مدرسة تُدرِّب الأولاد ليكونوا رجالاً حقيقيين في الصين بعد أن تسببت سياسات الطفل الواحد في تدليل الأجيال الجديدة
الثلاثاء, 18 ديسمبر 2018
تعليم

الجيش الصيني في خطر بسبب ما يحدث لأطفال البلاد.. وهذه المدرسة تدعي أنها قادرة على إنقاذه

هناك قلق بشأن التجنيد في الجيش الصيني بسبب تدليل الأطفال/ISTOCK
عربي بوست، نرجمة

هل سمعت يوماً عن مدرسة تُدرِّب الأولاد ليكونوا رجالاً حقيقيين وهم مازالوا في سن الطفولة؟، نعم هذا يحدث في الصين حالياً.

فمن وجهة نظر كثير من الصينيين، فإن بلادهم في خطر، بسبب التغييرات التي أصابت الأجيال الجديدة من الأطفال الذكور.

ولذا فقد أسس مدرب كرة القدم الصيني السابق تانغ هايان مدرسة «أولاد حقيقيون (Real Boys)»، لكى تكون مدرسة تُدرب الأولاد ليكونوا رجالاً حقيقيين، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The New York Times الأميركية.

حسناً، إنها مدرسة تُدرِّب الأولاد ليكونوا رجالاً حقيقيين.. ولكن أي نوع من الرجال؟

بالطبع هناك طرق عديدة لتكون رجلاً، لكن تانغ هايان، عريض القوام، لديه تصوُّر في عقله بشأن نوعية معينة للرجل.

هذا الرجل يجب أن يلعب رياضة ويقهر التحديات.

قال تانغ (39 عاماً): «سنُعلِّم الأطفال لعب الغولف، والإبحار، والفروسية. لكنَّنا لن نُربِّي أبداً جبناء تافهين».

وعبر هذه الكلمات يلخص تانغ فلسفة المدرسة، ونظرته للأولاد الذين يفترض أن يتخرجوا منها.

وبهذه الطريقة فإن المدرسة تقدم بديلاً للحياة المخنثة التي تنتشر في الخارج

تأسيس مدرسة تدرب الأولاد ليكونوا رجالاً حقيقيين يثير مناقشة عميقة تدور في الصين حول معنى أن تكون رجلاً.

إنَّه نقاشٌ أُثيرَ بسبب مخاوف بشأن الكفاءة العسكرية، ودور الثقافة والأدوار التقليدية المُتبناة في المجتمع، وأداء الأولاد الأكاديمي المُخيِّب للآمال وأصداء سياسة الطفل الواحد لتحديد النسل التي انتهى تطبيقها.

وترى المدرسة أنَّها تقدم الأفضل بالنسبة للأولاد، الذين تتراوح أعمارهم بين 7 و12 سنوات.

أما البديل الذي تحاول المدرسة تجنبه فهو الحياة في مجتمع تسود فيه نماذج لشخصيات شهيرة محبوبة مُخنَّثة، وأمهات يُفرِطن في حماية أولادهم والمُعلمين، الذين معظمهم نساء، سيحوِّلون الأولاد إلى أطفالٍ مُتأنِّثين كثيري البكاء، حسب فلسفة المدرسة.

في المقابل يظهر التدريب الذي تقيمه المدرسة يوم الأحد نمط الحياة الذي تدرب عليه الأطفال.

إذ تجمَّع 17 فتى من مدرسة «أولاد حقيقيون»، وركضوا وبحثوا مع بعضهم البعض أثناء تعلُّمهم كرة القدم الأميركية.

قاد تانغ، الذي كان يرتدي سترة حمراء اللون، الأولاد لترديد نشيد في شكل سؤال وجواب:

صاح تانغ: «من الأفضل؟».

أجابوا: «أنا الأفضل!»

«من الأقوى؟».

«أنا الأقوى!».

«من أنتم؟».

«رجال حقيقيون!».

