هل تسمع صوتاً في رأسك ينتقدك دائماً؟ حب الكمال غاية لا تُدرك ولكن البعض لا يرضى بأقل من ذلك
السبت, 15 ديسمبر 2018

هل تسمع صوتاً في رأسك ينتقدك دائماً؟ حب الكمال غاية لا تُدرك ولكن البعض لا يرضى بأقل من ذلك

عربي بوست - ترجمة

هل فكرت يوماً أن العيوب التي تظن أنك تعاني منها ليست بذاك السوء، وأنك إنسان يحب المثالية في كل ما يفعله أو يقوم به، لذا تشعر بالتقصير وبأنه كان يمكن أن تنجز ما هو أفضل؟ لست وحدك، حب الكمال اضطراب منتشر أكثر مما نتخيل.

توم نيكول، مثال على هذاالنموذج. ظن أنه غير جدير بأن يحب الكمال، ليتبين أنه كان يجلد نفسه طوال الوقت.

طان توم يعاني مشكلة ما في النوم، فهو لا ينال القسط الكافي منه، ولذا قرَّر اتباع «أسلوب منضبط تقشفي جداً» في روتين حياته.

فأصبح يشرب الماء في أوقات مدروسة، ولا يأكل إلا في موعد محدَّد.

كما تجنَّب تناول الكافيين، وصار يمارس التمارين الرياضية، لكن بعيداً عن موعد النوم، كما يطفئ كافة الشاشات في تمام الـ9 مساء.

وبينما كان طالب الدكتوراه نيكول يتلو على مستشارة شؤون الطلاب الدراسية قائمته الطويلة لتدابير وإعدادات نومه، بعد ليلة لم ينم فيها ثانية، قالت له: «أنت تعاني من حب الكمال».

أجابها نيكول: «لست جديراً بما يكفي كي أعاني من حب الكمال».

لكن نيكول يقول الآن إن ردَّه ذاك كان «واحداً من أكثر الأقوال كمالية». أما في وقتها فقد فوجئ تماماً بذاك الاكتشاف، وسرعان ما باح لصديقته باكتشافه المدهش، فكان ردُّها عليه: «أكيد!»، بيد أنه لم يقتنع.

نيكول ذو الـ25 عاماً، يدرس للعام الثاني برنامج الدكتوراه في علم الكيمياء النظرية.

تحدَّث إلى صحيفة The Guardian البريطانية بأسلوب محدَّد وواضح، يقنع السامع بأنه عادي، وأقل من عادي، فهو «ليس ذا مهارة محددة، فوضوي جداً، ولم يكن يوماً ذاك النمط الذي يرى فيه الناس التفوق».

يروي كلَّ هذه العيوب التي يراها بكل بساطة وعفوية محببة، حتى يخيّل أنه راضٍ كل الرضا عنها.

ولكن لعل في هذا أيضاً تصريحات تنم عن حب للكمال، هذا الأسلوب في نقد الذات الدائم بشكل عابر يحط وينتقص من نفسه.

عدوى الكمال تنتشر بين طلاب الجامعات

قد يصيب حبُّ الكمال كافة الناس على مختلف أعمارهم وأنماط حياتهم، بيد أن عدوَاه تنتشر أكثر وسط الطلبة.

ففي وقت سابق من العام الحالي وجدت دراسة أُجريت على 40 ألف طالب بالجامعات البريطانية والأميركية والكندية، أن ثمة زيادة قدرها 33% منذ عام 1989 في أعداد من يشعرون أن عليهم تحقيق الكمال.

هدفهم الحصول على قبول الآخرين، ويخشى رئيس فريق الدراسة، توماس كوران من جامعة باث، أن ثمة «وباء خفياً اسمه حب الكمال».

يعد حب الكمال سمة من سمات الشخصية، لا حالة نفسية.

إذ لا يوجد كود معين مِن وضع منظمة الصحة العالمية لتشخيص حب الكمال، كما أنه غير مدرَج في الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض النفسية، الذي أصدرته الجمعية الأميركية للطب النفسي.

إذاً بإمكان حب الكمال هذا أن يحلّق عبر شاشة الرادار، تحت غطاء مسمى «علو الهمة والمعايير».

إلا أنه يتقاطع مع الكثير من أنماط الخلل، كاضطراب الأكل، والوسواس القهري، والقلق، وشذوذ بنية الجسم، والاكتئاب، والانتحار.

هناك فرق بين الترتيب والمهارة، وحب الكمال «خوفٌ من الفشل»

زاوية نيكول التي يجلس فيها بالمكتبة هي ممر تتوسطه طاولة مقابل الحائط.

