رغم دعوات المساواة، الفروقات الجينية بين الرجال والنساء أكبر مما نظن

معظمنا على دراية بالاختلافات بين الرجال والنساء. وبعضنا يتسائل هل هي بسيطة أم عميقة؟ هل هي وراثية أم بيئية، أم كلاهما؟

عربي بوست
تم النشر: 2018/08/10 الساعة 15:35 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/08/10 الساعة 15:35 بتوقيت غرينتش

معظمنا على دراية بالاختلافات بين الرجال والنساء. وبعضنا يتسائل هل هي بسيطة أم عميقة؟ هل هي وراثية أم بيئية، أم كلاهما؟

وراثياً، لدى الرجال كروموسومات جنسية X وY، والنساء لديهن اثنان متشابهان من كروموسوم X. نحن نعلم أن الجينات الموجودة على هذه الكروموسومات قد تتصرف بشكل مختلف في الرجال والنساء.

لكن دراسة حديثة تقول إنه بخلاف الجينات المختلفة في X وY، فإن ثلث الجينوم (المشترك) الخاص بنا يتصرف بشكل مختلف تماماً في الرجال والنساء، وهذا يجعل الفروقات الجينية بين الرجال والنساء أكبر بكثير مما نظن.

تفرض هذه النتائج الجديدة تحديات على العلوم والطب، وربما حتى المساواة بين الجنسين، وعلى قضايا مختلفة في المجتمع، والدراسات النفسية، وحتى دراسة الأمراض والعلاج.

الجينوم البشري

لدى الرجال والنساء في الواقع نفس المجموعة المكونة من حوالي 20 ألف جين. الاختلاف الجسدي الوحيد في تكوينها الجيني هو في الكروموسومات الجنسية. الذكور فقط لديهم كروموسوم Y. على الرغم من أن الكروموسوم X موجود في كلا الجنسين، هناك نسختان منه في الإناث وواحدة فقط في الذكور.

تصنع الجينات البروتينات التي تقوم بمجموعة متنوعة من الوظائف. البعض يصنع الألياف في الجلد أو الشعر، وبعضها يجعل العضلات متقلصة، وبعضها يحمل الأكسجين في الدم. الكثير منها عبارة عن إنزيمات تقود التفاعلات الأساسية لتحويل الطعام لطاقة.

يشترك كبدك ودماغك في نفس الجينات، لكنهما يعبران عنها بشكل مختلف. تنشط مجموعة فرعية من الجينات في الكبد، وتنشط مجموعة فرعية مختلفة من الجينات في الدماغ.

يحتوي كروموسوم Y على 27 جيناً فقط، واحد منها هو جين تحديد الجنس وتشكيل الأعضاء الجنسية Y) SRY) ، التي تبدأ من خلال سلسلة من الخلايا في جنين يبلغ من العمر 12 أسبوعاً لتتحول لاحقاً إلى خصية.

حتى وقت قريب، اعتقد الكثيرون أن وجود أو غياب الـSRY فقط هو الذي يميز الرجال والنساء. لكن هذا الاعتقاد لم يعد صحيحاً.

تقترح هذه الورقة الجديدة أننا اعتدنا التقليل من أهمية هامش الفروقات الكبيرة، وأن الفروقات كبيرة بالفعل أكثر مما كنا نظن.

نشاط الجينات لدى الرجال والنساء

في بحثهما الجديد، درس المؤلفان جيرشوني وبيتروكوفسك مدى فاعلية نفس الجينات لدى الرجال والنساء. قاموا بقياس الحمض النووي الناتج عن 18,670 جينة في 53 أنسجة مختلفة (45 شائعة بين الجنسين) في 544 متبرماً بعد الوفاة (357 رجلاً و187 امرأة).

ووجد الباحثون أن حوالي ثلث هذه الجينات (أكثر من 6500) لديهم أنشطة مختلفة تماماً لدى الرجال والنساء. كانت بعض الجينات نشطة في الرجال فقط أو النساء فقط، وكانت العديد من الجينات أكثر نشاطًا في الجنس الواحد أو الآخر.

أظهر عدد قليل من هذه الجينات نشاطاً متحيزاً جنسياً في كل نسيج في الجسم. (وليس في الأعضاء الجنسية فقط) أكثر شيوعاً مما كان يظن، وشوهد الفرق في واحد أو عدد قليل من الأنسجة.

