في عشق آباد: مدينة الموتى الخاوية والمُبهرَجة في آنٍ واحد
الثلاثاء, 21 أغسطس 2018
العالم

في عشق آباد: مدينة الموتى الخاوية والمُبهرَجة في آنٍ واحد

يقولون عنها كوريا الشمالية الجديدة!

عربي بوست، ترجمة

بينما كنت أتجول في أرجاء مدينة عشق آباد، ترددت في خاطري أغنية «أرض شروق الشمس»، التي تؤديها فرقة فيث نو مور. عشق آباد عاصمة تركمانستان، هي مدينة ذات مناخ جاف وحار، قابعة في وسط الصحراء. كما تحمل الرقم القياسي لأعلى كثافة للمباني المصنوعة من الرخام الأبيض، والتي تعكس الشمس في وجهك مباشرة، وتُعيق رؤيتك. هذا ما كتبه ديفيد فارير لصحيفة الغارديان البريطانية ضمن حديثه عن رحلاته العديدة. 

تركمانستان.. كوريا شمالية جديدة؟

لقد جئت إلى تركمانستان لتصوير مسلسل وثائقي لـشركة Netflix يُسمى Dark Tourist، يدور حول وجهات السفر الاستثنائية. وقادني هذا أيضاً إلى مدينة فوكوشيما في اليابان، لمكان معروف بالسياحة النووية، وهي منطقة تتسم بترابط مجتمعها واعتماد بعضهم على بعض، حيث عُذِّبت في بيت الأشباح السياحي المرعب؛ وإلى مدينة ميديلين في كولومبيا، حيث زرت معالم المدينة مع باباي، القاتل المحترف سابقاً الذي كان يعمل لصالح بابلو إسكوبار.

عندما كنت أُحضِّر للمسلسل، قيل لي إنَّ تركمانستان هي «كوريا الشمالية الجديدة«، وإنَّها من الوجهات التي يرغب أي مسافر جريء في زيارتها. وسمعت أنَّ المملكة المنعزلة التي تحدها كازاخستان وأوزبكستان وإيران وأفغانستان كان لها قائد متغطرس مهووس بذاته يكره الحيوانات، وله سجل شنيع في حقوق الإنسان.

إذا كان لديك كاميرا، يرفض السكان المحليون التحدث عن رئيسهم، وحتى لو لم يكن معك إياها، فهم يقولون فقط أشياء جيدةً عنه بعصبية.

المجال العام مغلق في تركمانستان أمام الصحافة الحرة والصريحة لذا عندما دخلت البلاد في سبتمبر/ يلول 2017، فعلت ذلك تحت ستار مراسل رياضي. كانت تركمانستان قد تفاوضت بطريقة ما لاستضافة دورة الألعاب الآسيوية للصالات والفنون القتالية، وهو حدثٌ أولمبي رسمي شُيَدَّت له قرية أولمبية تبلغ تكلفتها 5 مليارات دولار. وتشمل ملاعب ضخمة، وخط قطارات أحادي القضبان داخل القرية، وساحات رياضية مغلقة ومفتوحة وطرقاً سريعة عملاقة مترامية الأطراف محاطة بالفنادق الجديدة والشقق والمراكز التجارية.

تمتلك تركمانستان رابع أكبر احتياطي للغاز الطبيعي في العالم، وهو ما يفوق الولايات المتحدة، ولكن ثروتها لا تنفق على السكان. فالكثير من السكان خارج العاصمة يعانون الفقر. وكان هناك سببٌ لعدم السماح لنا بمغادرة حدود المدينة؛ وهو ألا نرى هذا الواقع الذي من شأنه أن يُفسد وهْم البلد البراقة.

عالم مظلم تحت المباني الرخامية البيضاء

تجولت في أرجاء عشق آباد، تحجب رؤيتي انعكاسات الضوء الأبيض عن أسطح المباني الرخامية، وشعرت بوحدة رهيبة. كان الرياضيون يتأرجحون في أرجاء المكان، بينما يراقبهم الأمن، لكنها ليست مثل أولمبياد ريو، الذي حضره جمهور كبير. فالأجواء في عشق آباد كانت هادئة للغاية. وفهمت لماذا قيل إنَّ السكان المحليين يطلقون عليها همساً اسم «مدينة الموتى».

كانت صورة الرئيس غوربانغولي بردي محمدوف، التي تُظهره مبتسماً، تطل عليك في الصفحة الأولى من الصحيفة التي تأخذها على متن الطائرة المتجهة للمكان، ومعروضة على الشاشات فوق الساحات الأولمبية، وتظهر باستمرار في المدينة. وتبيع مراكز التسوق ملصقات تحمل صوراً له يُمكن أن تعلقها على حائط غرفة نومك. إذا كان لديك كاميرا، يرفض السكان المحليون التحدث عن رئيسهم، وحتى لو لم يكن معك إياها، فهم يقولون فقط أشياء جيدةً عنه بعصبية. هذه مدينة لا يُسمح فيها بالمعارضة السياسية.

يتغلغل القمع في جميع أوجه الحياة: فاستعداداً لدورة الألعاب، أزال المسؤولون وحدات تكييف الهواء بالقوة من المباني السكنية، قائلين إنَّها واجهة قبيحة

لا يُسمح لمراقبي حقوق الإنسان المستقلين بدخول تركمانستان، لكن منظمة هيومن رايتس ووتش تقول إنَّ التعذيب لا يزال يُمثل «مشكلةً خطيرةً» في سجون هذه البلد. من غير المعروف عدد الأشخاص الذين اُعتقلوا لأسباب سياسية، والمعتقلون ليس لديهم فكرة عن موعد خروجهم؛ فهم ببساطة «مختفون».

