الأربعاء, 23 يناير 2019
صحة

التغوط مثل الموت، يساوي بين الجميع ولا يفرق بين الأكل الفاخر والرخيص.. هذا الاختراع يخلق ثورة في عالم المراحيض

امرأة تدخل إلى التواليت / istock
عربي بوست، ترجمة

في ذكرى زواجهما السابعة والعشرين، أهدى براين كرانستون، بطل مسلسل Breaking Bad، زوجته روبين هدية تحمل وعداً «بأن تمنحك أفضل تجربة في حياتك للتخلص من فضلاتك». ينتشر مسند أقدام المرحاض انتشاراً واسعاً، وهو عبارة عن مقعد بلاستيكي ارتفاعه 7 بوصات (حوالي 18 سنتيمتراً) صممته ديفوت مرمون وابنها، ويدور هذا المقعد حول قاعدة مرحاضك.

وحينما تسند قدميك عليه أثناء التبرُّز، ترتفع ركبتاك فوق فخذيك، ثم من خلال هذا الوضع الشبيه بالقرفصاء، يتحول المرحاض البالغ من القِدَم قروناً إلى شيءٍ أكثر بدائية، مثل حفرة في الأرض.

وتقول الأسرة التي ابتكرت مسند الأقدام لمقعد المرحاض إنَّ هذه الوضعية تنشط القولون؛ مما يسهل خروج الفضلات من أمعائك إلى المرحاض؛ ويقلل بالتالي الانتفاخ والإمساك والضغط المُجهِد الذي قد يسبب البواسير.

وقال كرانستون في أحد برامج الحوار النهارية الأميركية، عن هديته «التخلص من الفضلات هو دربٌ من الحب».

33 مليون دولار أرباح مسند أقدام المرحاض الذي يفضله المشاهير

ومنذ طُرِح مسند الأقدام لمقعد المرحاض (Squatty Potty) في الأسواق عام 2011، بيعت أكثر من 5 ملايين نسخة منه.

وقد أشاد به الكثير من المشاهير أمثال الممثلة سالي فيلد ومقدم البرامج جيمي كيميل.

فيما صرح نجم كرة السلة ستيفن كاري بأنه يضع واحداً بكل مرحاض في منزله.

وقال هوارد ستيرن، المذيع ومقدم البرامج الأميركي الشهير بعد استخدامه المقعد للمرة الأولى عام 2013:» أفرغت ما في أمعائي كاملاً، لقد كان مذهلاً. شعرت أنَّ أمعائي فارغة تماماً. كنت سعيداً للغاية».

إلى جانب ذلك، كان مسند أقدام المرحاض مثاراً للدعابات وإطلاق النكات في برنامج «Saturday Night Live».

وفي يناير/كانون الثاني الماضي، بعدما حققت شركة Squatty Potty LLC الأميركية المُصَنِعة لهذا المسند عائدات سنوية وصلت إلى 33 مليون دولار، أشادت قناة CNBC للأعمال، التي ساعدت في شيوع شهرة مسند الأقدام من خلال النسخة الأميركية من البرنامج التليفزيوني البريطاني Dragon’s Den، بالجهاز ووصفته بأنه «صيحة هائلة لا بديل عنها».

وسر النجاح فيديو لوحيد القرن وهو يغير طريقة جلوسه

ويعود نجاح مسند أقدام المرحاض جزئياً إلى الفيديو الترويجي الذي يحمل عنوان “This Unicorn Changed the Way I Poop – وحيد القرن هذا غيّر الطريقة التي أتغوَّط بها»، والذي نُشِر في أكتوبر/تشرين الأول عام 2015.

ومنذ ذلك الوقت وصلت عدد مشاهداته لأكثر من 100 مليون مشاهدة.

وفي هذا الفيديو، يظهر حيوان وحيد القرن في شكلٍ كاريكاتيري خيالي، ثم يضع وحيد القرن حوافره على مسند أقدام المرحاض، ويُخرِج من مؤخرته آيس كريم خفيف القوام وملوَّن بألوان قوس قزح ويملأ به أقماعاً من الكعك.

بينما يشرح أميرٌ ساحر، يرتدي زياً من العصر الإليزابيثي، فوائد وضع القرفصاء في التبرُّز ويقول»أنا أصرخ، أنت تصرخ، ثم تتساقط الأشياء يا صغيري».

ثم في نهاية الفيديو، يقدم الأمير الآيس كريم لمجموعة من الأطفال، ويقول «كيف طعمه، هل هو شهي؟ أليس هذا هو أفضل شيءٍ جربتموه في حياتكم؟».