على يمينه مطفأة حريق، وعلى يساره أرفف كتب يسمع من بينها صوت همهمة كهربائية غامضاً.

أما الفوضى التي زعمها نيكول فلا أثر لها، فالمكتب مرتب، والدفتر منظم، بل حتى قائمة الأمور التي عليه إنجازها بها أقسام فرعية!

يعلق نيكول قائلاً: «هناك فرق بين الترتيب وبين المهارة».

يُعرِّف نيكول حب الكمال على أنه «خوف من الفشل»، لكن خوفه عظيم، ليس فقط لإيمانه بالكمال، وإنما لاعتقاده أنه مرَّ به عن تجربة؟

ففي عام 2014/2015 عاش نيكول ما يسميه «عامه الكامل»، حيث اختبر الكمال بشكل تفصيلي تام لدرجة أن بإمكانه أن يروي تلك التفاصيل بحذافيرها لحظة بلحظة.

ففي كل يوم كان يذهب إلى نادي الرياضة في الـ8 صباحاً، ثم يعمل من الـ9 صباحاً حتى الـ6 مساء، ثم يطهو طعام اليوم التالي ثم يخلد إلى النوم، وهكذا لمدة 5 أو 6 أيام في الأسبوع.

أما في اليوم الـ7 فكان يقيّم مثابرته وإنتاجيته بحساب معدل إتمامه لقائمة أموره التي عليه فعلها.

أما مكافأته على كل هذا المجهود فكانت إحرازه لمعدل 86% في رسالته للماجستير (مع أن شقيقته كانت حصلت لتوها على 95%).

لكنه منذ بدأ برنامج الدكتوراه لم يعد يقدر على إعادة تهيئة الأجواء والظروف التي كانت وراء نجاحه، فالنوم جافاه، ولم يتمكن من المثابرة بنفس الوتيرة.

«كل يوم أشعر أني دون المستوى » تصبح الفكرة المهيمنة

يقول: «كل يوم أشعر أني دون المستوى المثالي». يعرف نيكول أن أحد أسباب براعته (وليس هذا اللفظ من اختياره) في الكيمياء، هو قدرته على «تحليل الأمور وتفكيكها نظرياً».

إلا أن مهارته تلك تصبح عدواً لدوداً عندما يطبقها على سلوكه الشخصي؛ إذ تصبح «عقاباً نفسياً» لا يعرف الرحمة.

من جهة هو هادئ إزاء أن الكمال والمثالية غاية لا تدرك.

يقول: «إن طبيعة عالمنا الفوضوية تعني أنه عالم مؤقت لا يدوم أبداً، وحتى لو أحرزت الكمال للحظة إن كنت شخصاً مجداً، فسرعان ما ستطمع في إحراز أمرٍ آخر. لكن من جهة أخرى يؤنب نيكول نفسه على تقصيره.

يقول: «لا عذر لي. لو نمت ساعتين قبل ليلة فإني أوبخ نفسي على عدم القدرة على العمل حتى لو كنت أشعر أني مرهق».

يجاهد نيكول في معركته أمام «المصاعب النفسية» لحب الكمال، «ذلك الطبع الذي كحلقة تدور لتعود من جديد وتؤنبك».

أحياناً يفكر بالأمور أثناء تنظيف المطبخ، وإذا به يصيح هاتفاً: «كم أنا عديم النفع!».

تعوقه هذه الفكرة عن الإنتاج، ما يؤجج الفكرة من جديد في رأسه. حتى التمارين الرياضية التي يستمتع بها نيكول «هارباً من عقله» لا تبدو كأنها مهرب تماماً.

فهو يتدرب لكي يكسر الرقم القياسي الذي حققه أبوه في ركض مسافة ميل، ألا وهو 4 دقائق ونصف الدقيقة، ولعل هذه عادة تعلمّها بسبب نشأته «ضمن جو من التنافس».

تقريع الذات سمة مميزة تلخص حب الكمال

كل هذا يبدو مألوفاً لروز شافران، التي أسهمت في تأليف كتاب Overcoming Perfectionism (التغلب على حب الكمال)، والتي تترأس قسمَ علم النفس الانتقالي بمعهد صحة الطفولة بجامعة يونيفرستي كوليدج لندن.

ترى شافران أن تقريع الذات سمة مميزة لحب الكمال، وغالباً ما ترصد «نقطة تحول» بين الطلاب كبدء الحياة الجامعية مثلاً: «فالمجال الدراسي يتغير، أو رد الفعل تجاه الفشل يتغير، فبالنسبة للكثيرين يبدأ المشوار بداية جيدة».

لكن ما من إجماع على ذلك.

