تشرب فيه شايا مغربيا أخضر وتطل على اسبانيا.. أبناء طنجة متخوفون من إغلاق مقهى الحافة التاريخي
الأربعاء, 15 أغسطس 2018
لايف ستايل

تشرب فيه شايا مغربيا أخضر وتطل على اسبانيا.. أبناء طنجة متخوفون من إغلاق مقهى الحافة التاريخي

عبد المومن محو (طنجة) عربي بوست

يوسف ورفيقته زهور لن يستطيعا بعد اليوم الاستمتاع بكأس الشاي الأخضر بالنعناع التي اشتهر بها مقهى الحافة في مدينة طنجة شمال المغرب. يوم السبت 4 أغسطس/آب 2018، قصدا المقهى صباحاً ليجداه مغلقاً بعدما تدخلت السلطات المحلية لهدم جزء بُني حديثاً داخل المقهى.

هذا المقهى البسيط، الذي ورد ذكره أيضاً في روايات عالمية، مضى على إنشائه ما يقارب قرن. ففي سنة 1921، فكّر مواطن مغربي طنجي بسيط -يدعى «بّا محمد»- في أن يحوّل مكاناً خلاء، في مرتفع بحي «مرشان» أحد أقدم أحياء المدينة، إلى مدرجات وحقل صغير شيّد عليه مقهاه، الذي سمي منذ لحظته الأولى «مقهى الحافة».

المكان لم يكن به سوى أشجار ومنعرجات وعرة لا يستطيع أن يمرّ منه أو يزوره أحد، لكن موقعه كان بالفعل متميزاً، يطلّ على نقطة التقاء البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي عبر مضيق جبل طارق، وعلى إسبانيا التي تبعد بـ14 كم تقريباً.

سنة 1921، فكّر مواطن مغربي في أن يحوّل مكاناً خلاء إلى مقهى شهير

لا قرار بإغلاق مقهى الحافة بشكل نهائي

خلال فترة تأسيس مقهى الحافة، كانت مدينة طنجة تعيش وضعاً سياسياً خاصاً سمي «الوضع الدولي»، بعد أن تم احتلال المغرب بتوقيع معاهدة الحماية عام 1912، وقُسّم البلد إلى مناطق نفوذ فرنسية وأخرى إسبانية.

«هناك أماكن قليلة أسطورية جداً مثل الحافة». هكذا وصف الكاتب الإسباني الشاب «بابلو ثيرثال» مقهى «الحافة» الشهير في مدينة طنجة (شمال المغرب)، في كتابه «دفاتر الحافة».

تدخّل السلطات للهدم خلق تخوفاً لدى الكثيرين من إغلاق نهائي لهذا «التراث الوطني»، لكن العربي المصباحي، المحافظ الجهوي للتراث بطنجة، أكد أنه «لم يعقب إجراء الهدم أي قرار بالإغلاق».

فما حدث في الواقع، هو أن «صاحب المقهى قام بإضافات في البناء داخل المقهى، غير قانونية وغير مرخص بها، وغير مسموح بها من وجهة نظر المحافظة على التراث الثقافي»، يوضح العربي المصباحي لـ»عربي بوست»، مضيفاً أن «هذه العملية خلقت نوعاً من التشويه للفضاء، فتدخلت السلطات في إطار المحافظة على التراث، وعلى الطابع الثقافي والجمالي للفضاء».

صُنّف مقهى الحافة في قائمة المعالم التراثية والتاريخية لمدينة طنجة

ما حصل لمقهى الحافة توقّعه الناشطون في مجال حماية تراث طنجة وبيئتها؛ إذ اعتبر عبد العزيز جناتي، رئيس مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة، أن الذي حدث في الحافة «نموذج حي لعملية إتلاف موقع تاريخي بعيداً عن أيّ مراقبة، ودون أخذ رأي الجهات الوصية على التراث والحصول على رخصة لمباشرة أيّ عملية إصلاح أو إضافة».

لهذا يعدّ الأمر «محكّاً حقيقياً لمختلف الجهات المسؤولة عن التراث والمباني التاريخية، من أجل حماية المآثر المقيدة في السجل الوطني»، يقول عبد العزيز جناتي لـ»عربي بوست».

