الأربعاء, 23 يناير 2019
تعليم

«كتف في كتف».. المدرسون وسائقو الحافلات يستعدون لمواجهة التنمُّر في مصر

خلال إحدى دورات محاربة التنمر في مصر / عربي بوست
عربي بوست، الإسكندرية

داخل فصل واسع حوائطه مطلية باللون الأبيض دون خدوش أو كتابة عبثية من طلاب، ومقاعد بلاستيكية وخشبية لم يمسسها سوء، بعكس ما يوجد في بعض المدارس الحكومية، وقف كريم محروس يحاضر لأكثر من 20 سائق ميكروباص وحافلة «أتوبيس» مدارس، عن كيفية تعاملهم مع طلاب المدرسة خلال رحلة الذهاب والإياب من بيوت الطلاب إلى المدرسة والعكس.

ويأمل ناشطون في محافظة الإسكندرية توفير بيئة مدرسية آمنة للطلاب المصريين، عبر إطلاق برنامج «كتف في كتف» لتدريب المدرسين وسائقي الحافلات المدرسية على فهم ظاهرة التنمر ، وكيفية مكافحتها وحماية الطلاب ضحايا التنمر الذي يتعرض له ملايين الطلاب في أرجاء العالم حالياً.

وأعطى محروس، الذي يعمل منسِّقاً للبرنامج التدريبي ورئيس جمعية التنمية الفكرية والبيئية في الإسكندرية، عدة دورات لمعلمين في المدرسة ومشرفات الحافلات للتدريب على مراعاة شعور الطلاب واحتواء مَن يعاني منهم من تنمُّر الآخرين ضدهم.

وأطلق محروس البرنامج من الصف الأول الإعدادي داخل مدرسة الحرية الدولية الخاصة التي تقع في منطقة أبيس شرق الإسكندرية، وهي مدرسة بها 3 قطاعات، وهي التعليم الأميركي، والثانوية الإنكليزية، واللغات.

أزمة التنمر عالمية

ويعد التنمر أحد أشكال العنف الذي يمارسه طفل أو مجموعة من الأطفال ضد طفل آخر عن عمد وبطريقة متكررة، سواء وجهاً لوجه، أو عبر الإنترنت، بدءاً من الأذى الجسدي إلى الإساءة اللفظية والنفسية أو السخرية من الشكل وطريقة الحديث، وهي سلوكيات يمكن أن تؤدي إلى الإقصاء والاكتئاب، وأحياناً الانتحار.

وكشفت إحصائيات حديثة لليونسكو أن ربع مليار طفل في المدارس يتعرضون للتنمر في المدارس من إجمالي مليار طفل يدرسون حول العالم.  

وتأكيداً على خطورة الظاهرة، أطلقت مصر في سبتمبر/أيلول حملة قومية لحماية الأطفال، تتضمن تعاون وزارة التربية والتعليم مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف» وبدعم من الاتحاد الأوروبي ورعاية من المجلس القومي المصري للطفولة والأمومة تحت شعار  #أنا_ضد _التنمر.

سائقوا الحافلات ومدرسون خلال الدورة التدريبية / عربي بوست

«كتف في كتف»

«لا يستهدف فقط تدريب المدرسين أو الإداريين أو أولياء الأمور، وإنما يتخطاه ليشمل الخدمات مثل سائقي الحافلات المدرسية ومشرفات تلك الحافلات»، هكذا قال محروس الذي يعمل أيضاً استشاري تصميم برامج مكافحة للعنف، والمنسق العام للمشروع المسمى «كتف في كتف»، لـ «عربي بوست».

وأضاف: «نستهدف توفير بيئة مدرسية آمنة للطلاب، عبر تدريب أوّلي للمدرسين لفهم الظاهرة تحديداً، وكيفية مواجهة الطلاب الذين يعانون من تنمر، وتحويل بعضها لأخصائيين نفسيين».

وأوضح أنّ الأمر ليس ندوات فقط، ولكن نستهدف توضيح ومواجهة الظاهرة، كما نعمل مع الطلاب عبر مجموعة من الألعاب والأنشطة والرحلات والأيام الرياضية المصممة من أخصائيين نفسيين.

ويكشف محروس أنهم لا ينطقون كلمة «تنمر» أمام الطلاب أصلًا، رغم أن الطلاب اكتشفوا الأمر وعرفوه.

«لن نعاقب الطالب على ما ارتكبه لكن سنشرح له أن هناك عواقب لما يفعله ربما يؤذي غيره، دون أن نضطر لعقابه أو توجيه اللوم له».

ولاحظ محروس أن الطلاب بدأوا يعدّلون من سلوكياتهم إزاء بعضهم البعض، كما شرع أولياء الأمور في تعديل سلوكهم ومراعاة الألفاظ المستخدمة في حق أولادهم.