حب الكمال 3 أنواع ويختلف كلياً عن المثابرة

عمل بول هيويت في هذا المجال طيلة 30 عاماً. ثم في مقال أحدث ثورة وقلب الموازين عام 1991، وضع هيويت مع زميله عالم النفس غوردون فليت 3 أنواع لحب الكمال هي:

  • الكمال المطلوب اجتماعياً (الذي يظن المرء فيه أن الآخرين يطالبونه بالكمال).
  • الكمال الموجَّه للآخر (الذي يطالب المرء فيه الآخرين أن يكونوا هم كاملين).
  • الكمال الموجَّه للنفس (الذي يطلب الكمال من نفسه).

يرى هيويت أن حبَّ الكمال «أسلوب للشخصية»، لكنه لا يتفق مع القول إن المثابرة الواعية قد تتحول إلى حب للمثالية.

يقول: «هذا ليس حباً للكمال، فهذان أمران مختلفان جداً. الكمال هو محاولة إصلاح أو معالجة إحساس بعيب في الذات ونقص فيها وعدم أهليتها الكافية».

«الكلمات ليست مثالية وكل كلمة قد تكون أفضل»

كريستي شيفر شابة في الـ23 من العمر، وتدرس منذ سنتين في برنامج دراسات عليا بقسم العمل الاجتماعي بجامعة بورنماوث البريطانية، بعدما انتقلت من جامعة باث.

قالت كريستي إنها «على شفا ترك الكمالية وراء ظهرها».

فعلى مدى فترات طويلة ضمن دراسة درجتها الجامعية، ظلَّت شيفر تغادر المكتبة بحلول منتصف الليل، لكن دون إنتاج سوى ما دون 100 كلمة بعد ساعات طوال من العمل.

تقول: «أشعر أن عقلي يتلقَّى اللكَمَات واللكمات لكن دون أن يخرج منه شيء.

وتضيف: «المشكلة هي في أن الكلمات ليست مثالية، وأن كل كلمة قد تكون أفضل. تمرّ الساعات في طباعة وإعادة طباعة كلمة واحدة، أما الكلمات التي تأخذها معها إلى البيت فهي «عقيمة من حيث أخرجتها قسراً. أما أسوأ الليالي فتلك التي أستيقظ فيها ورأسي يطن».

في أشد الأسابيع كدحاً تتغاضى شيفر عن النوم والأكل والاستحمام، ولعلها تستخدم صيغة المخاطب بدل المتكلم، أثناء تحدثها في هذا الموضوع، في أسلوب للحفاظ على النفس.

فتقول: «تمهلي، أنت تغرقين في عقلك. الأشياء الجسدية كالأكل والاغتسال وعدم النوم في وقته المعتاد وعدم العناية بنفسك…».

وهنا تشرد في صمت، ثم تقول: «عندما أكون في هذه الحالة النفسية أكاد لا أرى أي شيء خارجاً، بل أظل حبيسة رأسي دوماً».

مع ذلك، وفي نهاية المطاف تنتج شيفر مقالات تحقق فكرة «العشرة من عشرة الكاملة» التي لديها، ففي حين يفشل معظم الطلبة محبو المثالية في تحقيق أهدافهم أو ينحرفون عنها، عادة ما تحرز شيفر المركز الأول.

في لحظة من لحظات كتابتها تشعر بأنها أنجزت المهمة، لكنها لا تعرف كيف، لأنه ما من سطر معين يميز الحد الفاصل بين العمل الكامل والناقص، فكل ما تعرفه هو أن «شيئاً ما بداخلي بدأ يتحرر».

«فأنا الشخص الوحيد القادر على تخييب أمل نفسي ومعاقبتها»

تنظر شيفر إلى ماضيها، فترى أنها كانت عرضةً لحب الكمال منذ صغرها، رغم أنها لا تعرف لماذا.

تقول: «كان والداي شديدَيْ الدعم، فلم أتعرض يوماً للنقد، بل كنت دوماً أظفر بأعلى المديح والثناء».

وعندما كانت معلماتها في المدرسة الابتدائية يقلن عنها إنها محبة للكمال والمثالية،كانت هي تأخذ الكلام على محمل الإطراء.

بيد أنها بين عمري الـ15 والـ16 اشتدت حدة تجربها؛ لأن الجامعة باتت على الأبواب، وطرأت التغييرات على الصداقات.

تقرقع شيفر بأصابعها وتقول: «أصبحت شديدة التركيز»، وبدأت تضع لنفسها جدولاً دراسياً أكاديمياً تزداد صرامته كأنه عقوبة.