بدأ كهدية تقدم على سبيل المزاح ثم بدأ يغير حياة مستخدميه

وفي البداية، نظر العديد من الأشخاص لمسند الأقدام على أنه مجرد هدية تقدمها لشخص على سبيل المزاح.

لكن مثل غطاء سرير جديد وكلب البولدوغ الفرنسي، يأسر مسند أقدام المرحاض مشاعر مستخدميه بقوة.

إذ كتب أحد مستخدمي موقع Reddit الاجتماعي الأميركي، ويُدعى شامبرغرز، يقول: «أمتلك واحداً، وعلىَّ أخبرك أنه سيغير حياتك. لا أستطيع التغوط إلا في المنزل مستخدماً مسند الأقدام لمقعد المرحاض. وعندما أضطر إلى استخدام مرحاض العمل، لا أكون راضياً».

ويطلق بوبي إدواردز، الذي اخترع مسند الأقدام مع أمه، على الأشخاص مثل شامبرغرز لقب «مبشرين».

وقال لصحيفة The Guardian إنهم «يتحدَّثون عنه (المسند) في حفلات العشاء وفي كل مكان يستطيعون فيه التحدث -يتحدَّثون عن التغيير الذي أحدثه مسند الأقدام في حياتهم». بدا بوبي مأخوذاً للغاية.

نجاحه أكبر دليل على أن الطريقة الحالية خاطئة ومضرة

وتدل شعبية مسند أقدام مقعد المرحاض، ووجود منافسين ومقلدين له، على القلق الواضح والمتزايد في المجتمع الغربي خلال العِقْد الماضي: لأننا «لم نكن نتغوط بشكل سليم».

وفي السنوات الأخيرة، نُشِرَت مقالات تحمل عناوين مشابهة لهذه العبارة في مصادر متنوعة، مثل مجلة «Men’s Health» وموقع Jezebel وموقع مركز Cleveland Clinic الطبي وحتى مجلة Bon Appétit.

ونتيجة للتخلي عن وضع القرفصاء الطبيعي نتيجة الحداثة، والتحول إلى اعتلاء العرش الخزفي في المرحاض، أصبح لدينا طاعون من أمراض الأمعاء.

إذ يعاني الملايين من البواسير -ففي الولايات المتحدة وحدها تصل بعض التقديرات إلى وجود 125 مليون شخص- ويعاني ملايين آخرون من أمراضٍ ذات صلة مثل التهاب القولون.

وأينما تنتشر الأمراض، تزدهر التجارة المصاحبة لها

إذ يُقدَر حجم سوق علاج هذه الأمراض -سواء الكريمات أو الجراحة أو وسائد الجلوس الخاصة بمرضى البواسير- بمليارات الدولارات.

وعلى الرغم من أنَّ الكثيرين يعتقدون أنَّ النظام الغذائي يساهم في هذه المشاكل (عليك أن تأكل حصتك الغذائية من الألياف)، تركز الانتباه في الآونة الأخيرة على التأثير المُحتمَل لوضع الجلوس على المرحاض.

وفي هذا السياق، أجرى مركز Mayo Clinic الطبي الشهير تجربة عشوائية لمعرفة ما إذا كان استخدام مسند الأقدام لمقعد المرحاض يمكن أن يخفف الإمساك المزمن، الذي يصيب حوالي 50 مليون أميركي، معظمهم من النساء، والكثير منهم فوق 45 سنة.

لكن النقاشات الأخيرة كسرت الحظر عن هذا الموضوع

وغالباً ما يقول الناس إنَّ الحديث عن التغوط غير مسموح به، لكنه أصبح مؤخراً أشبه بالرمزٍ الثقافيٍ.

فهناك وجوهٌ تعبيريةٌ للغائط تُستخدَم في حفلات أعياد الميلاد لأطفالٍ بعمر الثلاث سنوات، ويتبادل أشخاص صور غائطهم على تطبيق واتساب مع أصدقائهم، وينشر موقع TripAdvisor مواضيع تتعلق بكيفية تجنب المراحيض التي يتطلب استخدامها جلوس القرفصاء.

وبفضل معجزة وسائل الإعلام الإلكترونية، أصبح باستطاعتك معرفة أنه في العام الماضي عانت مدينة بريسبين الأسترالية، ومدينة كولورادو سبرنغس بولاية كولورادو الأميركية، من رعب سبَّبه «العدائون المتغوطون» الذي يركضون في الأنحاء ويتغوطون في الحدائق الخاصة بالآخرين.