يتغلغل القمع في جميع أوجه الحياة: فاستعداداً لدورة الألعاب، أزال المسؤولون وحدات تكييف الهواء بالقوة من المباني السكنية، قائلين إنَّها واجهة قبيحة، تاركين السكان للعيش في ظل درجات حرارة تزيد على 40 درجة مئوية.

مدينة جديدة لكنها لا تعرف كيف تجري الأمور

ومع أخذ كل ذلك في الاعتبار، كنت أشعر بالفضول لرؤية بردي محمدوف بحفل افتتاح  دورة الألعاب الأولمبية. في المرة الأخيرة التي حضر فيها حدثاً رياضياً كبيراً، هوى من على حصانه (وغضت وسائل الإعلام الحكومية طرفها عن الأمر). ولكن قبل أن نرحل إلى الساحة الرياضية، بعد يومٍ حار واستكشافي تحديداً، كنت أتكئ على مرآة غرفتي في الفندق، وارتطمت يدي مباشرة في المرآة.

كانت الدماء تملأ المكان، وتشرحت يداي، ونزلت إلى بهو الفندق. لم يعرف الموظفون المفزوعون ما الذي يجب فعله. بدا أنَّ أحدهم عازم على التأكد من أن أدفع مقدماً نظير أي تنظيف سيحدث بسبب آثار الدم، فضلاً عن دفع ثمن مرآة جديدة.

استطعت أن أرى الشقوق في واجهة الحياة الطبيعية. كانت هذه مدينة جديدة لم تكن تعرف كيفية التعامل مع أي شيء لم يُخطَط له مسبقاً. كان طاقمنا قد شهد ذلك طوال الأسبوع.. كان التنقل في القرية الأولمبية مليئاً بالإحباط وببيروقراطية لا معنى لها. وجَهَنا المرشدون إلى حيث كانوا يريدون الذهاب. كان من غير القانوني ترك حدود المدينة. لم يكن هناك سوى طريقة واحدة لفعل أي شيء.

في النهاية، انتهى بي المطاف في سيارة إسعاف. كانت أشبه بسيارة في موقع تصوي؛ كانت هناك رفوف ومستلزمات طبية، لكن جميعها فارغة. في المستشفى، عبأت استمارات لم أستطع فهمها، وأجرى لي موظفو المستشفى اختبار دم. كانوا ودودين ومهتمين، ولكن يمكنك أن تشعر بأجواء التردد والتشكك في الغرفة. كل شيء كان جديداً.  بعد ساعات من الانتظار مع منشفة مبللة بالدماء ملفوفة حول يدي، نُقِلت إلى مسرح عمليات جديد، ودون سابق إنذار، أخذت جرعة قوية من الكيتامين المخدر.

كدت أموت في مدينة الأرقام القياسية

غادرت جسدي ودخلت صندوقاً متعدد الألوان يعكس كل ألوان قوس قزح في وجهي مرة أخرى. انجرف وعيي في هذا الصندوق. وفكرت: «يجب أن أعود إلى جسدي في بعض الأحيان، وإلا فسأموت». أخذت أفكر في كل ما رأيته بعشق آباد، كل المباني العملاقة التي بدت مبنية بشكل محض لتحوز أرقاماً قياسية عالمية. فلديهم أكبر دولاب هواء مغطى في العالم. ولديهم أكبر نصب لنجمة في العالم.

ربما هذا هو السبب في أنَّ أغاني فرقة فيث نو مور كانت تتردد برأسي طوال الوقت الذي كنت فيه في عشق آباد؛ فشعار الفرقة عبارة عن مربعين متداخلين ليشكلا نجمة، وهي أيضاً جوهر التصميم الرئيسي لهذه المدينة. كانت في كل مكان. فالمطار، وهو جزء من هذا الإنفاق الذي بلغت قيمته 5 مليارات دولار لدورة الألعاب، مصَمَّم على شكل طائر عملاق، وهو رقم قياسي عالمي آخر. سأذهب هناك فقط لرؤية هذا المطار، لأكون صادقاً.

المطار في المدينة، والذي نُفذ بتكلفة ضخمة، مصَمَّم على شكل طائر عملاق

في نهاية المطاف، فقدت الوعي، ثم استيقظت لاحقاً.

في وقتٍ لاحق، خرجت من المستشفى، وذهبت أنا والمخرج المساعد في طريقنا إلى حفل افتتاح دورة الألعاب الآسيوية للصالات والفنون القتالية. وكنت ما زلت أشعر بالدوخة  إلى حد ما بسبب الكيتامين، وترددت في أذهاني كلمات أغنية التسعينات التي تقول: «Prepare for a series of comfortable miracles / From fasting to feasting / And life to you is a dashing, bold adventure / So sing, and rejoice»، والتي تقول: «تأهب  لسلسلة من المعجزات المريحة/ من الصيام إلى الاحتفال بالعيد/ والحياة بالنسبة لك هي مغامرة مفعمة بالحياة وجريئة/ لذا غنّ وافرح».

بدت تلك الكلمات مناسبة للغاية لهذه المدينة التي كانت تحاول بصعوبة إظهار مدى كونها رائعة، بمبانيها الجديدة البراقة وحفل الافتتاح الذي جعل ريو دي جانيرو في وضع محرج. وبينما كنت لا أزال تحت تأثير الكيتامين، شاهدت بردي محمدوف على بُعد بضعة إسطبلات. لقد كان شخصية ضئيلة متواضعة، يحيط به العديد من المسؤولين. وكان يضحك كثيراً بصوتٍ عال. كان هذا وقته للتألق إذا كان هناك من يُتابعه.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
في عشق آباد: مدينة الموتى الخاوية والمُبهرَجة في آنٍ واحد