خدعة الاستثمار في الدينار العراقي بدأت بعد تصريحات لترمب وظهور "نبي" تنبأ بارتقاع قيمته لما قبل حرب الخليج
الخميس, 13 ديسمبر 2018

يصلّون يومياً كي ترتفع قيمته وشكَّلوا طائفة لها «نبي».. هل ينقذ الدينار العراقي مؤيدي ترامب من الفقر؟

تدير إحدى مؤيدات ترامب، وتُدعى هايس كوتسيوس، شركة لصيانة حمامات السباحة في ولاية كارولينا الشمالية؛ لكنها وجدت رهاناً جانبيّاً تعتقد أنه ربما يجعلها ثرية بشكل مذهل: إنه الدينار العراقي.

تعدّ هذه العملة، عديمة القيمة تقريباً خارج العراق، لكن كوتسيوس اشترت ملايين الدنانير، في أبريل/نيسان الماضي، إثر مشاهدتها فيديو للرئيس دونالد ترامب في مؤتمر صحافي في 2017.

في الفيديو يقول ترامب بغموضٍ إن كل العملات قريباً «ستكون لديها فرص متكافئة».

في الواقع، كان ترامب يتحدّث عن الخلل في الميزان التجاري بين بلاده والصين.

مؤيدو ترامب فسروا كلامه بأن الدينار سيُعادل الدولار

لكن كوتسيوس، مثلها مثل مؤيدين آخرين لترامب سقطوا في خدعة الاستثمار في الدينار العراقي، التي ظهرت عام 2012 تقريباً.

فسّرت تصريحه غير المتماسك أنه دليل على أنّ الدينار العراقي سيصبح قريباً مساوياً للدولار، أو حتى أعلى قيمةً منه، ما يجعل أي إنسان كان لديه ذكاء كاف ليشتري دنانير مسبقاً مليونيراً.

وفي تصريح لـThe Daily Beast، قالت كوتسيوس «أنا أحب رئيسي، وعندما سمعته كنت منبهرة».

فاشتروا ملايين الدينارات العراقية كاستثمار طويل الأمد

وأضافت كوتسيوس أن عملية الشراء كلّفتها وزوجها ما بين 5 آلاف إلى 10 آلاف دولار، بما في ذلك عمولة الشركة التي باعتهم الدينارات.

كما اشترى اثنان من أبنائها الكبار ملايين الدينارات كذلك.

وتأمل كوتسيوس، مثل المستثمرين الآخرين في خطة الدينار طويلة الأمد، أن يرفع ترامب والحكومةُ العراقية بشكلٍ ما قيمةَ العملة من جديد، بما من شأنه أن يزيد من قيمتها الحالية لتساوي 3-4 دولارات بدلاً من 0.001 من الدولار (1% من السنت).

يحلمون يومياً أن يعود إلى قيمته ما قبل حرب الخليج الأولى

ويزعم المروّجون للدينار منذ عقد تقريباً، أنّ أمراً شبه أسطوري، سيحوّل أيّ إنسان لديه من الإدارك ما يجعله يستثمر بضعة آلاف دولار في شراء الدينار العراقي إلى مليونير.

وقالت كوتسيوس «إن حدَث هذا سيكون أمراً رائعاً، وسأحتفل في منزلي».

يعود تاريخ أحلام الثروة المشاعة عن الدينار إلى سعره وقيمته قبل حرب الخليج (الأولى، 1990-1991)، حين كانت قيمة الدينار تصل إلى 3 دولارات.

لكن العقوبات وسنوات الحرب عصَفَت به لتصل قيمته إلى أقل من 1% من سنت أميركي.

لسوء حظّ المستثمرين الأميركيّين، لا يبدو أن «رفع القيمة» المنتظر طويلاً آت أبداً.

كانت القيمة المنخفضة دوماً هي مصدر التحذيرات التي أطلقها مراقبون، وهي أساس عدة تهم وُجّهت إلى تجّار الدينار الذين اتُّهِموا بتضليل المستثمرين عن الآفاق المستقبلية للعملة العراقية.

لكن هذا لم يُوقِف المستثمرين في الدينار عن شرائه والرهان على «رفع قيمته» المنتظر طويلاً، لكي يصبحوا أغنياء.

ملايين الدولارات تم استثمارها بانتظار القانون

ورغم أنه يصعب معرفة عدد الأميركيين الذين استثمروا في الدينار العراقي، فإن وثائق المحاكم عن الاحتيالات المرتبطة بالدينار تشير عادةً إلى عمليات شراء دينارات بقيمة ملايين الدولارات.

وكذلك يشير أصحاب الدنانير بانتظام إلى حساب ترامب على تويتر وحسابات عدّة للحكومة العراقية، يطلبون فيها معرفة موعد سنّ قوانين «رفع قيمة» الدينار، التي من شأنها إتاحة تدفّق الأموال في جيوبهم.