معظم هذه الجينات لم تكن على الكروموسومات الجنسية: فقط عدد قليل من الأشخاص على Y أو X.

كيف يمكن توجيه ثلث جيناتنا بشكل مختلف في الرجال والنساء؟

نحن نفهم الآن أن البروتينات التي تُصنع عن طريق ترجمة الجينات، تعمل على توجيه عمليات حيوية مختلفة بطريقة متباينة بين الرجال والنساء.

فتأثيرات جين SRY المحدد للذكور ببدء سلسلة من العشرات من الجينات التي يتم تشغيلها إما في أجنة ذكور أو تم إيقافها في أجنة الإناث أثناء نمو الخصية أو المبيض، هي أكثر عمقاً بكثير من تقرير الخصية ببساطة. يتم تصنيع هرمونات الذكورة، مثل هرمون التستوستيرون، من قبل الخصية الجنينية ولها تأثيرات بعيدة في جميع أنحاء الجسم النامي. يتحول الاندروجين إلى مئات (ربما الآلاف) من الجينات التي تحدد الأعضاء التناسلية الذكرية، ونمو الذكور والشعر والصوت وعناصر السلوك.

هناك 800 جين مختلف من بين 20 ألف جين بشري بين الرجال والنساء، معظم هذه الجينات ليست على الكروموسومات الجنسية، فهي موجودة في كلا الجنسين ولكن يتم تشغيلها في نطاقات وأوقات مختلفة، أو في أنسجة مختلفة في الذكور والإناث.

وإذا حسبنا ذلك فإن الاختلاف بين الرجال والنساء يعادل نوعاً ما نسبة الاختلاف بين الرجال وذكور الشمبانزي، المقدرة بـ4%!

 

مَن الأقرب وراثياً للرجال، ذكور الشمبانزي أم إناث البشر؟

يدعي بعض الباحثين أن الرجال أكثر ترابطاً وراثياً بشمبانزي الرجال، مقارنة بالنساء. آخرون يخفضون اختلافات الجنس لأنهم يحددهم جين واحد، يدعى SRY، على الكروموسوم Y.

لكن مفتاح الاختلاف بين الرجال والنساء -والشمبانزي- لا يكمن فقط في عدد جيناتهم المختلفة، ولكن فيما تفعله هذه الجينات.

فقد Y معظم جيناتها طوال أكثر من 150 مليون سنة من التطور. ما زال هناك عدد قليل من الجينات لكنها مصابة بأضرار بسبب الطفرات، لذلك لا يمكننا حساب هذه "الجينات الخادعة" غير النشطة. في الواقع، لا يوجد سوى 27 جيناً نشطاً لترميز البروتين في الجزء الخاص بالذكور من Y، على الرغم من وجود العديد منها في نسخ متعددة (معظمها غير نشط).

ولا يمكننا حساب جميع الـ27 كلها أيضاً، لأن 17 منها على الأقل تحتوي على نسخ على الكروموسوم X أيضاً (المشترك مع النساء). تظل معظم هذه الـ17 مخصصة لغرضها الأصلي، مدعومة بنسختها X. وقد تباينت ثلاثة فقط منها للحصول على خصائص خاصة بالذكور، مثل صنع الحيوانات المنوية.

الجينات العشرة الباقية على الإنسان Y ليس لها نسخة على X، وهي خاصة بالذكور؛ لذا يمكن أن تسهم في الاختلافات بين الرجال والنساء. وقد بدأ البعض منها كنسخ من الجينات الموجودة على X، ولكنها تباعدت عن وظيفتها الأصلية واكتسبت أدواراً محددة للذكور. ثلاثة نشأت كنسخ من الجينات على الكروموسومات الأخرى التي كانت مهمة لوظائف الذكور.

لذا فإن إجمالي عدد الجينات التي يمتلكها الرجال وتغيب تماماً عن النساء قد يصل إلى 13 (ولا يزيد عن 27) من إجمالي 20000 جينة بشرية. ومن الواضح أن هذه النسبة لا تعادل الفرق الجيني المفترض بنسبة 4% بين الرجال وذكور الشمبانزي.