إلى جانب ذلك، هناك قنوات كاملة على موقع youtube مخصصة لنشر ثقافة اختراق دورات المياه التي بها مراحيض قديمة وتنظيفها مراراً وتكراراً (واحدة من هذه القنوات حققت أكثر من 16 مليون مشاهدة).

وكسر المقعد الجديد الثوابت التي تمسك بها الغرب لمدة قرنين

لكن هذا الاختراع البسيط هو الذي أحدث التغيير الأكبر، ليس فقط في طريقة مناقشة الناس للتغوط، بل في طريقة تغوطهم ذاتها.

وتقول باربرا بنر، أستاذة الفلسفة المعمارية في مدرسة بارتلت المعمارية بجامعة لندن (UCL)، وأحد أبرز الباحثين في مجال المراحيض الحديثة: «إنَّه (مسند الأقدام لمقعد المرحاض) يزيل هذا الحاجز الأخير حول الاستخدام الجسدي والوظائف الجسدية».

ربما يكون ذلك لأن هذا الغائط الكريه يجسد غاية كبيرة: تغيير الطريقة التي استُخدِم بها المرحاض طوال القرنين الماضيين.

التغوط مثل الموت ديمقراطي، يساوي بين الجميع ولا يفرق بين الأكل الفاخر والرخيص

والتغوط مثل الموت، يساوي بين الجميع؛ فيحول مثلاً كافيار بيلوجا الفاخر إلى مادة لا تستطيع تمييزها عن اللحم المعلب.

ولا تعرف الأمراض التي يتسبب بها البراز فارقاً بين الملوك وغيرهم؛ فالكوليرا قد تقتل أي شخص.

وحاول البشر لفترة طويلة من الزمن مقاومة ديمقراطية التغوط، وفرض تمييز صارم عليه وعَبره.

فمنذ القرن التاسع عشر، وربما قبل ذلك، كانت المراحيض عبارة عن ساحات للقمع العنصري، منذ قوانين جيم كرو العنصرية جنوب الولايات المتحدة إلى عصر الحقوق المتساوية. 

إضافة إلى ذلك، اكتسبت العقيدة الهندوسية سمعة سيئة لنظامها الطبقي الذي يُجبِر الداليت (الطبقات الدنيا)، الذين كانوا يُعرَفون سابقاً باسم «المنبوذين»، على التخلص من فضلات الطبقات العليا بأيديهم العارية.

وفي كينيا، يستخدم بدو سامبورو مجارف شخصية لتغطية برازهم، التي تشير الزخارف على مقبضها إلى مكانة مالكها الاجتماعية داخل القبيلة.

أما في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، غالباً ما يكون هناك حمام مناسب لكل مساحة معينة، ويكون أغلى غرفة في المنزل.

رغم أن المصريين أول من ابتكر مقعد المرحاض، لكن الحضارات التالية لم تعتمده

وبالنظر إلى التاريخ المُسجَل لمحاولات البشر التخلص من فضلاتهم، سنجد أنه سلسلة حلقات من التطور: كيف نفصل الفضلات عن أجسادنا، ومياه الصرف الصحي عن بيوتنا ومدننا؟

كيف لا نزعج الآخرين بأصوات وظائفنا الجسدية وروائحها؟ وكيف نطبق التسلسل الهرمي الاجتماعي عن طريق التمييز بين أجساد الأقوياء والضعفاء؟

وشكَّل الحمام المُزوَد بخزانة مياه، أو مرحاض يتدفق فيه الماء إجابةً حديثة مدهشة ورائعة للغاية على كل تلك الأسئلة.

وعلى الرغم من أنَّ مقعد المرحاض قد ابتُكِر في الحضارة المصرية القديمة، كانت الغالبية العظمى من المتأخرين غير القادرين خلال عصور عديدة في التاريخ يتغوطون في العراء.

وعندما زادت الكثافة السكانية في المدن خلال النصف الثاني من الألفية السابقة، أصبح التغوط في العراء آفة؛ مما أدى إلى ارتفاع معدلات الأمراض المصاحبة لهذه الظاهرة، مثل الدوسنتاريا -التي لا تزال تمثل مشكلة رئيسية في أجزاء من العالم تفتقر إلى مرافق الصرف الصحي الحديث.