خدعة الاستثمار في الدينار العراقي بدأت بشائعة عن ترامب نفسه

وتمركزت خدعة الدينار حول ترامب تحديداً منذ عام 2015، إثر شائعات بأنه استثمر شخصياً في الدينار، علماً أنه لا يوجد أي دليل على أنه حقّاً قام بذلك.

وتصاعدت نتائج البحث على الإنترنت المرتبطة بترامب والدينار، وِفقاً لـGoogle Trends، لتظهر نتائج عن مقالات مخادعة تزعم أن ترامب اشترى من الدنانير ما قيمته ملايين الدولارات.

وظهر «نبي» تنبأ بفوز ترامب ورفْع قيمة الدينار!

انجذب مؤيدو ترامب، من أمثال كوتسيوس، إلى فيديوهات تعرض نبوءة كيم كليمينت، وهو «نبي» من جنوب إفريقيا يعتقد أنصاره أنه تنبأ بفوز ترامب في الانتخابات الأميركية.

قبل وفاته عام 2016، أشار كليمينت كذلك إلى رفع قيمة الدينار العراقي.

وقالت كوتسيوس: «كان الأمر مفاده: لقد قال الربّ كلمته، وستعود للدينار العراقي قيمته».

ويمتلئ المحتوى المتعلّقَ بالدينار على تويتر ويوتيوب بمطالبات مؤيدي ترامب للرئيس بفرض «رفع قيمة» الدينار.

فقد كتب أحد مستخدمي تويتر قائلاً «سيد ترامب، أنا حقّاً معجب بك، من فضلك ساعدنا في قضية رفع القيمة هذه».

وطلب آخر من ترامب زيادة قيمة الدينار «لتزويدنا بالوسائل المالية اللازمة لدعم جهودك».

وفي فيديو لإحدى نبوءات كليمينت عن الدينار، شدّد أحد مؤيدي ترامب، في أكتوبر/تشرين الأول، على أن الرئيس يلعب دوراً محورياً في هذه القضية.

وقال في تعليقه: «الرئيس ترامب مفتاح القضية، لم يعتقد أحد أنه سيفوز (لكنه فاز)، وسيحرّك رفع قيمة الدينار العراقي».

وبعد مضيّ 6 سنوات، وُصفت أحلامهم بـ «الغبية»

جاي أديسون، وهو محامٍ يتابع الاحتيالات المالية، راقب لمدة 6 سنوات فشلَ تحقّق آمال المؤمنين بالدينار في رفع قيمته.

وبعد كتابة تدوينة في عام 2012 على Forbes عن أسباب اعتقاده بسوء الاستثمار في الدينار، سمع أديسون من المستثمرين في الدينار الذين ما زالوا مصرين على أن رفع قيمته أمرٌ وشيك الحدوث.

وبعد مضيّ 6 سنوات، لم يحدث هذا بعد.

وقال أديسون، الذي يسمى هذه الضجّة حول الدينار «دراسة في الغباء»، أنّه شخصيّاً التقى مستثمرين في الدينار كانوا لِيصبحوا حاذقين وبارعين في التجارة والأعمال، لكنهم فُتِنوا باحتمالات الثروة العاجلة.

وأضاف أديسون: «كان لديّ عملاء وقعوا ضحّية هذه الخدعة. كانوا حقّاً في منتهى الغباء».

ثم ظهرت طائفة «الديناريين» الإلكترونية

فوِفقاً لأديسون، لا يعني هذا أنّ إعادة رفع قيمة العملة أمر مستحيل تماماً. لكنه يعني أنّ الشركات التي تبيع الدينار تبالغ إلى حد كبير في احتمالات رفع قيمته.

ويضيف أديسون: «يخبرونهم أنّه أمرٌ أكيد، بنسبة 90٪، في حين أنّ احتماليته في الواقع تصل إلى 1 من مائة مليار».

ومثل غيرها من أصحاب الدنانير، وجدت كوتسيوس دعماً في تجمّعات الدينار الإلكترونية.

يجتمع المستثمرون، الذين يسمّون أنفسهم «ديناريّين»، في منتديات تحمل أسماء من قبيل «كشافو الدينار» Dinar Detective، لتحليل الأخبار كافةً المتعلقة بالدينار، ليكتشفوا ما قد تعنيه بالنسبة لدنانيرهم.

يتبادلون صور وفيديوهات الظروف الممتلئة بالدنانير

وفي موقع آخر يدعى Dinar Vets، يجب على مَن يرغبون في الكتابة تأكيد امتلاكهم الدينار من خلال رفع صورة لدنانيرهم، لتأكيد أنهم حقّاً ملتزمون بهذه القضية.

في حين يرفع آخرون فيديو على يوتيوب «يفتحون فيه الظرف الذي يحوي الدينار» unboxing، ويظهرون فيه وهم يفتحون مغلَّفاً مملوءاً بالدنانير.

