السبت, 19 يناير 2019

كيف يتسبب البحث عن السعادة بالتعاسة؟.. إنها كالطائر الخجول كلما بحثت عنه هرب منك، وإليك وسائل غير متوقعة لتحقيقها

عربي بوست، ترجمة

كيف تحقق السعادة؟ إنه سؤال يطارد الكثير منا، ويسعى الكثيرون لإجابته، ولكن الأمر أسهل مما يبدو ولكن نحن الذي نزيد من صعوبته.

بالنسبة للكثيرين، يعتبر السعي لتحقيق السعادة طريقاً مليئاً بالمشاق، وكلما بذلت مجهوداً أكبر في سبيل تحقيقها، كانت النتائج أعظم.

نجحت الكاتبة الأميركية إليزابيث غيلبرت في رسم طريق واضح للبحث عن السعادة في روايتها الشهيرة » Eat, Pray, Love» الأكثر مبيعاً، المستوحاة من تدوينها لمذكراتها خلال رحلاتها، والتي تروي فيها بعض النصائح عن معلمها الروحي.

كتبت غيلبرت: «ما السعادة إلا نتاج للسعي الشخصي. فأنت تناضل من أجلها، وتثابر للحصول عليها، وتصر على تحقيقها، بل ربما تسافر في بعض الأحيان حول العالم بحثاً عنها يجب أن تشارك دون كلل أو ملل في تحقيق واكتساب نعمك.

وبمجرد أن تحقق حالة السعادة، يجب عليك بذل جهد هائل لمواصلة الإبحار صعوداً إلى تلك السعادة إلى الأبد، كي تبقى طافياً على سطحها. إذا لم تفعل ذلك، فسوف تتلاشى سكينتك الفطرية».

على الرغم من أن هذا المسلك قد ينجح مع البعض، إلا أن أحدث الأبحاث العلمية تشير إلى أنه يمكن أيضاً أن يأتي بنتائج عكسية لدى كثيرين، حسبما يقول معلم اليوغا ديفيد روبسون في مقال نشر بموقع هيئة الإذاعة البريطانية BBC.

كيف تحقق السعادة؟ هذا السؤال نفسه قد يكون السبب في تبديدها

هذا الطريق الذي تقترحه إليزابيث في روايتها الشهيرة، هو نفسه قد يؤدي على سبيل المثال إلى الشعور بالتوتر، والوحدة، والإخفاق الشخصي.

فحسب الرأي الذي يطرحه كاتب المقال، يُنظر إلى السعادة في أحسن الأحوال على أنها أحد أنواع الطيور المرتعبة: مهما بذلت من جهد للإمساك به، ابتعد عنك أكثر.

تساعد هذه النتائج على تفسير التوتر والإحباط المستمرين اللذين يعاني منهما البعض خلال المناسبات الخاصة، مثل ذكرى ميلادهم، أو أعياد الكريسماس، أو ليلة رأس السنة.

ولماذا يكون طرح سؤال كيف تحقق السعادة سبباً للتعاسة أحياناً؟

غير أن هذه الأبحاث قد وجدت لهذا المسلك أيضاً تبعات عميقة التي تتعلق بالسلامة النفسية، وتقدم بعض الإرشادات المفيدة لتنظيم أهداف حياتك الأشمل.

كيف يتسبب البحث عن السعادة أحياناً في التعاسة؟

تعجبت من هذا القدر الهائل من كتب المساعدة الذاتية التي نُشرت في الولايات المتحدة خلال العقدين الماضيين. 

هكذا تقول إيريس ماوس، التي تعمل حالياً في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، والتي كانت أحد أوائل علماء النفس الذين تعمقوا في استكشاف أضرار البحث عن السعادة علمياً.

فقد قدمت العديد من هذه الكتب السعادة على أنها ضرورة لا غنى عنها.

تقول ماوس: «أينما تولّ ناظريك، تجد كتباً تتحدث عن أهمية السعادة بالنسبة لك، ومدى ضرورة أن تجعل نفسك أكثر سعادة، وكأن الأمر أصبح فرضاً». ولكن، هل تجعل هذه الكتب الناس أكثر عرضة للإحباط؟

تحديد معايير عالية للسعادة يسبب الإحباط

«قد يحدد الناس معايير عالية جداً لسعادتهم، حسب ما تقول ماوس .