ووضع طلاب المدرسة صندوقاً للشكاوى لتسجيل أي شكوى تجاه زملائهم أو مدرسيهم إذا ارتكبوا أمراً بدا أنه تنمُّر تجاههم.

فيما أطلقت مصر خطاً ساخناً للإبلاغ عن التنمر وهو الرقم 16000.

التنمر في حافلة المدرسة

أمام منضدة خشبية وبضعة مقاعد بلاستيكية ولوحة للشرح، جلس سائقو الحافلات للاستماع لمحروس خلال محاضرته لهم عن مواجهة التنمر.

وصاغ سائقو حافلات المدرسة وثيقة عمل تتعلق بمواجهة التنمر كان أبرزها عمل دورات تدريبية، وتغيير السلوك، وحل مشكلة الصوت المرتفع للطلبة في الحافلة، واحترام المواعيد ووضع مدة زمنية لانتظار الطلاب قبل تحرك السائق، وعدم اختيار الطالب الجلوس في مكان معين بالحافلة، وعدم رمي القمامة داخل الحافلة.

توعية الطلبة بخطورة التنمر / عربي بوست

ودعا سائق للفصل بين الطلبة الأصدقاء داخل الحافلة، وتوفير شكل لائق للسائق بين أقرانه، كي لا يتعرض السائق نفسه للتنمر من الطلاب.

وحصلت سلوى عبدالحميد مشرفة حافلات على محاضرات تدريبية في البرنامج، وهو ما دفعها لتوعية الطلاب عموماً في الرحلة من المنزل للمدرسة والعكس، كي لا يشعروا أن الوقت يقضونه فيما يكرهونه.

تقول إنّ «أول ما يتعرف عليه الطالب هو مشرفة أتوبيس المدرسة، وعليها أن تتدخل لوقف أي تنمر تجاه أي طالب»، توضح بينما تتذكر طالباً بكى حين نعته زملاؤه بأنه «تخين» حين صعد إلى الحافلة.

«المتنمر يكره حياته كلها»

وترى سارة نبيل، وهي مدرسة لغة إنكليزية في المدرسة، أن البرنامج يعلم الطلاب كيفية مواجهة المجتمع بشكل جيد دون خشية التعرض لتنمر ما، ليكونوا قادرين على التعامل في مجتمع سوي.

ونبيل هي متطوعة في برنامج مكافحة التنمر التابع للجمعية، لكنها تقول إن «هناك طلاباً للأسف عانوا من تنمر، وبعد البرنامج سعينا لبناء جسور للثقة معهم».

وأقرت دينا منصور وهي مدرسة لغة فرنسية في المرحلة الإعدادية في المدرسة أنها ترى أشكالاً كثيرة من التنمر بين الطلاب بشكل لافت، والطالب الذي يتعرض للتنمر يتحول لشخص عدواني تجاه المجتمع.

وأوضحت إسراء ضرغام، وهي مديرة المرحلة الإعدادية للمدارس بالنظام الأميركي داخل مدرسة الحرية، أن بعض الطلاب يمارسون تنمراً ضد أقرانهم من خلال ترك زميله وحده وتشكيل مجموعة ما وحدهم، أو التنمر بالنظرة.

تقول: «الطالب حين يعاني من التنمر يكره حياته لا المدرسة فقط، ولذا نحن مهتمون بصحة الطلاب النفسية».

وتتضمن الحملة  القومية ضد التنمر في مصر من ثلاثة تنويهات مرئية ومسموعة يتم بثها على وسائل الإعلام ومنابر التواصل الاجتماعي، فضلاً عن لوحات للتوعية في الأماكن العامة في جميع أنحاء مصر.

كما ستتضمن نشر النصائح للأطفال، والآباء والمعلمين ومقدمي الرعاية بشأن طرق مواجهة التنمر.

وذكر السيد برونو مايس، ممثل يونيسيف في مصر، أنّ «التنمر يحرم الأطفال من حقهم في اللعب والتعلم الآمن، وسيستفيد جميع الأطفال من تعزيز ثقافة ترفض التنمر من أجل الحفاظ على سلامتهم وحمايتهم من الأذى».

كريم محروس يستمع لاستفسار إحدى المتدربات / عربي بوست

لا توجد أرقام واضحة في مصر

ولا توجد تقارير رسمية عن انتحار طلاب في مصر بسبب تعرضهم للتنمر، لكن تقارير في الإعلام المحلي ذكرت شهادات لآباء قالوا إن أبناءهم أنهوا حياتهم بأيديهم بسبب مضايقات زملائهم. ولم يتسنَّ التأكد من هذه الشهادات على الفور بشكل مستقل.