لماذا هذا القلق على الأطفال الذكور.. رغم أن الرجال يسيطرون على الحياة في الصين تماماً

يُمكن القول إنَّ مدرسة تانغ تهدف إلى معالجة مشكلة غير موجودة في الصين أصلاً، حسبما ترى الصحيفة الأميركية.

فليس هناك نقص في الثقافة الذكورية في الصين.

إذ لا يزال الرجال الصينيون يهيمنون على المستويات العليا في مجالي السياسة والأعمال. وينتشر التمييز المؤسسي القائم على أساس النوع الاجتماعي على نطاقٍ واسع لصالح الرجال.

وتتركَّز الثروة في أيدي الرجال، وتشكو النساء من التحرُّش الجنسي في وسائل المواصلات العامة والجامعات والشركات.

ولكن هناك مخاوف من تأثير سياسة الطفل الواحد ونمط الحياة الجديد على الجيش

لكن انشغال الصين بتنشئة رجال أقوياء يحمل بعداً سياسياً.

إذ تتزايد المخاوف بشأن ما إذا كان الشباب الصينيون الذكور يواجهون مشكلة تؤثر على الجيش الصيني.

وقالت وسائل إعلام حكومية إنَّ ألعاب الفيديو، والعادة السرية، وعدم ممارسة الرياضة قد جعلت الكثير من الشباب غير مُلائمين بشكلٍ كافٍ للالتحاق بالجيش.

والبعض يرى أن الدولة تنتحر بهذه الطريقة

«محو السمات التي تميز الرجل باعتباره كائناً لا يخاف من مواجهة الموت والمصاعب هو أمرٌ يكافئ الانتحار بالنسبة للدولة».

هكذا يقول بنغ شياوهوى، أستاذ علم الجنس بجامعة Central China Normal الصينية.

إن هذا يوضح مدى قلق الأوساط العليا في الصين وحتى العلمية من تأثير نمط الحياة الحديث على ملاءمة الشباب الذكور لمتطلبات الجيش الصيني.

ويرفض البروفيسور الصيني المزج بين طرق تربية الأطفال الذكور والإناث

إذ يقول بنغ شياوهوى: «لا يزال من الضروري تربية الفتى كفتى والفتاة كفتاة».

كما أن هناك قلقاً بشأن تراجع مستوى الأولاد العلمي مقارنة بالفتيات

وقال تانغ، مُعلِّم ومُدرِّب كرة قدم سابق، إنَّ فكرة تأسيس مدرسته جاءت من مناقشاته مع الآباء والأمهات الذين كانوا قلقين بشأن الأداء الدراسي الضعيف لأبنائهم في المدرسة.

ووفقاً لدراسةٍ استقصائية عام 2014 أجريت على 20 ألف طالب صيني من طلبة المدارس الابتدائية وأولياء أمورهم في أربع محافظات، كان أداء نسبة ثلثي الأولاد تقريباً الذين شملهم الاستطلاع ضعيفاً من الناحية الأكاديمية، مقارنةً بنسبة أقل من الثلث بالنسبة للفتيات.

وأُجرِيَت هذه الدراسة بواسطة الأكاديمية الصينية للعلوم التربوية، وهي مؤسسةٌ بحثية تابعة لوزارة التعليم الصينية.

وسياسة الطفل الواحد تسببت في تدليل الأبناء عكس ما يحدث في الولايات المتحدة

المفارقة أن فكرة المدرسة جاءت لتانغ خلال رحلة قام بها عام 2006 إلى مدينة أوكلاند الأميركية بولاية كاليفورنيا.

هناك رأى الآباء والأمهات الأميركيين يُعلِّمون أولادهم «التغلُّب على التحديات والمخاطر» من خلال التدريب البدني.

على النقيض من ذلك، يحاول العديد من الآباء والأمهات في الصين حماية أبنائهم، وهي نزعة ثقافية تضخَّمَت بسبب سياسة الطفل الواحد التي انتهت ولكن آثارها الاجتماعية مازالت مستمرة.