والنتيجة أنهم -ربما يظنون أنهم لابد أن يشعروا بالسعادة طوال الوقت، أو حتى السعادة الغامرة، وهو ما قد يورثهم شعوراً داخلياً بالإحباط، وأنهم أدنى من المستوى المطلوب-، مما قد يحمل آثاراً مدمرة على النفس».

كما تساءلت ماوس أيضاً، هل يمكن أن يؤدي طرح سؤال –ما مدى سعادتي؟- ببساطة إلى خلق وعي ذاتي يبدد المشاعر التي يسعى المرء إلى غرسها في نفسه لتحقيق السعادة؟

دراسة تثبت أن السعي للسعادة قد يأتي بنتيجة عكسية

من خلال التعاون مع مايا تامير، ونيكول سافينو، وكريغ أندرسون، اختبرت ماوس الفكرة عبر سلسلة من الدراسات، تأثير سعي الإنسان للجري وراء إجابة السؤال الأكثر إلحاحاً في العصر الحالي وهو كيف تحقق السعادة؟.

طُلب من المشاركين في الدراسة على سبيل المثال ملء استبيان
مفصل بوضع تقييمات أمام عبارات مثل:

  • سعادتي في أي لحظة ترتبط بشكل كبير بما أواجهه من عناء في حياتي.
  • لكي أحيا حياة ذات مغزى، أحتاج للشعور بالسعادة طوال الوقت.
  • أزن أمور حياتي حسب حجم تأثيرها على سعادتي الشخصية فقط.

كما هو متوقع، توصل الفريق البحثي إلى أنه كلما كان المشاركون أكثر صدقاً في مشاعرهم، انخفض رضاهم عن حياتهم.

كما تبين أن البحث عن السعادة يمكن أن يأتي بنتيجة عكسية.

وفي الأزمات البحث عن السعادة لا يحدث فارقاً ولكن المشكلة في الأوقات الجيدة

غير أن الصورة كانت معقدة بقدر اختلاف ظروف المشاركين.

فبالنسبة للأشخاص الذين تعرضوا مؤخراً لأحداث أليمة، مثل فقْد أحد الأحبة، قالوا إن السعي إلى السعادة لم يحدث فارقاً.
وبالتالي، فإن الرغبة في أن تكون سعيداً لن تشعرك بالسوء بالضرورة عندما تكون أوضاعك شاقة بالفعل -لكنها يمكن أن تكبت مشاعر الرضا التي تنشأ تلقائياً في الأوقات الجيدة.

والقراءة عن السعادة قد تطيح بها

كانت الخطوة التالية لماوس ورفاقها تتمثل في معرفة ما إن كان بإمكانهم التلاعب بآراء المشاركين لتغيير نظرتهم عن السعادة على المدى القصير.

للقيام بذلك، طلبوا من نصف المشاركين قراءة مقال صحافي مزيف يثني على أهمية السعادة، بينما قرأت مجموعة المراقبة مقالة مشابهة حول فوائد «الحكم الجيد»، خالياً من أي استدعاء للعاطفة.

ثم طلب فريق البحث من المشاركين مشاهدة فيلم مؤثر عن الفوز في الألعاب الأولمبية، ومن ثم سألوهم عن مشاعرهم حيال ذلك.

مرة أخرى، لاحظوا نتيجة مثيرة للعجب: فقد كان الفيلم أقل تأثيراً في إثارة مزاج الأشخاص الذين هُيئوا مُسبقاً للرغبة الزائدة في السعادة، مقارنةً بالأشخاص الذين قرأوا المقال المحايد المتزن.

من الواضح أن القراءة عن السعادة رفعت توقعات المشاركين حول الشعور الذي كان «يجب» أن يعايشوه خلال مشاهدة شيء مفعم بالتفاؤل والأمل.

 لذا كانوا يتساءلون باستمرار عن شعورهم. عندما لم تصل مشاعرهم الحقيقية إلى هذه المعايير، شعروا بالإحباط بعد انتهاء الفيلم بدلاً من الابتهاج.

