القضاء على سرطان عنق الرحم من السجن كان نضال الأميركية هيذر هودجز التي هزمت المرض والنظام بكلماتها
الإثنين, 17 ديسمبر 2018

رسالة واحدة قلبت حياتها رأساً على عقب.. كيف هزمت سجينة أميركية نظام بلادها لتنقذ نفسها من السرطان؟

عربي بوست

«في البداية ناضلت من أجل حقوقي، ومن ثَمَّ قاتلت من أجل حياتي».. بهذه الكلمات تختصر السجينة الأميركية هيذر هودجز قصة القضاء على سرطان عنق الرحم من السجن في أميركا. لم تستسلم لظروف الحبس، ولا للحراس الذين أهملوا وضعها الصحي.

دوَّنت كلَّ ما مرَّت به، وبرسالة واحدة قلبت حياتها رأساً على عقب. وبعد إطلاق سراحها تخرج هيذر لتروي للعالم انتصارها على السرطان، وعلى بيروقراطية السجون في أميركا.

فكتبت على موقع The Marshall Project الأميركي:

منذ أن بدأ النزيف في أبريل/نيسان 2013 لم يتوقف

عندما وصلت إلى «سجن وودمان» في الصيف الماضي، خضعت لسلسلة من الاختبارات خلال مرحلة تسجيل المعطيات الشخصية.

أجريتُ سحباً لعينة دم، وتقييمات نفسية، وفحصاً للحوض.

في البداية، خضعت لسلسلة من الاختبارات المتتالية، لتأخذ الأمور نسقاً بطيئاً فيما بعد. كان من المفترض أن أخضع لفحص آخر للحوض بعد شهرين.

عندما أظهر اختبار عنق الرحم الثاني وجود خلايا غير طبيعية، قيل لي إنه سيتم إعلامي في حال اقتضى الأمر خضوعي لفحوص أخرى مستقبلاً، في حال كُنت في حاجة إلى المزيد من العلاج.

مساعد الطبيب استغرب عدم علاجها بشكل فوري

تضيف:

افترضتُ أن وزارة العدل الجنائية في تكساس تتعامل بشكل مسؤول مع المشاكل الصحية التي قد أعاني منها.

لقد وضعتُ ثقتي في النظام لإدارة حياتي، الأمر الذي من الواضح أنني فشلت في القيام به.

وبمجرد أن تم نقلي إلى وحدة سان سابا، لم أُول اهتماماً لما قد يصيبني من أمراض نسائية، تماماً كما فعلت لسنوات.

لم أفق من غفلتي إلى أن بدأ النزيف. وعندما استمرَّ لمدة شهر، قدمت نموذج طلب طبي للحصول على موعد مع مساعد الطبيب، وهو أقرب شخص لما يمكن أن يكون طبيباً في صفوف موظفي السجن.

أجرى الطبيب المساعد فحصاً آخر للحوض، وقال: «أرى أن النزيف ناجم عن آفة كبيرة في عنق الرحم» فتذكَّرت فجأة تلك الخلايا غير الطبيعية التي ظهرت قبل تسعة أشهر.

فقال لي مندهشا: «ماذا؟ لماذا لم يعالجوها منذ ذلك الوقت؟». فأجبته: «أخبرني أنت».

فوعدها بالرعاية الصحية بعد أيام فقط

أكد مساعد الطبيب أنه يجب أن أتوقع أن أنقل مع عدد من المساجين المرضى إلى المستشفى في غالفستون خلال الأيام القليلة القادمة.

وقال مساعد الطبيب، إن «هذه الأشياء تستغرق وقتاً طويلاً لتتحول إلى سرطان، ما لم تكن في العالم الحر».

لقد حررتني روحه المرحة فضحكت بصوت عالٍ. وأخبرني أنني سأدخل المستشفى وأخرج منه خلال يوم واحد، على الأرجح.

جعلني كلامه أشعر بتحسن في تلك اللحظة. ولكن لم تكن أي من تلك الكلمات التي تلفَّظ بها صائبة.