ثم شاع نظام دفق للتخلص من الفضلات في أوروبا بعدما كان حكراً على الأغنياء

ويُشاع أنَّ مخترع المرحاض المزود بنظام دفق للتخلص من الفضلات هو أحد النبلاء الإنكليز في نهاية القرن السادس عشر.

لكنه لم ينتشر إلا عقب الثورة الصناعية في بريطانيا وانتشار صناعتي الفخاريات والحديد في منتصف القرن التاسع عشر بعدما كانت حكراً على الأثرياء.

ومع انتشار المراحيض في المنازل عبر شمال أوروبا، أدت دورات المياه إلى ثورات في مجال الصرف الصحي، والطب، والعلاقات الاجتماعية، وحتى في علم النفس.

المعظم يفضله سرياً وآخرون جماعياً

ومع ارتفاع عدد الأشخاص الذين يستخدمون المراحيض في المنزل وغيره من الأماكن الخاصة، أصبح التغوط يتم في عزلة ولا يُسمَح بالحديث عنه علناً.

ويعتقد البعض أنَّ أصوات حركات الأمعاء تثير الاشمئزاز في العالم بأكمله.

لكن في القرن السادس عشر، نصحت مقالة حول آداب السلوك الأوروبيين الميسورين بألا يُظهروا أمام الآخرين قطعة القماش القذرة التي تُستخدَم في تنظيف بقايا التغوط.

وبعد مئات السنين، كان الملوك الإنكليز في القرن الثامن عشر يقضون حاجتهم أمام حاشيتهم المقربين، بينما كانوا يجلسون على صندوق مُنجّد يحتوي على وعاء.

وفي الواقع، لوحظت ظاهرة «التغوط الاجتماعي» عبر أزمنة وفي ثقافات مختلفة.

فمثلاً، في السبعينيات من القرن الماضي، وثَّق عالم الأنثروبولوجيا (علم دراسة سلوك البشر) فيليب ديسكولا هذا السلوك بين شعب الأغوار الذي كان منعزلاً آنذاك في منطقة الأمازون.

ولا تزال الحمامات ذات التصميمات المفتوحة  المعروفة باسم «ني هاو (أو مرحباً) شائعة في أجزاء كثيرة من الصين.

إذ أصبحت المراحيض مقياساً لتحضر الأشخاص

وإبّان نهاية عهد الإمبراطورية في أوروبا، أصبح يُنظَّر لاستخدام المراحيض المنعزلة على أنه  جزء لا يتجزأ من التقدم الأوروبي.

وكتب جورج جنينجز، مهندس الصحة الرائد في خمسينيات القرن التاسع عشر، قائلاً: «يمكن قياس مدى تحضر الأشخاص من خلال الأجهزة والأدوات الصحية الموجودة في منازلهم».

وما يزال هذا الرأي يتبناه كثير من السائحين الغربيين الساخرين عندما يواجهون لأول مرة ما يبدو لهم حفرة في الأرض محاطة بالبلاط.  

وفنانون يعتبرون مقعد المرحاض «التعبير الأبلغ عن عصرنا»

وترتبط خزانة مياه المرحاض ونظرة الناس للغرب المتمدن ارتباطاً وثيقاً.

حتى أنَّ المهندس المعماري الألماني هيرمان موتيسيوس تنبأ عام 1904 بأنه «عندما تنتهي جميع الأنماط والأشكال التي عُرِضَت كحركاتٍ حديثةٍ في الفن»، سيُنظَر لمقعد المرحاض بتركيبته العملية الجميلة هذه «على أنه التعبير الأبلغ عن عصرنا».

واتفق معه في هذا إدوارد ويستون، أحد آباء الحداثة الفنية، الذي قضى أسبوعين كاملين من خريف عام 1925 يصور مرحاضه، معتبراً «تصميمه المنتفخ المنزلق وحركته الانسيابية الدقيقة نحو الأمام» منافساً لتمثال النصر المجنح ساموثريس -رمز آلهة النصر عند اليونانيين- وهي المنحوتة الأشهر في الحضارة الغربية.

لكن المقعد تسبب بالإمساك.. «أكبر نقيصة جسدية في العرق الأبيض»

بيد أنه مثل أية وسيلة تكنولوجية، تسبب نظام دفق المياه للتخلص من الفضلات في خلق مشاكل جديدة.

فكتب أحد الباحثين الكنديين يقول إنَّ استخدام المياه للتخلص من الفضلات «عنصر مركزي في خيالنا الجامح الذي يقوم على اعتقادنا أنَّ الكوكب قد خلق من أجل راحة الإنسان».