ولهذا السبب قد لا تجد متعة في الأحداث التي تبذل جهداً كبيراً لإعدادها

ربما واجهت شعوراً مثل هذا خلال حدث كبير مثل الزفاف أو «رحلة عمر» باهظة التكلفة.

فكلما أردت الاستمتاع بكل لحظة أخيرة، انخفضت المتعة.

وفي المقابل فقد تكتشف أنها كانت مجرد رحلة إلى مكان قريب، أكثر إيجابية لأن الرحلة كانت جيدة، بينما لم تكن عليها توقعات كبيرة.

مع ذلك، تشير دراسة ماوس إلى أن هذا قد ينسحب على كثير من المجالات الأخرى في حياتك.

والتركيز على محاولة إسعاد نفسك قد يعزلك عن الآخرين

وأوضحت ماوس منذ ذلك الحين أن الرغبة في السعادة (والسعي لتحقيقها) يمكن أيضاً أن تزيد من مشاعر الوحدة والانفصال، ربما لأن ذلك يدفعك إلى تركيز انتباهك على نفسك ومشاعرك الخاصة بدلاً من تقدير الناس من حولك والإشادة بهم.

كما أضافت ماوس قائلةً: «إن التركيز على الذات قد يجعلني أقل انخراطاً مع الأشخاص الآخرين، وقد أصدر حكماً أكثر سلباً على الأشخاص الآخرين إذا تصورت أنهم يعبثون بسعادتي».

لا تنتهي هذه التأثيرات عند هذا الحد.

والبحث عن السعادة يجعلك تشعر بمرور الوقت الذي تحبه سريعاً

ففي مطلع هذا العام 2018، توصل سام ماغليو من جامعة تورونتو الكندية، وأيكيونج كيم من جامعة روتجرز الأميركية، بطريقة أخرى إلى أن السعي الواعي  لتحقيق السعادة قد يأتي بنتائج عكسية: إِذْ جعلنا نشعر بأن الوقت يمر سريعاً.

على غرار ماوس، لجأ ماغليو وكيم إلى مجموعة متنوعة من الدراسات الجيدة.

طُلِب من المشاركين في إحدى الدراسات الخاصة بهما أن يضعوا قائمة تضم 10 أشياء تجعلهم سعداء في حياتهم (والتي قد تكون بمنتهى البساطة تخصيص بضع ساعات أسبوعياً لقضائها مع أسرتك).

وبدلاً من أن يتولد لديهم شعور بالتفاؤل فيما يتعلق بالمستقبل، تسبب ذلك في شعورهم بالضغط خاصةً فيما يتعلق بالوقت المحدود المتاح لديهم الذي يتوجب عليهم القيام بكل هذه الأمور خلاله؛ ونتيجة لذلك كانوا أقل سعادة.

تكمن المشكلة -على حد قول ماغليو- في أن السعادة تعد مسألة غامضة وهدفاً متغيراً؛ من الصعب للغاية الشعور ببلوغ أقصى درجات السعادة، حتى لو كنت تشعر بالرضا، فإنك ترغب في إطالة أمد تلك المشاعر.

والنتيجة هي أنه دائماً ما هناك الكثير من الأمور التي ينبغي عليك فعلها.

إنها تتحول إلى أمر مرهق بدلاً من أن يكون ممتعاً

«تتحول السعادة من شيءٍ محبب يمكنني الاستمتاع به على الفور، إلى شيء مرهق يجب أن أستمر في العمل عليه مراراً وتكراراً»، حسبما يقول ماغليو.

أتذكرون وصف إليزابيث غيلبرت عندما تحدثت عن «الجهود الجبارة المبذولة من أجل مواصلة الإبحار نحو تلك السعادة إلى الأبد، فقط للبقاء طافياً على أعلى قمتها» في كتاب ( Eat, Pray, Love )؟ هذا بالضبط هو نوع التفكير الذي سيجعلنا أقل سعادة، وفقاً لبحث ماغليو.

لا ينبغي أن تؤخذ هذه النتائج لإعاقة علاج بعض مشاكل الصحة العقلية الخطيرة مثل الاكتئاب: في المشاكل السريرية، من الأفضل دائماً السعي للحصول على المساعدة المهنية.