ووجدت الدراسة، التي أجرتها الأكاديمية الصينية للعلوم التربوية، أنَّ «الآباء والأمهات يميلون إلى تدليل أولادهم الذكور سواء في الحياة العامة أو المدرسة».

ولعقود انتهجت الصين سياسة تقوم على الضغط على الأسر لإنجاب طفل واحد، وتراوحت الوسائل المستخدمة لفرضها بين توزيع واسع لوسائل منع الحمل وعقوبات مالية وتعقيم وإجهاض إجبارى لمن لا يذعنون.

ولكنها تخلت مؤخراً عنها بل باتت تشجع مواطنيها على الإنجاب، ولكن ليس هناك استجابة كبيرة لهذه الدعوة.

ويبدو أن هناك مشكلة في الصين بسبب غياب دور الآباء في التربية

ويُلقي البعض في الصين باللوم في افتقار الأولاد إلى السلوك الرجولي إلى عدم وجود نماذج لشخصيات رجالية تكون بمثابة قدوة يُحتذى بها.

ووفقاً لبحثٍ حكومي، نادراً ما يشارك الآباء في تربية أبنائهم.

كما أنَّ شخصياتٍ مشهورة بالثقافة الشعبية تسبَّبت في إثارة شكاوى بسبب سلوكياتها.

إذ غضب عددٌ من الآباء والأمهات عندما عرضت قناةٌ تابعة لتلفزيون الصين المركزي، وهو التلفزيون والإذاعة الرئيسة الرسمية بالصين، في شهر سبتمبر/أيلول 2018، فرقةً موسيقية يضع أعضاؤها الذكور مساحيق تجميل على وجوههم.

واشتكى الآباء والأمهات من أنَّ هؤلاء المشاهير المحبوبين ​​قد يتسبَّبون في أن يتصرَّف أبناؤهم بطريقةٍ أنثوية.

المدرسة تعلم كذلك العمل الجماعي

ووفقاً لتانغ، التحق أكثر من 2000 فتى بمدرسة «أولاد حقيقيين».

قرَّرت إحدى الأمهات، وتُدعى صن يي، تسجيل ابنها الوحيد، فانغ دينغيو، البالغ من العمر 8 سنوات، لأنَّها اعتقدت أنَّ مدرسة تانغ ستُعلِّمه العمل الجماعي.

ودفعت الأم ما يعادل نحو 2000 دولار مصاريف للفصول الدراسية.

وقالت صن يي: «اعتاد ابني حبَّ البكاء، لكنَّني أعتقد أنَّه يمتلك الآن شخصية أكثر إشراقاً». وأضافت: «أشعر بأنَّ قدرته على التحمُّل قد تحسَّنت، وهو الآن يعرف كيف يتعامل مع الفشل والإحباط».

وتُشجعهم على تأدية الواجبات المدرسية من أجل نهضة الصين

يتعلَّم الأولاد في مدرسة «أولاد حقيقيين» دروس سمات الشخصية الرجولية عن طريق الشعارات.

إذ يتعهَّد الأولاد قبل تأدية واجباتهم المدرسية، بأنَّ يدرسوا بجدٍّ من أجل «نهضة الصين».

ويبدأون بترديد الكلمات الآتية: «أنا رجلٌ حقيقي، الداعم الرئيس للأسرة والمُتحمِّل للمسؤولية الاجتماعية في المستقبل، الركيزة الأساسية للشعب الصيني».

لكن المدرسة مقفلة أمام الفتيات

وقال تانغ، الذي لديه ابنة عمرها 3 سنوات،»لا يمكنني أبداً أن أطالب بوجود ذلك في فتاة. هذه سمة فريدة خاصة بالأولاد».

وأضاف المدرب السابق قائلا «الرجال الحقيقيين يتسمون بالشجاعة.»

وأردف: «ثمة صفات أخرى ينبغي أن يتحلَّى بها الأولاد، تشمل الثبات، وآداب السلوك، والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وإدراك معنى الشرف والكرامة، والخزي والعار».