تقول: «ركزته كله على نفسي حتى أكون أنا وحدي من يشعر بخيبة الأمل، فأنا الشخص الوحيد الذي أقدر على تخييب أمل نفسي وعلى معاقبتها».

تقول شافران، إنه بالنسبة لشيفر وللكثيرين فإن «المثالية تؤدي وظيفة معينة، إما السيطرة وإما إحراز النتائج الجيدة في المدرسة، وإما تجنيبك محادثة الآخرين لأنك خجول… يعني أنها تخدم هدفاً».

إن فائدتها هذه تجعل من المثالية أمراً يصعب رميه وراء الظهر.

تقول شيفر: «أنا أشكر مثاليتي، فأنا أرى قيمتها، لكني لست بحاجتها الآن، فهي ليست سوى شيء أجرجره معي يشدني إلى ما مضى، ولكن ما من شيء أحتاج للسيطرة عليه بعد الآن».

Overcoming Perfectionism

Don't let a penchant for #perfectionism get in the way of getting things done! In this week's #MentalHealthMinute, Jean Holthaus, LISW, offers tips for taming your perfectionist streak.

Gepostet von Pine Rest am Donnerstag, 18. Oktober 2018

«دودة صغيرة في رأسي تنتقدني على الدوام»

تتحدث شيفر بفصاحة عن مثاليتها وكأنها كيان فريد، لكنْ متصل بها.

أحياناً تكون مثاليتها زائدة ثقيلة، وفي أحيان أخرى تكون طفيلياً لعيناً مراوغاً، «فثمة شيء في رأسي كأنه دودة صغيرة تحدثني باستمرار وتنتقدني على الدوام، فتقول لي عليكِ أن تبلي بلاء أفضل في هذا، عليك بذل المزيد، أنت لم تبذلي قصارى جهدك. التحدي هو في السيطرة على هذه الدودة الصغيرة، ولكن كيف؟» تقول شيفر.

ليندا بلير طبيبة نفسية تنصح مرضاها بـ»تجربة اختبار أفضل صديق»، الذي تسدي به لنفسك النصيحة التي كنت ستوجهها إلى صديق يعاني المشكلة نفسها.

الأمر سهل لشيفر، فلديها صديقة مقربة لديها هي الأخرى نزعات مثالية، وشيفر تعرف تماماً ما ستقوله: «النصيحة الوحيدة التي قد أقدمها هي أن الخير في تقديم أفضل ما عندك».

وهو ما تقوله لها صديقتها أيضاً، «ولا نفلح في ذلك! وننفجر ضاحكتين على نفسينا، فنقول قد أنتفع حقاً بالاستماع لهذه النصيحة، ولكنها لا تدخل الذهن».

ترى شيفر أن حب الكمال «مرض في النفس» مع أن المُثُل والإعلام يغذِّيانه، «إلا أنني أنا المتحكمة به في النهاية، وذاك الصوت الخافت الغبي في ذهني، تلك الدودة»، كما تقول.

كل هذا العذاب.. لماذا إذاً ينتشر حب الكمال؟

كوران، رئيس فريق دراسة المثالية بجامعة باث مرَّ بالتجربة شخصياً ويقول: «لعلي أميل لنعتها بمتلازمة الدجل، لأني أنحدر من بيئة فقيرة جداً».

كما أنه يحمل المسؤولية لليبرالية الجديدة فيقول: «يتم التسويق لنوع من التنافس دفع الشباب إلى التركيز على إنجازاتهم».

ففي المملكة المتحدة فاقمت مصاريف التعليم من تسويق التربية، مع التركيز على النتائج، حتى على الأطفال في سن الـ7، الذين يخضعون لامتحانات قبول المدارس.

وبالطبع فإن الشبكات الاجتماعية جعلت من كل شيء أمراً أدائياً يمكن تحسينه حتى الكمال.

وفي حين يركز نيكول على تواضع قدراته، ويوبخ نفسه على قدراته المتوسطة، فإن ليام أوديل، الذي نال لتوه درجة في الصحافة من جامعة لينكولن، يسعى لتحقيق هذه القدرات المتوسطة.

أوديل الذي يعاني منذ وقت طويل من صمم خفيف وخلل في الأداء، يؤثر على تنسيق حركاته وإدراكه للفراغ المحيط به، وعلى إدراكه الحسي.

لطالما شعر بالحرج من المواقف الجماعية، فعلى الدوام كان يقضي فسحة الغداء المدرسية في المكتبة، ومحاولاته الخالصة من القلب «ليكون كاملاً اجتماعياً» كانت دوماً تتركز على عدم التميز والاختلاف.