ويقول ماغليو إن نتائج هذه الدراسات لا تعتبر سبباً لتجنب القرارات الحياتية الكبيرة التي يمكن بالفعل أن تحسن من رفاهيتك وراحتك؛ مثل ترك شريك مؤذٍ.

في بعض الأحيان، نحتاج حقيقةً إلى التركيز على سعادتنا الحالية.

ومع ذلك، إذا لم تكن بصدد مواجهة أحد التحديات الحياتية الكبيرة، فيجب أن تقودنا هذه النتائج إلى إعادة التفكير في مواقفنا وسلوكياتنا.

صديقي يتناول عشاء فاخراً.. هكذا تزيد وسائل التواصل الاجتماعي الأمر سوءاً

يوضح ماغليو أن وسائل التواصل الاجتماعي تجعلنا واعين ومهتمين بحياة الآخرين المُجملة بشكلٍ خاص، والتي قد تبدو مثالية لكنها ليست كذلك، ما قد يزيد رغبتنا في أن نحيا حياة أكثر سعادة، وأكثر إثارة.

يعتقد ماغليو أننا سنكون أكثر سعادة إذا لم ننظر إلى الآخرين أثناء وضع المعايير والمواصفات الخاصة بنا التي تشكل الحياة الجيدة والهادفة.

أردف ماغليو قائلاً: «إذا جرى تذكيرك باستمرار بصديقك المتواجد في هذا المكان المدهش أو في هذا العشاء الفاخر، أعتقد أن ذلك قد يوحي لك بأن الآخرين أكثر سعادة منك، وبهذا يبدأ هدف تحقيق السعادة مرة أخرى. أعتقد بالتأكيد أن هذه الرغبة لتحقيق السعادة تتزايد في هذه الأيام».

إذن ما البديل؟ إنه الرضا على المدى الطويل وتعلم كيفية التعامل مع الإخفاقات والنجاحات

الكثير من الأبحاث توصلت إلى أن الأشخاص الذين يتخذون موقفاً أكثر تقبلاً تجاه المشاعر السلبية –بدلاً من محاولة التصدي لهذه المشاعر باستمرار باعتبارها العدو الذي يهدد رفاهيتهم– سيشعرون في نهاية المطاف بالمزيد من الرضا تجاه حياتهم على المدى الطويل.

وتقول ماوس: «عندما تسعى جاهداً لتحقيق السعادة، قد تصبح متسرعاً في إصدار الأحكام وقد لا تتقبل الأمور السلبية في حياتك… وقد تعنف أو توبخ نفسك بسبب المشاعر التي تتنافى مع السعادة».

لهذه الأسباب، تنصح ماوس باتخاذ موقف أكثر رزانة إزاء النجاحات والإخفاقات في الحياة، والتي من خلالها تتقبل المشاعر السلبية باعتبارها أحداثاً عابرة بدلاً من محاولة القضاء عليها تماماً.

وهناك وسائل بسيطة لتحقيق السعادة بدلاً من مطاردة هذا الحيوان الخجول

إذن، كيف تحقق السعادة؟

لا شيء مما قيل ينفي أن يستخدم المرء بعض الحيل الصغيرة لتحقيق السعادة مثل الاحتفاظ بـ «دفتر الامتنان لتدوين الإيجابيات»  والتعامل مع الآخرين بلطف.

هذه الأمور البسيطة، تزيد بالفعل من رفاهيتنا وراحتنا، لاسيما إذا جعلتك تدرك شعورك بالرضا في اللحظة الحالية.

وقد تكون السعادة في أشياء بسيطة مثل  ممارسة التمارين الرياضية لـ 10 دقائق كما يذكر الكاتب في مقال آخر بعنوان A 10-minute exercise to boost happiness).

لكن لا تتوقع الكثير من التحسن الفوري في مزاجك، وحاول ألا تستمر في التساؤل عما تشعر به.

السعادة أشبه بطائر أو حيوان خجول حقاً، بمجرد أن تتوقف عن مطاردته، تجد أنه يظهر طبيعياً من تلقاء نفسه.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
كيف يتسبب البحث عن السعادة بالتعاسة؟.. إنها كالطائر الخجول كلما بحثت عنه هرب منك، وإليك وسائل غير متوقعة لتحقيقها