الأربعاء, 23 يناير 2019
لايف ستايل

اختارت الطلاق من أجلها.. سيدة مغربية تداوم على إطعام القطط بشوارع الرباط منذ 21 عاماً

عربي بوست

الساعة تشير إلى العاشرة ليلاً، وشارع يعقوب المنصور بالعاصمة المغربية الرباط، الذي يضج بالمارة نهاراً، خالٍ إلا من بعض الأشخاص والسيارات. أما على الرصيف، فقد تجمعت بعض القطط وهي تنظر بلهفة، بين الفينة والأخرى، في اتجاه قوس باب الرواح (بوابة كبيرة بسور الرباط التاريخي). وما هي إلا دقائق حتى ظهرت «عتيقة» على دراجتها النارية، وبمجرد توقفها ركضت القطط باتجاهها وتحلّقت حولها، فأدخلت المرأة الخمسينية يدها في أكياس كبيرة تحملها، وشرعت في إطعامها.

عادةٌ عمرها 21 عاماً

هكذا هو حال عتيقة، المرأة الرحيمة بقطط الرباط وكلابها منذ 21 عاماً، حيث تحكي لـ «عربي بوست»، أنها شرعت في إطعام قطط شوارع العاصمة منذ عام 1997، مشيرة إلى أن دافعها كان -ولا يزال- الرحمة بهذه الحيوانات «المسكينة التي لا تستطيع التعبير عن ألمها وجوعها»، بالإضافة إلى ملء فراغها، قائلةً: «كان لا بد لي من نشاط أشغل به نفسي، لقد كنت أعاني الفراغ».

وتضيف أنها تبدأ جولتها الليلية في نحو الثامنة أو التاسعة مساء، وتستمر إلى حدود منتصف الليل، تطوف خلالها بعض أحياء الرباط، مصادفةً القطط في تجمعات، فترمي إليها ما تحمله في أكياسها من طعام، موضحة أنها لم تنقطع عن هذه العادة قط منذ عام 1997.

تقول عتيقة وهي تداعب قطة عمياء: «أُطعم قطط الشارع دائماً في كل أيام الأسبوع وبالأعياد، وحتى في إجازتي المهنية»، ثم تتحدث عن القطة التي بين يديها: «هذه القطة العمياء وجَدتُها صغيرة قبل أعوام، كانت تمشي على غير هدى، فعرفت أنها لا ترى، فرقَّ لها قلبي وجلبتها معي إلى البيت»، ثم تقول ضاحكة: «ها هي الآن معززة مكرّمة».

رافق «عربي بوست» عتيقة في جولتها، التي تقطع خلالها أكثر من 20  كيلومتراً، تنطلق من حي حسان حيث تسكن، مروراً بوسط مدينة الرباط، ثم في اتجاه حي العكاري الشعبي، فحي يعقوب المنصور (أكبر حي شعبي بالرباط)، ثم حي أكدال (من الأحياء الراقية).

السيدة عتيقة مع إحدى قططها

من عمل إلى آخر

في كل مساء، تعود عتيقة من عملها بإحدى المؤسسات الحكومية، وعوض أن تتمدد على أريكة أو تأخذ قسطاً من الراحة أمام التلفاز، تُغيّر ملابس العمل، وترتدي ملابس عملها الآخر الخاص: بدلة رياضية، وحذاء رياضي، وقبعة رياضية كذلك. ثم تتناول لمجتها على عجل قبل أن تتجه إلى أحد أسواق الجملة، لتجلب نحو 30 كيلوغراماً من رؤوس وأرجل وأحشاء الدجاج. تضع بعضها عند أحد الحراس الليليين، لتعود إليه ليلاً، في حين تجلب معها البقية، لتضعها في دولاب بالقرب من مدخل العمارة حيث تقطن.

تعود المرأة الخمسينية إلى البيت متعبة، لكنها رغم ذلك تواصل حركتها الدؤوبة بنشاط، مقبلة على عملها بهمّة عالية تحول دون تسرب الكسل إلى جسدها، وبينما هي ترقى السُّلم ماءت القطط ونبحت الكلاب، وما إن فتحت الباب حتى تسابقت إليها القطط والكلاب تتمسح بأقدامها. وفي حديث لـ «عربي بوست»، قالت عتيقة: «ولفتها (أَلِفتها؛ تقصد حيواناتها)، وما نقدر نعيش بلا بيها (ولا أستطيع العيش من دونها)».