وبالرغم من أنَّ هذا النظام ساهم في تحسين النظافة والسلوكيات الشخصية، صاحبه انتشار واسع لـ «أمراض العصر»، مثل البواسير والإمساك، والتي ترجع إلى وضعية الجلوس في المراحيض.

ووصف أحد مختصي العلاج الطبيعي في القرن العشرين الإمساك بأنه «أكبر نقيصة جسدية في العرق الأبيض».

وقالت باربرا بينر، في كتابها «Bathroom»، إنَّ الحل كان موجوداً في السوق البريطانية منذ عشرينيات القرن الماضي على الأقل، مثل المراحيض المسطحة المعروفة باسم «الخزانات الصحية» التي تسمح بالجلوس في وضع نصف القرفصاء.

وبحلول منتصف القرن، كانت النسخة القديمة من مسند أقدام مقعد المرحاض تُعرَض للبيع في محلات هارودز بلندن.

وفي منتصف الستينيات، في الولايات المتحدة، اقترح أستاذ هندسة في جامعة كورنيل يُدعى ألكسندر كيرا عدداً من تصميمات المراحيض يتطلب استخدامها الجلوس في وضع القرفصاء أو شبه القرفصاء، وذلك في دراسة ضخمة بعنوان «The Bathroom»، والتي وصف فيها المرحاض الذي نستخدمه في وضع الجلوس بأنه «أسوأ التصميمات على الإطلاق».

ومع ذلك، لم يُطرَح أي حل للمشاكل التي يثيرها المرحاض الحديث، حتى الآن.

فإخراج الفضلات عملية تتطلب تناغماً بين العضلات والأعراف

وتتطلب أحياناً حتى أكثر الأشياء بدائية احترافية عالية لإنتاجها.

إذ يتطلب مرور الغائط في مساره الطبيعي تناغماً واتحاداً بين الأجزاء الحسية وغير الحسية في الجهاز العصبي اللاإرادي، والعضلات الهيكلية والملساء، وثلاثة ردود أفعال شرجية، وعضلتين للعصر، ثم يأتي دور الثقافة العامة لتقرير أين ومتى يمكن خروجه.

ووصفت العالمة الألمانية جوليا أندرس هذا الأمر في كتابها Gut، الذي حقق نسبة مبيعات قياسية في العالم: «إنها عملية رائعة».

وفي رحلة خروج البراز إلى خارج أجسادنا، يمر عبر وسط وصفه أطباء الجهاز الهضمي بأنه أغشية الأنسجة التي تظهر في المستقيم والمعروفة باسم «صمامات هويستن»، وهي مجموعة من الأوعية الدموية يحتويها التجويف الشرجي.

ومع امتلاء المستقيم بنواتج عملية الهضم، ينبهنا من خلال الأعصاب التي تصعد إلى المنطقة العجزية في الحبل الشوكي إلى أنَّنا بحاجة إلى التغوط.

ثم تبدأ العضلة العاصرة الشرجية الخارجية والعضلة العاصرة الشرجية الداخلية في العمل كحلقة وسيطة في انتظار إشارة المخ، فتقوم الأولى بالضغط استعداداً لإخراج البراز، والثانية بوقف العملية لحين اللحظة المناسبة.

وعندما يحين ذلك الوقت، قد يقوم الشخص بأداء مناورة فالسالفا؛ مما يزيد الضغط داخل البطن عن طريق الزفير لإغلاق مجرى الهواء، مثل إفراغ الهواء من أذنيه على متن الطائرة.

وتسترخي عضلات قاع الحوض، وتنفتح العضلة العاصرة الشرجية الخارجية، لتقدم إبداعك للعالم.

ووفقاً لإحدى الدراسات، يستغرق الأمر في الثدييات حوالي 12 ثانية لتمرير البراز، ويُنجِز البشر المهمة بمعدل 1 إلى 2 سم من الفضلات في الثانية.

لكن في وضع القرفصاء العميق، عندما تكون أردافنا على بعد 150 ملم من الأرض، يستغرق الأمر أقل من دقيقة في المتوسط للانتقال من الإحساس بالحاجة إلى إخراج الفضلات إلى إتمام المهمة بالكامل.