وفقاً لأحدث البيانات العالمية، فإن ما يزيد قليلاً عن طالب من كل ثلاثة طلاب ممن تتراوح أعمارهم بين ثلاثة عشر إلى خمسة عشر عاماً يتعرض للتنمر من الأقران. وفي حين أن الفتيات والفتيان، على حد سواء، عرضة لخطر التنمر، إلا أن الفتيات يزيد احتمال كونهن ضحايا لصور وأشكال التنمر والإيذاء النفسي، بينما الأولاد يكونون أكثر عرضة لمخاطر العنف الجسدي والتهديدات.

وقد أظهرت دراسة أجراها كل من المجلس القومي للطفولة والأمومة واليونيسيف في مصر عام 2015، شملت ثلاث محافظات، أن أعلى مستوى من العنف يواجه الأطفال يحدث في المنزل، تليه المدرسة، كما رصدت الدراسة أن من 29% إلى 47% من الأطفال ممن تتراوح أعمارهم بين ثلاثة عشر إلى سبعة عشر عاماً قالوا إن العنف الجسدي بين الأقران كان أمراً شائعاً.

أمل في التعميم

ويأمل محروس في تعميم تجربة البرنامج في المدارس الحكومية التي تعاني من مشاكل أكثر وأكبر من التنمر، ولهذا بدأ في التواصل مع وزارة التربية والتعليم المصرية للسعي لتطبيق البرنامج.

وفي مدخل الطابق الثاني لأحد أبنية المدرسة، علّق طلاب لوحة صاغوا فيه رؤيتهم لحل مشكلة التنمر، إذ قالوا إن الحل هو التعاون، ووقف المزاح بالأيدي، أو وقف السباب، أو الكلام أثناء الشرح.

واكتشفت نهى علاء، وهي ولية أمر لثلاثة أبناء في المدرسة، أنهم منذ جاءوا إلى مصر من إحدى الدول العربية منذ أكثر من 3 سنوات، وهناك اختلاف في ثقافة الأطفال المحيطين بأبنائها.

تقول علاء لـ «عربي بوست «، إن المدرسة قررت منذ شهور وقف إذاعة أغاني المهرجانات في حافلات المدرسة، لأنها لا تناسب أخلاقيات الأطفال.

وقالت علاء الثلاثينية المحجبة إنّ البرنامج عضد الثقة في النفس بين أولادها وساعدهم على حب المدرسة.

وقالت: «ابني كان يسخر من تلميذ له لكنه بادر الآن بالاعتذار له وعدم السخرية مرة أخرى، البرامج رسخ الحب بين زملاء نجلي».

وغيّرت علاء من سلوكيات تربيتها لأولادها، وتخوفت من أن تمازح ابنها بشكل يؤدي إلى التنمر ضده، تقول وهي تشير لصور أبنائها الثلاثة على هاتفها المحمول «غيرت طريقتي حتى لا يترجم نجلي هزاري معه بعنف».

«أرهبني وضايقني»

وسلّطت رسالة تركها الطفل الأميركي داني فيتز باتريك البالغ 13 عاما الذي أقدم على الانتحار في العام 2016 بسبب التنمر المدرسي، الضوء على أعمال التنمر والبلطجة بين طلاب المدارس في الولايات المتحدة وفي العالم بشكل أجمع.

وأشار باتريك، عبر رسالته المؤثرة إلى طالب كان فيما يبدو يعمل على مضايقته وضربه، قائلاً: «لقد أرهبني وضايقني واستمر بذلك حتى وجدت نفسي أدخل في شجار معه».

وأوضح باتريك في رسالته التي أصبحت مَعلماً بارزاً ضد الطلبة المتنمرين في المدارس أنّ «الطالب المتنمر كسر إصبعي، لكن المعلمة رفضت أن تساعدني»، مؤكداً أنّ معلمته «لم تفعل شيئاً» لحمايته.

وأكّد أن مدرسته «كانت جيدة في البداية، لكنها أصبحت أشبه بالكابوس عندما بدأ بعض الطلاب بالسخرية منه».

وفي ديسمبر/كانون الأول 2017، أقدمت الطفلة الأميركية روزالي أفيلا (13 عاماً) على الانتحار، بسبب تعرضها للتنمر من زملائها بالمدرسة بعد أن قاموا بنشر فيديو للمقارنة بين شكلها وشكل فتيات أخريات جميلات.

وكتبت أفيلا لوالديها اعتذاراً عما سببته لهما من آلام بسبب انتحارها، حسب ما أفادا لشبكة NBC نيوز الأميركية.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
«كتف في كتف».. المدرسون وسائقو الحافلات يستعدون لمواجهة التنمُّر في مصر

قصص ذات صلة