في كل يوم لا يتم فيه استدعائي للانضمام لركب المرضى المتوجهين للمستشفى يزداد القلق لدي.

ثم بعد مرور أسبوعين، طلبت موعداً آخر، مرَّ أسبوعان آخران قبل أن أستلقي مرة أخرى على طاولة الاختبار المغطاة بالأوراق في الوحدة الطبية بالسجن.

لكنه عاد بعد 4 أسابيع وأكد إصابتها بالسرطان

وأكد لي مساعد الطبيب أنه لم يكن على علم بطلبي، واتصل بي لمراجعة نتائج التحاليل التي أجريتها.

وأخبرني مساعد الطبيب قائلاً: «أظهرت تحاليلك وجود درجة عالية من إس أي إي إل».

وعندما سألته عن معنى ذلك، أجاب: «آفة حرشفية منخفضة الدرجة داخل الطبقة الظهارية».

لم يكن هذا التفسير الذي كنت أرجوه بالتأكيد، لكنني أدركت أنه خبر سيئ.

بدت ملامحه قاتمة، وعلى غير العادة لم يطلق أي نكات، ومِن ثَمَّ أخبرني: «يجب أن تذهبي إلى غالفستون على الفور».

وقد أورد ملاحظة من أجل تسريع نقلي. وأكد لي أنه ينبغي أن أكون ضمن مجموعة السجناء المرضى الذين سيُنقلون إلى المستشفى في الأيام القليلة القادمة.

قال انتظري عدة أيام، ومرَّت 4 شهور بلا أي رعاية

فناشدته قائلة: «إني أنتظر بالفعل منذ شهر»، فوعدني قائلاً: «انتظري بضعة أيام أخرى فقط».

مرت أيام وأسابيع ولم يحدث أي شيء. وبين الانتظار والنزيف وعدم اليقين، انعكست استجابتي للضغط النفسي سلبياً على معدتي، فأصبح كل شيء أتناوله يجعلني مريضة.

في هذه الأثناء، حاولت تهدئة نفسي من خلال إيهامها بأنني سأتماثل للشفاء. حاولت أن أتقبل ما لم أستطع تغييره.

لكنني كنت مصممة على أن تتم معالجتي، فعدت إلى المستشفى عدة مرات في الأشهر التالية.

في كل مرة شعرت بالأمل في الحصول على المزيد من العناية الطبية، لكنني لم أكن أبداً ضمن قائمة السجناء المرضى الذين سيرسلون للمستشفى.

بعد أربعة أشهر بالتحديد، منذ أن وعدني مساعد الطبيب أن انتقالي للمستشفى سيكون في غضون بضعة «أيام»، تمكَّنت من الذهاب إلى المستشفى، ولكن ليس في غالفستون، بل سجن كراين في غتسفيل، لزيارة قسم طب التوليد والنساء.

كنت آمل أن تؤدي الصدمة التي رأيتها على وجوه الممرضة والأطباء خلال اختبار الحوض الذي أجريته إلى حثهم على التدخل السريع وتقديم العلاج المناسب لي.

وتمكنت من سماع الحديث الذي دار بينهم وبين الضابط خارج غرفة الفحص عبر الباب.

هل تحتاج جراحة مدتها 15 دقيقة كل هذه المماطلة؟

قال الطبيب الشاب: «تشير نتائج التحاليل إلى أن المريضة تعاني من حالة خطيرة للغاية، يجب معالجتها على الفور. لا يمكننا إجراء الفحص المجهري لأن الورم ينزف بكثافة. هل يمكن أن تجعلها تنتقل على متن حافلة متجهة إلى غالفستون؟».

فأجاب الضابط: «لوجستياً قد يكون ذلك غير ممكن»، ثم أضاف: «ينبغي عليّ أن أتحقق من ذلك».

أعادوني إلى سجن سان سابا دون أن يقدموا لي أي تفسير. شعرت هذه المرة أنني سأكون على متن إحدى وسائل النقل التالية المتجهة إلى غالفستون.