يأملون أنه سيجعلهم أثرياء. وعلى فيسبوك، هناك بعض المجموعات المختصة بالدعاء بأن تعود للدينار قيمته سريعاً.

شركة عملات أُدينت بالنصب بعدما ربحت 600 مليون دولار

لكن الزوايا الخاصة بالدينار على الإنترنت تعجّ أيضاً بالتلاعب والاحتيال.

ففي أكتوبر/تشرين الأول 2018، أُدِين مالكو إحدى شركات بيع الدينار وتوزيعه في ولاية جورجيا بتهمة الاحتيال، لخداعهم المستثمرين بشأن فرص الدينار في اكتساب قيمة إضافية.

حقّقت الشركة ثروةً تقدَّر بـ600 مليون دولار من بيع الدينار وغيره من العملات، وفق ما نشرته وزارة العدل في ولاية Georgia.

كان مخططهم، وفقاً للادّعاء العام، يشمل رشوة أحد كبار دعاة شراء الدينار، لإخبار أنصاره في غرف الدردشة والمحادثات الجماعية بأن لديه مصادر رفيعة المستوى في الحكومتَين الأميركية والعراقية والمؤسسات المالية الدولية على ثقة بأنّ رفع قيمة الدينار قد صار وشيكاً.

وكان لدى أصحاب الدنانير ما وصفه أحد البائعين المتهمين بأنه ولاءٌ «يشبه العبادة» للأخبار التي يوردها كبار الدعاة إلى الدينار.

لكن وِفقاً للادّعاء العام، فإنّ تلك «المصادر» الحكومية وهميّة تماماً.

ويستمر مستثمرو الدينار في متابعة أخبار العراق لحظة بلحظة

يميل أكثر مستثمري الدينار إخلاصاً إلى الهوس بالتفاصيل الصغيرة للسياسة العراقية، مُقنعين أنفسهم بأنّ تعيين محافظ جديد للبنك المركزي العراقي، أو استحداثَ برنامج معيّن للبِنية التحتية في نينوى هو كلّ ما يعيقهم عن تحقيق ملايين الدولارات من استثماراتهم في الدينار العراقي.

وقد ألقت كوتسيوس بنفسها دون أدنى تفكير، في العالم الإلكتروني للدينار، لتقوم بالتغريد بانتظام عن نظرياتها بشأن رفع قيمته.

وهي تستثمر أيضاً في الدونغ الفيتنامي، أحد منافسي الدينار في انعدام القيمة، فهو أقل منه قيمةً أمام الدولار؛ ولديها مشاعر قويّة تجاه مختلف السياسيين العراقيين.

ويروّجون «لأفيون الأمل» كي لا تكون خسارتهم كارثية

وقالت كوتسيوس: «بالنظر إلى ما يحدث في العراق الآن، فإنّ كل شيء يبعث على الأمل».

وتقضي كوتسيوس أيضاً قدراً من الوقت يوميّاً في غرفة دردشة خاصة بالدينار، يحاول فيها أصحاب الدنانير إقناع بعضهم بعضاً بأنّ استثماراتهم ستؤتي أُكُلَها في نهاية المطاف.

بدلاً من ذلك، تحاول الترويج لـ»أفيون الأمل» hopium، وهو وصف عاميّ في عالم أصحاب الدنانير للتفاؤل بشأن مستقبل العملة.

وقالت كوتسيوس، التي تغرّد أيضاً عن نظرية المؤامرة اليمينية المؤيدة لترامب «الصحوة الكبرى أو QAnon: «بعض الناس يصبحون سلبيّين بعض الشيء. علينا القضاء على هذه السلبية بسرعة؛ وهكذا يدعم بعضنا بعضاً».

وأضافت كوتسيوس أن أسرتها يمكن أن تتحمّل خسارة استثماراتها في الدينار العراقي إذا لم ترتفع قيمته يوماً. لكنّها على قناعة بأنه سيكون باستطاعتها إعادةُ بيع الدنانير واسترداد غالبية استثماراتها على الأقل.

لأن بيع هذه الدنانير من جديد لن يكون كما اشتروها أول مرة

ولكن، في الواقع، تلك الاحتمالات غير واضحة إلى حدٍّ ما. فالكثير من موزّعي الدينار سيعيدون شراء جزء فقط من الدنانير التي باعوها للمستثمرين، وهم يميلون إلى بيعها بأسعار متضخّمة بالفعل.

لكن حتى اللحظة، لا تقوم كوتسيوس بالبيع. وقالت إنها ما زالت ترى إعلانات تعرض إعادة شراء الدينار، لكنها تتجاهلها.

وتضيف: «لن تحصلوا على دنانيري».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
يصلّون يومياً كي ترتفع قيمته وشكَّلوا طائفة لها «نبي».. هل ينقذ الدينار العراقي مؤيدي ترامب من الفقر؟

قصص ذات صلة