآخرون فهذا نصيبهم

في الأغلب، يتجه القطاع الخاص إلى تصنيع لقاحات باهظة الثمن تسوَّق للأطفال الأميركيين وللجيوش ولسياح المغامرات.

كما أن الأسلحة البيولوجية -مثل الجمرة الخبيثة والطاعون وحمى الأرانب- تجتذب تمويلاً من أرباب الإرهاب البيولوجي.

أما اللقاحات التي ينبغي إرسالها لإنقاذ أرواح الفقراء في البلدان البعيدة، فعادة ما تنتظر تبرعات حكومية وخيرية مثل مؤسسة بيل وميليندا غيتس وصندوق Wellcome Trust.

وبالطبع إنها لن تنال سوى كمية ضئيلة من التمويل مقارنة بالاحتياجات الفعلية، رغم علمنا بأن هذه الأوبئة عابرة للحدود.

ولكن العقبة الثانية أكثر صعوبة

أما العقبات العلمية، فبرغم أنها أكثر استعصاء ، فإنها نادرة نسبياً.

فالعديد من ناقلات المرض متباعدة جينياً أكثر من تباعد وحيد القرن مع النحل، حسب وصف تقرير الصحيفة الأميركية.

معظم اللقاحات تعمل بأسلوب صنع أجسام مضادة–بروتينات على شكل حرف Y، للتصدي لبروتينات ناقل المرض نفسه.

وفي حين لا تملك الفيروسات سوى بضعة بروتينات مستهدفة، فإن للبكتيريا نحو 6 آلاف منها، ولدى الطفيليات أكثر من ذلك بكثير حتى، وذلك حسب د. بول أ. أوفيت مدير قسم التوعية اللقاحية في مستشفى فيلادلفيا للأطفال.

ففيروسات الأنفلونزا على سبيل المثال تغير شكلها بسرعة مذهلة

بعض الفيروسات صغيرة الحجم كالإيدز والإنفلونزا والتهاب الكبد الوبائي من النوع «سي» تتحول بسرعة كبيرة، لدرجة أن سطحها يغير شكله قبل أن تتمكن الأجسام المضادة من التشابك معه.

تقول القاعدة إنه إن كان المرض عادة ما يترك ولو بضعة ناجين خاليين تماماً من المرض ومتمتعين بمناعة دائمة طيلة العمر ضده، فإن تطوير لقاح ضد هذا المرض أمر ممكن.

يقول د. أنثوني س.فوتشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية بالولايات المتحدة: «العدوى الطبيعية هي أم كل اللقاحات».

أما الإيدز فلا مثيل على قدرته في التحول.. وهناك ميكروبات لا تموت حتى لو حوصرت تماماً

هذه القاعدة الخاصة بالمناعة التي تكسبها العدوى لمن أصيب بها تنطبق على جدري الماء، لكنه لا ينطبق على الإيدز والملاريا والسل.

فالإيدز يتحول ويتغير في غضون يوم واحد، في حين أن الأنفلونزا تستغرق سنة.

ومع هذا التغير تفقد الأجسام التي كانت مصابة من قبل القدرة على مقاومة الفيروس بعد أن تغير شكله.

ويبقى فيروس الإيدز على قيد الحياة عبر قيامه حقن حمضه النووي الخاص به داخل الخلايا المناعية ذاتها التي تحاربه.

بكتيريا السل كذلك تستطيع البقاء حية حتى لو حاصرتها كريات الدم البيضاء وبَنَتْ حولها جداراً يعزلها.

والملاريا لا مناعة دائمة ضدها حتى لدى الذين سبقت لهم الإصابة بها

والملاريا، ذلك الطفيلي الذي يغير من شكله دوماً، لا يمكن تصنيع مناعة دائمة ضده إطلاقاً.

فالناجون من وباءاتها المتكررة تقل درجة مرضهم في كل مرة، بيد أن تلك المناعة تختفي في حال غادروا نطاق منطقة الملاريا، ولو عادوا فإن أول قرصة بعوضة قد تكون كفيلة بقتلهم.

ثمة أمراض أخرى مركبة ومعقدة وذات أنواع فرعية كثيرة، فمثلاً لقاح Pneumovax 23 المضاد لذات الرئة والذي يعطى لمن هم في متوسط العمر، يبطل عمل 23 نوعاً من بكتيريا واحدة.