وينصّ القانون المغربي الخاص بالمحافظة على المآثر التاريخية في الفصل السادس منه، على عدم تغيير طبيعة العقار أو المنقول المقيد ولا إتلافه ولا ترميمه ولا إدخال تغيير عليه ما لم يُعلم المالكُ الإدارةَ بذلك قبل التاريخ المقرّر للشّروع في الأعمال بـ6 أشهر على الأقل. 

فضاء بسيط بقيمة تاريخية

قبل عامين من الآن، صُنّف مقهى الحافة في قائمة المعالم التراثية والتاريخية لمدينة طنجة، لكنه أصبح اليوم مسجلاً في قائمة التراث المحمي بموجب قانون كتراث وطني.

فمقهى الحافة، وفق المحافظ الجهوي للتراث بطنجة، «ليس له طابع معماري هندسي معين، ولكن له أولاً قيمته الثقافية باعتبار الأحداث التي شهدها، وعدد الشخصيات الثقافية والسياسية والفنية الكبيرة التي تردّدت عليه منذ بداية القرن الـ20».

المقهى بمثابة نادٍ مفتوح للمثقفين بالمدينة، خاصة في الفترة الدولية

كما أنه بمثابة نادٍ مفتوح للمثقفين بالمدينة، خاصة في الفترة الدولية وما بعد هذه الفترة أيضاً، بالإضافة إلى أنه مقهى شعبي أصيل يتميّز بموقع جغرافي فريد؛ لذلك اكتسب رمزية في الفضاء العمراني لمدينة طنجة وفي مجالها الثقافي والفني، يردف العربي المصباحي، المحافظ الجهوي للتراث بطنجة.

بدوره، يشير عبد العزيز جناتي، رئيس مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية في طنجة، إلى أن «هناك أهمية استثنائية للحافة، ترتبط بموقعه المطلّ على الواجهة المتوسطية، تمكّن الزوار من نظرة بانورامية تقابل الساحل الجنوبي لإسبانيا».

قِبلة المشاهير منذ افتتاحه

لا بد لزائر المدينة، إن كان رساماً أو شاعراً أو روائياً، من أن يسأل عن مقهى الحافة المتفردة في كل شيء، حتى في تاريخها الذي بصمته العديد من الأسماء الشهيرة، بعدما أضحى «قِبلة للمشاهير والأدباء والسّاسة الذين زاروا طنجة منذ افتتاحه سنة 1921″، يوضح رئيس مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية في طنجة، مشدّداً على أن رمزيته تزداد أكثر «بارتباطه بثلّة من المثقفين والمبدعين مثل محمد شكري وبول بولز» (الكاتب الأميركي الراحل الذي اختار الإقامة في طنجة منذ عام 1935 وترجم رواية شكري الخبر الحافي إلى الإنكليزية)، اللذين كانا يقضيان وقتاً كبيراً في التأمل وصناعة السكون بالمقهى.

أضحى المقهى قِبلة للمشاهير الذين زاروا طنجة منذ افتتاحه سنة 1921

كما مرّت فرقة «البيتلز» البريطانية من مقهى الحافة أيضاً، ومغني الروك الأميركي الأسطورة «جيمي هاندريكس»، إضافة إلى المطرب والملحن والشاعر والأديب الأميركي الحائز جائزة نوبل للآداب «بوب ديلان»، الذي خصّ طنجة بأغنية في ألبومه الخامس عشر سنة 1975.

رجال السياسة أيضاً زاروا المقهى البسيط في طنجة، ومن زيارتهم صنعت الحافة سمعتها العالمية. على رأس هؤلاء «وينستون تشرشل»، أشهر رئيس وزراء عرفته بريطانيا عبر تاريخها، ثم الدبلوماسي الغاني «كوفي أنان» (1938)، الذي سبق أن تقلّد منصب الأمين العام للأمم المتحدة، الذي أصرّ في إحدى زياراته لطنجة على أن يزور مقهى الحافة الشعبي، ويجلس على كراسيه المبعثرة دون بروتوكولات عالم السياسيين والدبلوماسيين.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
تشرب فيه شايا مغربيا أخضر وتطل على اسبانيا.. أبناء طنجة متخوفون من إغلاق مقهى الحافة التاريخي