رتَّبت عتيقة ما يمكن ترتيبه في البيت، وغادرته مصطحبةً كلابها الخمسة في جولة بين أزقَّة الرباط وشوارعها، دون أن تضع أية أرسان (حبال) على رقابها، قائلةً لـ «عربي بوست» ويُمناها تداعب كلباً أسود: «لا حاجة إلى ربطها، لأنها لا تهاجم أحداً، أتجول بها هكذا وتبقى قريبة مني». وبعد ساعات تعود عتيقة وهي محاطة بحيواناتها الأليفة.

نظرت المرأة في شاشة هاتفها، فوجدت الساعة تشير إلى الثامنة مساء، لقد بدأ الوقت يداهمها، اقترب موعد الجولة الليلية لإطعام قطط الشارع، لذلك كان لا بد من إطعام قطط المنزل أولاً، دخلت المطبخ ووضعت لـ5 قطط وجروين قطع دجاج مطهوة، في آنية على الأرض. أما الكلاب، فتطعمها بعد انتهاء الجولة.

السيدة عتيقة خلال جولتها المسائية

مأوى للحيوانات الضعيفة

حوَّلت المرأة الخمسينية شقتها الصغيرة إلى مأوى للحيوانات الضعيفة من الكلاب والقطط، فرغم أن الشقة لا تضم إلا غرفتين ومطبخاً، فإنها تُؤوي 7 كلاب و6 قطط، لكل واحد منها قِصة مع عتيقة، فهذا الكلب الأسود الذي تدعوه «بلاك» وجدتْه قبل 5 أعوام، مرميّاً في الشارع وعُمره لا يتجاوز أياماً، تقول وهي تلقي عليه نظرة: «وجدته يئنُّ في الشارع، وعيناه مغمضتان، فأخذته معي إلى البيت».

أما الكلبة «لونا»، فقد وجدتْها قبل 7 أعوام بالقرب من إحدى الحدائق، كانت آنذاك صغيرة وضعيفة، «وجدتها مرميَّة على الرصيف، كانت صغيرة وضعيفة ومريضة بالجَرَب، والقراد يغطي جسدها النحيل»؛ في حين عثرت على الكلبة «روزا» قبل أعوام، مرميَّةً على قارعة الطريق بعدما صدمتها سيارة، تقول عتيقة: «عثرتُ عليها وهي تئنُّ بجانب الرصيف، وجسمها كله كدمات، لكن لم تُصَب بأية كسور، فجلبتها إلى البيت وعالجتها»؛ وكذلك الحال مع الكلبة «بيغي» صاحبة العين الواحدة؛ في حين أن الكلبة «بيلا» وجدها بعض رجال الشرطة صغيرةً، وطلبوا من عتيقة الاعتناء بها، لمعرفتهم بأنها تهتم بالكلاب والقطط.

وحيدة بين القطط والكلاب

تقول عتيقة إن بيتها كان يضم أكثر من 30 قطاً، وتضيف بنبرة متأسفةً أن جُلَّها نَفَقَ بسبب المرض، مستدركةً: «رغم أنني لا أتوانى عن معالجتها كلما بدت عليها أعراض المرض، فضلاً عن تطعيمها لحمايتها من الأمراض، لكن المرض الذي أصاب الكثير من قططي صامت لا أعراض له».

وتضيف المرأة، التي تعيش وحيدة في شقتها؛ إذ لا أنيس لها إلا الكلاب والقطط، أنها في البداية كانت تُؤوي في بيتها القطط فقط، لأنها «حيوانات ضعيفة ووديعة»، لكنَّ تعرُّض بيتها لمحاولة سرقة مرتين دفعها إلى التفكير في جلب بعض الكلاب، قائلةً: «أحياناً يتجاوز عدد الكلاب في شقتي العَشرة».

تحكي عتيقة لـ «عربي بوست»، أنها أعطت لكثير من العائلات كلاباً وقططاً خلال مسيرتها في هذا الميدان، مشددة على أنها لا تبيع حيواناتها، فمن أراد كلباً أو قطاً منحته إياه بالمجان، وتقول: «يفرحني أن أجد من يعتني بها (الكلاب والقطط)، شرطي الوحيد هو الاعتناء بها»، وتضيف أن كل من أعطته كلباً أو قطاً أخذتْ رقم هاتفه، للاتصال به بين الفينة والأخرى، للاطمئنان على حيواناتها.