ومع مكر الميكروبات الهائل تظل المشكلة لدى الإنسان  

مع ذلك، فإن الكثير من الأمراض التي تعصف وتفتك على أوسع نطاق هي أهداف سهلة نسبياً حسب مقابلات أجريت مع 6 خبراء.

ومكافحة هذه الأمراض باللقاحات أمر ممكن إذا بذل العالم المزيد من المال.

ولكن إجراء الاختبارات المطولة أمر في غاية الأهمية رغم تكلفته الباهظة.

فاللقاحات قد تخفي ضمنها عيوباً خطرة، مثلما حدث عام 2007 عندما بدا أن لقاحاً مرشحاً لمكافحة الإيدز يزيد من خطورة العدوى بين بعض الرجال المثليين، إلا أن السبب ما زال يلفه الغموض.

وفي وقت سابق من هذا العام (2018)، تم تقييد وحصر استعمال لقاح جديد ضد داء الضنك، ليُعطى فقط لمن سبقت لهم الإصابة بعدواه، وذلك لأنه قد يتسبب في نتائج أسوأ إذا أُعطي للأصحاء، إذ تعرضوا للإصابة بالمرض بعد تلقي اللقاح.

ورغم وجود فرص واعدة لإيجاد تطعيم ضد هذه الأمراض، فإن المال يظل مشكلة

يقول الخبراء إن الأهداف السهلة نسبياً، أي التي بإمكان البشر اكتشاف لقاحات لها، تشمل فيروس كورونا (ميرس) ونيباه ولاسا والفيروس المخلوِي التنفسي وداء لايم وفيروس غرب النيل وزيكا.

فضلاً عن البكتيريا التي تسبب التهاب الحلق العقدي وأمراض القلب.

وليست صدفة أن تكون الأمراض الثلاثة الأولى المذكورة هي الأهداف الأولى التي يستهدفها التحالف من أجل الإبداع الوقائي الوبائي Coalition for Epidemic Preparedness Innovations  الذي انطلق بمبلغ 500 مليون دولار العام الماضي (2017)، في المنتدى الاقتصادي العالمي المقام بدافوس في سويسرا.

وحتى تاريخه، جمع هذا التحالف مبلغ 630 مليون دولار.

لكنه ما زال بحاجة لمليارات الدولارات بغية تمويل مخططاته الطموحة، التي تضم منصات للحمض النووي DNA والحمض النووي الريبي RNA، من شأنها اختصار الزمن اللازم لصنع اللقاحات إلى أسابيع بدلاً من أشهر.

وقد تشجَّع الخبراء بعد تحقيق خطوات تقدُّم مؤخراً في تطوير لقاح جديد للسل وفي استعمال جديد للقاح قديم.

تقول د. بيني هيتون، الرئيسة التنفيذية في المعهد الجديد للأبحاث الطبية بمؤسسة بيل وميليندا غيتس: «لو كنت سألتني قبل 18 شهراً إن كان تطوير لقاح للسل ممكناً، لكنت أجبتك بلا، ولكن الآن أظن أن المجال واعدٌ جداً».

وهناك لقاحات تعتمد على مباغتة الطفيليات، ولكننا بحاجة لحفنة من الدولارات

بعض اللقاحات المرشحة (التي ما زالت في طور الاختبار) تعتمد على آليات لمباغتة الطفيليات المعقدة جداً وأخذها على حين غرة بأسلوب مفاجئ بغية محاربتها.

وذلك مثل حقن البشر بجين ينتج أجساماً مضادة تدمر أمعاء الدودة الطفيلية عندما تمتص الدم.

ولكن وكما هو حال جميع المشاريع التي قيد العمل، فإن هذا المشرع يحتاج إلى المال.

ومن المخيب للآمال أنه في ظل هذا اقتصاد عالمي قوله  تريليونات من الدولارات، لا نستطيع جمع التمويل اللازم لإنقاذ حياة البشر.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
لماذا فشلنا في إيجاد لقاحات ضد أخطر الأمراض حتى الآن؟ قصة الصراع بين الميكروبات والجيوش الذي أحبط العلماء