شعرت بالغثيان وألم في معدتي أثناء انتظاري إعلان الساعة العاشرة مساء.

ولكن عندما لم يتم استدعائي، أصابني الارتباك والغضب وشعرت بخيبة أمل. كيف يمكنهم السماح بتركي هنا دون علاج؟ فقدمت طلباً طبياً آخر.

كنت على علم بأن هناك خطبا كبيراً، وكنت خائفة وغاضبة. فهل سأموت في السجن جراء حالة مرضية كان يمكن معالجتها من خلال جراحة لا تتجاوز مدتها 15 دقيقة، منذ عدة أشهر؟

وهل هناك من سيلاحظ ذلك أساساً؟

كنت أتمنى أن يكون الأفضل لا يزال أمامي، وأتطلع إلى حياة جديدة وخالية من الإدمان بعد إطلاق سراحي. فهل سأعيش إلى تلك اللحظة؟

ثم بدأت رحلة تدوين كل شيء باليوم والساعة

دفعني شعوري بالغضب إلى أن أتَّخذ موقفاً حازماً. فعندما لم أتلق أي رد على طلبي، قمت بتحرير جدول زمني مفصل يشمل الأعراض المصاحبة للمرض: مواعيد الطبيب، ونتائج المختبر، وبيان بالعديد من الوعود الكاذبة التي قدمت لي، والتي تحيل إلى أنني سأعالج في أي لحظة.

كما تطرقت إلى الأطباء الذين باشروا حالتي في سجن غتسفيل، والذين أكدوا أنني بحاجة إلى الذهاب إلى المستشفى على الفور.

أضفت في الجزء العلوي جملة أطلب من خلالها «القيام بنسخة أخرى حتى تقدم كدليل في دعوى قضائية محتملة».

فكان وقع الكلمات أقوى من الفحوصات الطبية

وسرعان ما جذبت كلماتي انتباه المسؤولين. وعلى الرغم من أنه من الصعب الفوز بدعاوى قضائية وأنت مسجون، إلا أنهم أصبحوا ينظرون إلي، على الأقل، على أنني حالة تم إهمالها، ولا يمكن إنكار ذلك.

في غضون 4 ساعات مِن وضع هذا الجدول الزمني في صندوق الطلبات الطبية، تم اصطحابي إلى مكتب الممرضة الصغير.

هناك، قالت لي الممرضة: «من الجيد أنك قمتِ بلفت نظرنا إلى هذا الأمر. لقد تمت كتابة تعليمات الطبيب في المكان الخطأ، لذلك لم تكوني حتى ضمن قائمة المرضى الذين يجب إرسالهم للمستشفى».

فأجبتها قائلة: «إنني أنزف باستمرار، والأمر يزداد سوءاً. وأنا قلقة على حياتي التي باتت في خطر».

ظلَّت ترمقني، في حين كانت ملامح الشفقة باديةً على وجهها، ومن ثم قالت: «أعمل هنا منذ بعض الوقت، لكنني لم أر أبداً شخصاً جرى إهماله وتجاهله مثلك».

فور سماع كلماتها، راودني سؤال ملحّ: هل من المفترض أن أشعر بتحسن إزاء ذلك؟

أضافت الممرضة قائلة: «ليست هذه الطريقة التي نعمل وفقها عادة، أعلم أنك تريدين رفع دعوى قضائية، ولا أعارضك في ذلك، لكنني أريدك فقط أن تعرفي أن ما حدث معك ليس السائد هنا».

فأجبتها بإحباط: «لا أريد أن أرفع دعوى قضائية، أريد أن أتلقى العلاج الطبي. يتمثل هدفي وراء ذلك في إنقاذ حياتي».

وأُجبر مدير السجن على الاعتذار لها شخصياً

عندما دخل مدير السجن والنقيب إلى المكتب، الذي كان بحجم خزانة الملابس، شعرت بالإحراج والذل عندما أحاطا بي، وكانا رسميين وجديين للغاية، في زيّهما الرسمي.