والقرفصاء هي الوضعية المثالية لإرخاء العضلات المقصودة

لكن لأداء هذه المهمة في المرحاض الذي يتطلب استخدامه البقاء في وضعية الجلوس، والذي يمكن أن يتراوح طوله من 33 أو 35 سم تقريباً إلى «ارتفاع مريح» يصل إلى 50 سم، أي أكثر من الضعف، فستصبح أمعائك شبيهة بحالة من الثورة داخل سجن ويحاول النزلاء -أي البراز- اقتحام البوابات.

ولذلك إذا تلكأوا في إحدى اللحظات، فإنَّهم سيفقدون الزخم وسيُحاصرون.

ولكن إذا تمكنوا من الضغط مباشرة، يمكن أن يدُّقوا الباب بسهولة ويخرجوا.

عندما نجلس من أجل التغوط، نحتاج إلى الضغط لإخراج برازنا من خلال منعطف في المستقيم ناتج عن عضلة صغيرة على شكل أرجوحة تسمى العانِيَّة المُستقيميَّة.

وفي وضعية الوقوف أو الجلوس، تساعد العانِيَّة المُستقيميَّة على الحفاظ على قدرتنا على السيطرة على حركات الأمعاء والمثانة من خلال ضمان غلق الأمعاء.

أما في وضع القرفصاء الكامل، يسترخي هذا الانقباض، وينفتح المنعطف أو «الزاوية الشرجية»، ويزداد الضغط داخل البطن؛ مما يقلل الحاجة إلى الدفع.

فالإمساك أودى بحياة بريسلي وكلف بونابرت معركة واترلو

وهذا شيء جيد للغاية. في حين أن الجهد الذي تبذله للدفع بالبراز حول العضلات العانِيَّة المُستقيميَّة يمكن أن يؤدي إلى حدوث البواسير والتهاب الأمعاء والإغماء، ويمكن أن يتسبب حتى في الإصابة بسكتات دماغية ونزيف بالمخ ونوبات قلبية.

وتقول إحدى النظريات إنَّ الألم الناجم عن البواسير المتخثرة كان مزعجاً جداً لدرجة أنَّه تسبب في خسارة نابليون لمعركة واترلو.

وفي قصة شهيرة عن المغني إلفيس بريسلي، تكهَّن طبيبه الشخصي أنَّ السكتة القلبية التي أحدثها الإجهاد وقت الإمساك هي التي أودت بحياة ملك الروك في النهاية.

وقد يتسبب أي التواء في الأمعاء أيضاً إلى تراكم البراز غير القادر على مغادرة القناة الهضمية في موعده.

هذا «الركود البرازي» يُعتقد أنَّه عامل مُسبِب لسرطان القولون والتهاب الزائدة الدودية ومرض التهاب الأمعاء.

وتشير التقديرات إلى أنَّ الشخص البالغ يُنتِج أكثر من كيلوغرام من البراز في السنة.

اختراع المقعد نتج عن جاحة سيدة تعاني من الإمساك المزمن

وتجدر الإشارة إلى أنَّ مسند الأقدام لمقعد المرحاض (Squatty Potty) ظهر في ظروف مؤسفة مماثلة.

إذ قالت جودي إدواردز، التي شاركت في اختراع هذا المسند، في عام 2016: «لقد كنت أعاني من الإمساك طوال حياتي».

وظلت لفترة طويلة تستخدم مسنداً صغيراً للأقدام في المرحاض. وقال ابنها بوبي: «كنّا نمازحها ونسخر منها بسبب هذه المسألة لعدة سنوات، لأنَّها كانت تجلبه معها حتى في أوقات العطلات».

لكن مسند القدم لم يكن مُصمماً بشكل صحيح تماماً. لذلك، في أحد الأيام، بعد أن بدأ بوبي، الذي كان يعمل مقاولاً للبناء، في حضور دروس عن التصميم، طلبت منه جودي إلقاء نظرة على المسند.

وقال بوبي: «أخذتني إلى الحمام وأوضحت لي طريقة استخدام المسند، وبينما كانت تجلس هناك وتشرح لي، استوعبت الأمور بشكل أوضح».

ثم باستخدام علب الطلاء ودفاتر أرقام الهواتف، حدد بوبي وجودي الارتفاع والعرض المثاليين لمسندٍ جديد.

وأصبح النموذج الذي صممه بوبي هو التصميم الخاص بأول مسند أقدام.

وقال بوبي: «كان الأمر مضحكاً. قلت لنفسي: هذا أمرٌ رائع، أستطيع أن أتصور الإعلان الترويجي له الآن».