يقول: «كنت أجاهد كي أمثل أني عادي»، فكما أن شيفر تعرف أنه ما من شيء كامل، فإن أوديل يعرف أنه «ما من شيء عادي».

ولكن تجاذب الحديث الاجتماعي كان مرهقاً، فقد كان دوماً يتساءل: «ما نبرة الحديث في هذا الحوار؟ هل من المناسب قول هذا؟» سيل جارف من الأسئلة يبدو هو أسلوب محب الكمال في الكلام.

أوديل (21 عاماً) كان بانتظار صدور نتيجة درجته الجامعية. آماله عريضة، فقد سجل ودوّن في جدول كل درجة نالها خلال عاميه الأخيرين. ومثل نيكول، أوديل «شخص يحب الروتين».

عندما يحصل أوديل على تقدير شرف من الدرجة الثانية العليا أو السفلى كان دوماً ما يتقدم بالتماس مراجعة: «فدوماً أقول لنفسي: كان يمكن أن تكون الدرجة أفضل. أين أخطأت؟ ما الخطأ الذي ارتكبته حتى نقصت؟».

ويستطرد قائلاً: «بدأت أتقبل أن الكمال غير قابل للتحقيق، فقد بذلت أفضل ما عندي. قد لا يكون مجهودي كاملاً، ولكني أعرف أني بمحاولة بذل قصارى جهدي فإني أقترب أقرب ما يكون من الكمال».

ولكن هذه هي الضالة المنشودة في رحلة البحث عن الكمال، وعند سؤاله عن المرحلة التي وصل بها لهذا الاستنتاج يقول: «أظنني لم أصل بعد، صراحة»!

إلا أن البحث عن حلٍّ لحب الكمال يزيد الأمر صعوبةً

وجدت شيفر أن العلاج السلوكي الإدراكي CBT ناجع. تقول إن المثالية «هي أنا، مشكلتي أنا، فأنا التي عليَّ أن أمسك بها، وأصيح: حسناً! يكفي!»

أما شيفر ونيكول على سبيل المثال فهما مطلعان جداً على أمر المثالية، وربما هما مثاليان في مقاربتهما للمثالية، فهما ليسا شخصين يعانيان مشكلة بقدر ما هما شاهدان خبيران. وبحثهما عن حل أمرٌ يزيد من وعيهما بمثاليتهما.

يقول هيويت: «هذا أسلوب موجود عند الكثير من الأشخاص المثاليين».

شهدت شافران استفادة الكثير من مرضاها من علاج CBT، كما يؤمن هيويت بأنه قد يقلل من العناصر الإدراكية لحب الكمال.

ولكنه يرى أنه أقل فائدة في معالجة «مسائل الشخصية المحفورة والمتأصلة، فهناك إشارة إلى وجود عنصر جيني في الأمر».

وينادي هيويت لشكل من «العلاج الدينامي النفسي»، عندما يكون تطور المثالية ناجماً عن تجارب العلاقات».

ويتابع: «لو أردت الوصول إلى لبّ الموضوع، لَقلت إن العمل مع الناس ليكون لديهم رضا عن النفس هو الحل المثالي. فهذا أنا ولن أعيش على هذه الأرض سوى مرة واحدة، ولو أمكنني، سأتقبل نفسي بكل نقاط قوتي وقدراتي ومسؤولياتي، وأن أمضي في حياتي بدلاً من محاولة تقييم ذاتي والانتقاص منها طيلة الوقت… فهذا هو فعلاً ما نركز عليه».

استفاد نيكون من الاستشارة، ويقول: «أقترح مواجهة الأمر بأي طريقة تمكنك، وأن تحاول فهمه، فالهرب لا يجدي».

أما شيفر، وبمساعدة أستاذ خاص، فتعمل على تجربة أسلوب كتابي بديل تسمّيه «تقيؤ الكلمات»؛ حيث تتقيأ كل ما يخطر على بالها على الورقة، فيكون نتاجها عملاً «حقيقياً أكثر».

وبالنسبة لأوديل فقد مُنح مرتبة الشرف الأولى في درجته الجامعية.

يقول «أشعر أن عملي الدؤوب وحبي للكمال قد أتيا بنتائجهما». علم أوديل بنتيجته قبل يومين فقط، لكن سعادته لتوها تعكرها من الآن فكرة مألوفة «فسرعان ما يخالجني الشعور: حسناً، والآن عليَّ التركيز على المهمة التالية. ما هي إلا راحة قصيرة الأمد».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
هل تسمع صوتاً في رأسك ينتقدك دائماً؟ حب الكمال غاية لا تُدرك ولكن البعض لا يرضى بأقل من ذلك