كانت تغمرني رغبة غريزية في الهرب من المكان، كما لو أنني في ورطة، لكنني التصقت بالكرسي البلاستيكي الذي كنت أجلس عليه.

تكلم النقيب أولاً، قائلاً: «تم إبلاغنا بمشاكلك الطبية ونود أن نعتذر لكِ ونُعلِمك أننا نعمل على تأمين نقلك، وستذهبين إلى المستشفى قريباً جداً».

 

اتَّسعت عيناي من شدة الذهول. هل يرغب حقاً في الاعتذار؟ لم أسمع بذلك من قبل.

بعد ظهر ذلك اليوم، أيقظتني إحدى الحارسات من نوم عميق وأمرتني بإحضار الضروريات فقط، على غرار فرشاة الأسنان وأحذية الحمام.

وأخبرتني أن «ضابطاً آخر سيتكفّل بحزم أمتعتك، اتركيها ولنغادر الآن». ثم أغلقت الباب على أغراضي وأصدقائي وبيتي على مدار السنة الماضية.

7 ساعات طويلة لرحلة تنقذها من الموت

قيّدت يدي بالأصفاد، وتم وضع سلاسل حول كاحلي طوال الرحلة التي امتدّت سبع ساعات إلى مدينة غتسفيل.

كانت السلاسل والأصفاد تحدث ضجيجاً بينما كنت أجرّ قدمي نحو عربة النقل.

شعرت مع كل خطوة أخطوها بأنني أصبحت حرة، وكانت معنوياتي مرتفعة. كنت ممتنة لأنني أخيراً سأحصل على الرعاية الطبية.

وأخيراً تخلَّصت من كل التوتر والمعاناة اللذين رافقا رحلتي لبلوغ هذه اللحظة.

وفرصة جديدة في الحياة لتفضح الرعاية الصحية في السجون

بعد ثلاثة أيام تم تشخيص حالتي رسمياً بسرطان عنق الرحم، وبدأت رحلة طويلة وشاقة أخرى مع العلاج الإشعاعي والكيميائي.

تلقَّيت رعاية ممتازة، واستجبت بشكل جيد للعلاج، وتخلَّصت من الورم. تحولت إلى محاربة، قاتلت أولاً من أجل حقوقي، ومن ثم من أجل حياتي. لم أتخلّ أبداً عن القتال.

 

عندما طلب منه التعليق، قال متحدث باسم وزارة العدل الجنائي في تكساس في بيان، إنه يضمن «أن جميع المجرمين البالغ عددهم 145 ألفاً في نظامنا يتلقّون أعلى مستوى من الرعاية الصحية الجيدة. بالإضافة إلى الرعاية الطبية المتوفرة في جميع وحدات التمريض، يتم أيضاً معالجة المساجين في وحدة خاصة في مستشفى بمدينة غتسفيل بتكساس، وفي بعض المرافق الخاصة. ويقوم قسم الخدمات الصحية لدينا، باستمرار، بمراقبة تقديم الرعاية الجيدة والتحقيق في جميع المظالم الطبية. ونظراً لقانون إخضاع التأمين الصحي للنقل والمسؤولية، HIPAA، لا يمكننا التعليق على تفاصيل أي حالة طبية فردية».

من الجدير ذكره أنه كان من المقرر إخراج هيذر هودجز، البالغة من العمر 46، من المنشأة الطبية «Carole Young» في مدينة ديكنسون، تكساس في 27 من يوليو/تموز سنة 2018، بعد أن قضت 5 سنوات بتهمة المخدرات.

تعمل هودجز حالياً على كتابة مذكراتها حول نجاتها من السرطان، وتخطط لإنشاء منظمة لمعالجة المدمنين وإنقاذ الكلاب، وتقديم خدمات هادفة وذات مغزى.

اقتراح تصحيح
عربي بوست
الشواء على الفحم يزيد من خطر الموت.. لا تقلق، فلا يزال هناك أمل!
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
رسالة واحدة قلبت حياتها رأساً على عقب.. كيف هزمت سجينة أميركية نظام بلادها لتنقذ نفسها من السرطان؟