وتابعت المرأة قائلةً إنها وجدت في إحدى المرات جرواً هزيلاً، «هيكلاً عظمياً مغطىً بفرو»، فلَم يطاوعها قلبها أن تتركه بالشارع، فجلبته إلى المنزل، ثم أخذته لبيطري، فوصف له عدة أدوية، داومت على إعطائه إياها إلى أن صحّ، وتستطرد قائلةً إنها كانت تتجول به في إحدى المرات، فرآه أطفال مواطن أوروبي يعيش بالمغرب فأعجبهم، لذلك «منحتهم إياه».

ضحَّت بالزواج من أجل القطط

تقول عتيقة إن اعتناءها بالقطط، الذي بدأ في نهاية القرن الماضي، تحوَّل مع مرور الأيام إلى إدمان لا يمكن الاستغناء عنه. ولأنها كانت في السنوات الأولى تكتفي بإطعام القطط في الشارع، فإنها لاحظت استياء زوجها من سلوكها هذا دون أن يفصح عنه، وتضيف: «لما شرعت في إيواء القطط بالمنزل تضايق زوجي من ذلك، لكنني كنت مصرَّة على ما أقوم به، لذلك فقد غادر المنزل عام 2008 قبل أن نوثّق طلاقنا بعدها بسنتين»، وتستدرك: «لكننا ظللنا أصدقاء، تفهَّمتُ نفوره من القطط وتفهَّم شفقتي عليها».

أحشاء وطعام 5 نجوم

تُطعم عتيقة الحيوانات في منزلها وبالشارع من مالها الخاص، فراتبها الذي لا يتجاوز 4200 درهم (نحو 400 دولار) في الشهر، تخصص نصفه لإطعام الحيوانات وعلاجها، في حين تنفق البقية في الكراء وبقية متطلبات العيش.

تحكي عتيقة لـ «عربي بوست»، أنها لا تُطعم قطط الشارع فقط، بل كلاب بعض الحراس الليليين في الشارع، وفي بعض أوراش البناء أيضاً، وتشرح قائلةً إن طعام قطط الشارع لا يكلف الكثير، لأنه عبارة عن رؤوس وأرجل وأحشاء الدجاج، عكس طعام قططها وكلابها في المنزل وكلاب الحراس، والتي تطعمها الدجاج المطهو والجبن وطعام الحيوانات المجفف والمعلب.

وتضيف أن 20 كيلوغراماً من لحم الدجاج (يتراوح ثمنه بين دولارين وأربعة دولارات للكيلوغرام الواحد) بالكاد تكفي يومين أو 3 أيام، متابعةً، وهي تفتح برّاداً كبيراً وضعته بأحد أركان المنزل: «أشتري كل مرة 20 أو 40 دجاجة مذبوحة، وأجمّدها في البراد». واستطردت قائلةً إن كيسا للطعام المعلّب الخاص بالكلاب يكفي شهراً فقط (ثمنه 30 دولاراً)، ومثله للقطط.

تعتني السيدة عتيقة بالقطط في الشارع وفي منزلها

تداوم عتيقة على برنامج يومي حافل بالمهام، إذ تستيقظ في الصباح الباكر لتطعم حيواناتها الأليفة، ثم تشرع في ترتيب شقتها المتواضعة من جديد وتنظيفها، وتغسل الأواني وتكنس الأرضية وتغسلها بالمنظفات، ثم تقصد عملها، وعندما تعود في المساء تجد مهامّ أخرى في انتظارها.

طموح عتيقة كبير، لكنَّ إمكاناتها محدودة، تقول إن بودّها أن تُؤوي كل القطط والكلاب الضعيفة بالعاصمة الرباط، لكن «ليس باليد حيلة»، وتضيف بنبرة متذمرة: «يحزُّ في نفسي أن أرى شخصاً يعذِّب حيواناً». وتضيف: «أقترح على بعض الأصدقاء تأسيس جمعية، لكن ذلك يقتضي التفرغ وأنا في حاجة ماسَّة لعملي، كما أن الدعم العمومي لن يأتي إلا بعد سنوات من عمل الجمعية».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
اختارت الطلاق من أجلها.. سيدة مغربية تداوم على إطعام القطط بشوارع الرباط منذ 21 عاماً