لكن الجينات المشتركة تعمل بشكل مختلف، والعديد من الاختلافات الواضحة بين البشر والشمبانزي، مثل الشعر، وربما حتى الكلام، قد تنجم عن تغيرات ضئيلة في واحد أو عدد قليل من الجينات. لذلك نقول قد يكون للاختلافات البسيطة، آثار هائلة على النمو والتنمية.

من السذاجة التظاهر بعدم وجود اختلافات جينية عميقة بين الجنسين. لكننا لن نحسم قضايا مدى الاختلافات البيولوجية بعيدة المدى فقط من خلال عد الاختلافات الجينية. كيف يتم تنظيم هذه الجينات، وآثارها النهائية، هي من صنع الفرق بين الرجال والشمبانزي، أو الرجال والنساء.

تأثير على الميزات المادية مثل الدماغ والعضلات

وظائف الجينات المتحيزة جنسياً لها معنى ما، يؤثر معظمها على الجهاز التناسلي، الذي نعرف أنه مختلف للغاية بين الرجال والنساء. على سبيل المثال، تُظهر الدراسة الجديدة أن الغدد الثديية لديها أعلى تواجد للتعبير الجيني المنحاز للإناث، وأن الخصية لها أعلى تواجد للجينات المتحيزة للذكور.

كانت الجينات الأخرى المتحيزة جنسياً متورطة في الجلد (شعر خاص) والعضلات والأنسجة الدهنية والقلب، والتي يمكن أن تتعلق باختلافات الجنس في شكل الجسم والتمثيل الغذائي.

وتأكيداً على دراسة سابقة، كانت بعض الجينات المتحيزة جنسياً تشارك في وظيفة الدماغ! وأعادت فتح النقاش حول الاختلافات في سلوك الذكور والإناث، والآثار النفسية والعقلية لهذه الاختلافات الجينية.

ثبت أن الرجال والنساء يختلفون من حيث النمو العصبي، والكيمياء العصبية، والقابلية للإصابة بالأمراض العصبية، وخاصة النفسية/العصبية منها، وفتح هذا المجال مجدداً لمناقشة الفروق في المرض والعلاج بين الجنسين

وهناك جمعية علمية متخصصة لدراسة الاختلاف بين الجنسين وآثارها الإكلينيكية ، ويفترض أن تدعم هذه النتائج جهودهم

تأثير على قابلية المرض والعلاج، وعلى المجتمع والثقافة

يمكن لهذه النتائج الجديدة أن تفسر لماذا يكون الرجال والنساء عرضة للإصابة بالأمراض بشكل مختلف، وتشير إلى أن العلاجات يجب أن تستند إلى دراسات من كلا الجنسين.

لقد عرفنا منذ زمن طويل أن العديد من الأمراض أكثر شيوعًا لدى الرجال (مثل الشلل الارتعاشي) أو النساء (مثل الالتهاب الدماغي المعروف بإسم التصلب المتعدد).

أظهرت هذه الدراسة أن بعض الجينات المتحيزة جنسياً كانت مرتبطة بالأمراض. على سبيل المثال ، فإن جينًا متحيزًا للانثى يتورط في توازن القلب والأوعية الدموية وهشاشة العظام ، وجين متحيز للذكور في ارتفاع ضغط الدم.
وأظهرت الدراسة الجديدة أيضا فرقا كبيرا في التعبير عن الجين الذي وجد سابقا أنه مهم لاستقبال الدواء ، وهو ما يمكن أن يفسر لماذا قد يستجيب الرجال والنساء بشكل مختلف تماما.

شئنا أم أبينا ، تظهر الأدلة الآن أن الرجال والنساء يختلفون وراثيا بشكل أكثر عمقا بكثير مما كنا قد أدركناه سابقا.
ماذا تعني هذه الرؤى الجديدة بالنسبة لموقفنا الاجتماعي والثقافي ​​نحو المساواة بين الجنسين؟ يمكن أن تكون النتيجة نداءات للعودة إلى القوالب النمطية الجنسية القديمة، أو يمكن أن. تكون النتيجة هي الاعتراف بالفروق بين الجنسين في الطب والعلاج.


واقرأ أيضاً..

أوروبا تشكو شحّ الرجال.. ونسبة منخفضة للنساء في دول الخليج.. هذه أسباب اختلال "نسبة الجنس"

حلم العودة من الشيخوخة يتحقق.. ممارسة التمارين ترد القلب المسن إلى شبابه

تحميل المزيد