ثم بدأت عائلة إدواردز تصنيع أول خط إنتاج مساند الأقدام للمراحيض في مرآبهم في عام 2010. لكن لم يحقق المنتج وقتها مبيعات تُذكَّر.

إذ تقيم العائلة في مدينة سانت جورج، في ولاية يوتا الأميركية، وهي مدينة صحراوية ينتمي 70٪ من سكانها البالغ عددهم 80 ألف نسمة لطائفة المورمون مثل جودي، وهي من الطوائف المحافظة التي لا تتحدث عن عملية الإخراج بشكل منتظم.

وقال بوبي عن والدته: «إنَّها متدينة، متدينة للغاية، وتذهب إلى الكنيسة كل أحد. لقد كانت لحظة ديناميكية مثيرة للاهتمام عندما كنا نخترع هذا المسند. لقد أحرجناها كثيراً».

تبجيل المظاهر الحضارية أضر بالبيئة والإنسان على حد سواء

واحدة من المفارقات المثيرة للدهشة في عصرنا هي أنَّ التبجيل القديم لزخارف الحضارة وأدواتها يبدو وكأنَّه يفسح المجال لارتياب واسع الانتشار تجاه العادات الحديثة والتكنولوجيا المعاصرة.

فالسيارات أفسدت المدن ودمرت الناس ولوثت الجو.

والبلاستيك سمم البحار. وسمَّمتنا مزيلات العرق ومعطرات الهواء.

وقد أدى الصابون المضاد للبكتيريا إلى ظهور الجراثيم التي يستحيل مقاومتها.

والكرسي الذي تجلس عليه يقتلك ببطء، وكذلك الأحذية التي ترتديها.

ولاستعادة النشاط والحيوية، يجب أن تنبذ آلاف السنين من تناول الطعام القائم على الحبوب وتعود إلى النظام الغذائي للعصر الحجري القديم.

ومن ثم، أصبحنا ننظر حتى إلى المرحاض نظرة استهجان.

ونتيجة لذلك، هناك شيء ساحر بشأن الاقتراح القائل بأنَّ مسند أقدام المرحاض، للحظات القليلة التي نصعد عليه، يسمح لنا بالعودة إلى حالة أقرب للطبيعة الأولى.

وقال بوبي إدواردز لأحد المحاورين في عام 2014: «الأمر كله يتعلق بالميكانيكا الأساسية. إنَّه يتعلق بالعودة إلى الطريقة التي كان يقضي بها الإنسان حاجته منذ آلاف السنين».

وهذا المنتج يعيد الإنسان إلى ممارسات الأسلاف

وبسبب فكرته التي تتلخَّص في أن تقرفص مثل أسلافك، ليس غريباً أن ينتشر مسند الأقدام Squatty Potty انتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

فمن خلال أساليب عالية التقنية، انتشرت موضة اتباع أنماط حياة أنظف وأكثر صداقة للبيئة، وتميل إلى استخدام المنتجات العضوية وأقرب إلى الطبيعة والأساليب القديمة لكن على نحو يتماشى أكثر مع تطور الإنسان.

وفي الوقت نفسه، كان لوسائل التواصل الاجتماعي تأثيرات أخرى أكثر إنسانية.

ففي سبعينيات القرن الماضي، وصف ألكساندر كيرا من جامعة كورنيل، أفراد الشعب الأمريكي بأنهم ينفرون نفسياً وثقافياً من وضع القرفصاء، وأيضاً من التحدث علانيةً عن الوظائف الجسدية الأساسية.

واليوم، بعد ما يزيد قليلاً عن جيل واحد، بدأ الناس يتحدثون بأريحية أكبر عن عملية التبرُّز بشكل كانت قد أنذرت بقدومه مواقع التواصل الاجتماعي القديمة والتي كانت تركز على البراز، مثل موقعي poopreport.com وratemypoo.com.

وهذه المواقع كانت في كثير من الأحيان مجهولة الهوية وشبه خالية تماماً من الرقابة الثقافية التي كانت تسيطر على وسائل الإعلام التقليدية.

ليتحول الشعور الشخصي والمُخزي بالأمعاء إلى مصدر سعادة

أما اليوم فيكتب الناس بأريحية أسماءهم على قصصهم المتعلّقة بحركة أمعائهم، وبإمكانك قراءة مواضيع حول الشقوق الشرجية على صفحات صحيفة The New York Times الأميركية.

وهذا الشكل الجريء في التعامل مع المسألة هو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل مسند أقدام Squatty Potty جذاباً.