وهذا ما يحدث للطفل عندما يبكي

في بداية البرنامج الدراسي، تحدَّث العديد من الأولاد همساً، أو بدأ آخرون يبكون ويصرخون على مدار نصف ساعة.

ويقول غو سيون، أحد المُعلِّمين بالمدرسة: «عندما يبكي أحدهم، فإنَّنا بالتأكيد لن نقدم له المواساة، بل سنشجعه فقط ليكون قوياً».

أما يوم الأحد من كل أسبوع، فيقفز الأولاد داخل حافلة في الساعة 7:40 صباحاً، ويذهبون إلى مدرسة رياضية تقع بمنطقة محاطة بالتلال في غرب بكين، حيث يلعبون كرة القدم والألعاب التي تعتمد على العمل الجماعي والقوة وكرة القدم الأميركية، وهي رياضة لا تزال جديدة بالنسبة لكثير من الصينيين.

والتلاميذ يركضون عراة الصدر في ذروة الشتاء!

وسيشمل البرنامج أيضاً قيام الأولاد بالركض عراة الصدر من دون قمصان، في أحد أيام شهر ديسمبر/كانون الأول.

وقال صن شوجي، الذي يبلغ من العمر 10 سنوات: «لم أكن ألعب كرة القدم قط خلال الأسبوع». وكان تانغ قد طلب منه في وقتٍ سابق، أن يشارك قصته بشأن تخليه عن هاتفه الذكي خلال الأسبوع، وكيف ألزم نفسه استخدامه 20 دقيقة فقط.

ويؤدي الأولاد فروضهم المدرسية في مدرسةٍ مُحاطةٍ بصور علماء ومهندسين مشهورين، ولا يوجد سوى صورة لامرأة واحدة فقط: الفيزيائية البولندية المولد ماري كوري، مكتشفة عنصري البولونيوم والراديوم المشعَّين.

أما الأولاد فسُعداء بالابتعاد عن رقابة الآباء

وتهدف مدرسة «أولاد حقيقيين» إلى تعزيز الاعتماد على الذات، مع فترة دراسة تُشجّع الأولاد على تحقيق أهدافهم دون أن يكون آباؤهم حولهم.

وقال جين هونغ، (9 أعوام)، إنَّ والديه كانا سيراقبانه باستمرار ويجلسان إلى جواره في أثناء تأدية الواجبات المدرسية بالمنزل.

وأضاف أنَّ «أكثر شيء يعجبني في البرنامج هو أنني أستطيع الدراسة بشكل مستقل».

في الوقت نفسه، لا يُشجِّع البرنامج الأولاد على الانفلات الأخلاقي والخروج عن السيطرة.

إذ يُعاقَب الأولاد الذين يرتكبون مخالفات -الذين يدفعون أولاداً آخرين أو يسبُّون بألفاظٍ بذيئة- عن طريق خصم نقاط، ويمكن خفض رتبتهم من مستوى أعلى مثل «طائر العنقاء» إلى مستوى متدنٍّ «بيض كريه الرائحة» .

هذا الإجراء يعني الكثير بالنسبة للطفل فانغ دينغيو. فبعد أن تعرَّض للانتقاد من جانب تانغ، لعدم الالتزام في أثناء السير، انفجر دينغيو في البكاء.

ولكن البعض لديهم شكوك في فاعلية تلك المدارس الموجهة للذكور.

فهم يرون أنه: «ظاهرياً، قد يحاول هؤلاء الأطفال مجاراة متطلبات آبائهم وهذه المؤسسات التعليمية، ومن ثم، هم يقدمون للمجتمع صورة سطحية زائفة، في حين أن جوهرهم الحقيقي سيبقى كما هو».

فكل طفلٍ شخصيته الحقيقية ستبقى كامنة في داخله بصرف النظر عن رغبة والديه أو المجتمع.

 

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
الجيش الصيني في خطر بسبب ما يحدث لأطفال البلاد.. وهذه المدرسة تدعي أنها قادرة على إنقاذه