إذ تجمع الشركة بين طريقة عمل العضلة العانية المستقيمية والمشهد الخيالي لوحيد القرن وهو يتبرّز، تحاول بذلك تحويل الشعور الشخصي والمُخزي بحركات الأمعاء الغريبة إلى مصدر سعادة يتشاركها الجميع تقريباً.

ويُظهِر موقع Squatty Potty سلسلة لا تنتهي تقريباً من شهادات من موقع إنستغرام لعملاء يشيدون بمنتجات الشرك.

وتشمل الآن مسند أقدام بحجم 23 سم تقريبا، ومسنداً من الخيزران، ومسنداً للأطفال على شكل فرس النهر، ومساند سوداء ورمادية وزهرية اللون، ومجموعة من المنتجات الأخرى المتعلقة بالبراز -منها مثلاً نوع من الرغوة التي تُحوِّل مناديل المراحيض الورقية العادية إلى مناديل مُبلّلة يمكن التخلّص منها بزجها في المراحيض، ومكبس على شكل إيموجي البراز.

وتُرسَّل مساند الأقدام للعملاء مع شارة يُكتب عليها «! I POOPED TODAY»، ما يعني «لقد تبرَّزت اليوم!».

وأي تعامل مع هذه المخلفات يتمحور حول أجسادنا وكوكب الأرض

لكنّ هذا الحماس المفاجئ للإجهار بعادات خاصة يخفي حقيقة أعمق: وهي أن التبرُّز والبراز دائماً ما كانا أمراً عاماً.

فعلى عكس أبواب الحمامات المُغلَقة، لطالما كانت هناك منشآت وجهات عامة تُتولى التعامل مع مُخلّفات الإنسان، مثل أنابيب الصرف، والقوانين، والعمالة.

وخلف كل ذلك يقف أمرين لا مفر منهما فيما يتعلق بعملية التبرُّز: أجسادنا، والكوكب الذي نعيش فيه.

قد يكون وضع القرفصاء وضعاً طبيعياً، لكن يظل السؤال: هل مسند الأقدام Squatty Potty جيد أيضاً؟

بعد عصر داروين، لم نعد نصدق أنَّ اتباع الفطرة البشرية لعدة مئات أو آلاف من السنين قد يكون أفضل مما توصلنا إليه من خلال مسيرة التطور.

إنَّ أولئك الذين يعتقدون أنَّ المراحيض قد حافظ عليها التاريخ يتجاهلون كيف أنَّ أنظمة الصرف الصحي الحديثة ذات المراحيض أتت كحدث عارض وبشكل ما غير منطقي.

وتدعم ذلك حقيقة أنَّ المليارات من الأشخاص يستخدمون المراحيض الحديثة والصحية التي يجلسون عليها في وضع القرفصاء بانتظام لقضاء حاجتهم.

وما عملية الإخراج هذه إلا أحد الأسئلة الجوهرية للإنسان

وما لا يمكن الإعراض عنه بين سطور هذا الإعجاب الشديد بعملية إخراج الفضلات، هو استشعار نوع من القلق حيال أعمارنا الحالية، مع تراكم مخلفاتنا بجميع أنواعها في أرجاء الكوكب.

فنحن نُدرك الآن أنه ليس هناك مخرج نرسل فضلاتنا إليه، فهي دائماً ما تعود إلينا بشكل أو بآخر، سواء كانت بكتيريا برازية في زبد البحر أو مئات الآلاف من الكيلوغرامات من البراز البشري الذي يتركه متسلقو الجبال على منحدرات جبل دينالي، أعلى قمة في أميركا الشمالية، وعلى قمم جبالها الأخرى وفي غاباتها.

يحتاج التخلص التام من البراز من أجسادنا ومن عالمنا بأكمله مزيجاً من الأساليب المختلفة.

بيَّد أنَّ مسند الأقدام Squatty Potty يمثل كذلك نوعاً عالمياً أكثر من الإخلاص.

إذ قالت العالِمة جوليا إندرز إنَّ العضلة المَصَرَّةُ الظاهرة في الشَّرج «تتعلق ببعض من أكثر الأسئلة الجوهرية حول الوجود الإنساني: كيف نعبر الحدود الفاصلة بين عوالمنا الداخلية والخارجية؟ وربما نضيف أيضاً العالم الروحاني.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
التغوط مثل الموت، يساوي بين الجميع ولا يفرق بين الأكل الفاخر والرخيص.. هذا الاختراع يخلق ثورة في عالم المراحيض