الجمعة, 20 يوليو 2018
لايف ستايل

طبق الملوك من "الحشائش" فقط الجزائريون من يعدّون هذا الطعام دون أن يعرضوك لخطر السموم والأشواك!

(عربي بوست، رياض معزوزي (الجزائر

ما إن تشرق شمس الربيع على قرية سرور التابعة لمنطقة القبائل الصغرى  شرق الجزائر، ويبدأ الأخضر يجتاح المكان بعد بياض الثلوج في الشتاء، حتى تطلق ياسمينة فريد وجاراتها كريمة وزوبيدة، مخطط عمل يجوب الحقول والبساتين بشكل متكرر.

المخطط غير محتكر بالنسبة لياسمينة أم لـ 4 أطفال وصديقاتها، فالحقول والبساتين خلال فترة الربيع بالجزائر خاصةً بالمناطق

الريفية والجبلية، تتحول إلى مزار لآلاف العائلات التي تقصدها بغرض انتقاء بعض الأعشاب التي تتحول إلى أطباق غداء وعشاء.

هذا الأسلوب من الحياة، يعكس نمط المعيشة في هذه المناطق، خاصةً في ظل غلاء المواد الغذائية الأكثر استهلاكاً في الأسواق، وتراجع دخل الفرد بسبب خطة التقشف المنتهجة من قبل الدولة كما أكد الخبير الاقتصادي صالح سليماني.

الكنز الأخضر

بيمناها تحمل فأساً، وبيسراها تحمل كيساً، والوجهة منطقة إيغران عشرة (مصطلح أمازيغي ويعني الحقول العشرة)، ومن ثم يبدأ البحث عن الحشائش الربيعية التي تستهلك طازجة أو بعد الطهي.

وتصف ياسمينة فريد في حديثها لـ»عربي بوست» ما تصل إليه رفقة جاراتها كريمة وزوبيدة من نباتات ربيعية بالكنز الأخضر، قد يغنيهم من لهيب أسعار الخضراوات بمختلف الأسواق.

وتتحدث ياسمينة قائلة «ربيع هذا العام جيد، فالموسم عرف تساقطاً كبيراً لكميات الأمطار والثلوج، وهو ما جعل الحقول والبساتين تخضر بسرعة، وبالتالي الوفرة في الخضراوات البرية كما أسمتها».

وإن كان فرح الفلاحين كبيراً بتساقط هذا العام تضيف ياسمينة «فإننا نحن ربات البيوت نفرح لهذا التساقط، لما يهديه لنا من حشائش تضمن الغداء والعشاء لأيام».

وهناك أنواع من الحشائش يسهل اقتلاعها باستعمال اليد، فيما هناك أنواع أخرى تتطلب استعمال القادوم، أو السكين تضيف المتحدثة.

أكثر من 18 نوعاً

خروج ياسمينة وزميلاتها، كان بهدف جلب أنواع من الحشائش، والتي تكثر بالحقول والبساتين نهاية أبريل/نيسان والمنتصف الأول من مايو/أيار.

يؤكد البروفيسور ناصر جيرار متخصص في علم النباتات لعربي بوست، أن هناك أنواعاً كثيرة من الحشائش التي يستهلكها الجزائريون، أكانت طازجة أو بعد الطهي.

وتختلف حسب جيرار تلك الحشائش باختلاف المناطق والتضاريس وحتى المناخ لكبر مساحة الجزائر، إلا أن أغلب تلك الحشائش المستهلكة تتمركز بالمناطق الشمالية الساحلية منها والداخلية (مناطق الهضاب العليا).

ويؤكد المتحدث «وجود زهاء 18 نوعاً من الأعشاب البرية يتم تحضيرها كأطباق استهلاكية في العديد من المناطق، تضاف لها أنواع أخرى يتم استهلاكها طازجة».

هذه الأنواع يضيف «تنتشر بربوع الوطن، وهناك ما يستهلك في منطقة، ولا يستهلك في منطقة أخرى، لعدم معرفتهم بها».

أربعة أنواع في الصدارة

يطلق على الأعشاب والحشائش التي يستهلكها الجزائريون بعد تحضيرها حسب ياسمينة فريد ب»لحلول» أو «آحلول» باعتبارها تحضر من حشائش غير مصنفة ضمن الخضار الموجودة في الأسواق.

وتوجد بمنطقة القبائل الصغرى بين ولايتي بجاية وسطيف، والتي تعيش فيها يسمينة وعائلتها أربعة أنواع من الحشائش الربيعية التي تحضر كأطباق، وتسمى محلياً «القرنينة» ،»تيغجغجت»، «خرشف لخلا» و»آسكيم».

وهي الأنواع التي يؤكد البروفيسور ناصر جيرار، بأنها الأكثر انتشاراً عبر الوطن، وليس بمنطقة القبائل الصغرى فحسب، تضاف لها حشائش «القرنون البري»، «السبانخ» و»الخبايز».

كما تشير ياسمينة فريد إلى وجود أنواع أخرى مثل «الحلحال»، «تيلفاف»، «الحريشة» ،»بوخريشة»، «البسباس البري»، لكنها في نظر البروفيسور ناصر جيرار أقل شعبية من الأنواع الأربعة الأولى، وهي في الغالب تستهلك طازجة.

القرنينة.. تخطف الأضواء

تعد عشبة «القرنينة» من النباتات الأكثر انتشاراً في المناطق الساحلية والداخلية للجزائر، بذلك كانت الأكثر استهلاكاً من العائلات في الفترة الربيعية، وهي نبتة مسطحة على الأرض ذات أوراق عريضة بنهايات شوكية.

وتؤكد جميلة عقون من منطقة ماوكلان شرق العاصمة، أن القرنينة من النباتات التي تستهلكها مع عائلتها كل ربيع، يتم إحضارها من الحقل، ويتم تنقيتها ونزع النهايات الشوكية بها قبل تقطيعها وغسلها.

وتضيف «يجب علينا بعد غسلها بالماء، وضع القرنينة في قدر لنغليه، وذلك بغرض إزالة الحشرات والجراثيم التي قد تحتويها».

وبعدها هناك طريقتان لتحضير هذا الطبق فإما بجعله خلطة مع بعض الخضار ودهنه بزيت الزيتون، وإما عن طريق القلي بوضع «القرنينة» مع الطماطم والبصل والبيض.

«تيجغجغت».. طبق الملوك

تنتشر نبتة «التيجغجغت» في مناطق متفرقة من الجزائر، وتتمركز أساساً حسب البروفيسور جيرار بمناطق الهضاب العليا والقريبة من المناطق الساحلية، وهي نبتة قصيرة بأوراق صغيرة، وكأنها صورة مصغرة جداً لنبتة السبانخ.

ويعد طبق «تيجغجغت» من الأطباق الربيعية المشهية، إلا أن صعوبة انتقاء النبتة من المساحات الزراعية والحقول، ووجود بعض الحشائش التي تشبهها، يجعله طبقاً يتطلب الصبر والتضحية.

وتؤكد جميلة عقون وكريمة فريد بأنهما «تخرجان رفقة قوافل النساء كل ربيع من أجل إحضار هذه النبتة من الحقول، إلا أنهما تعانيان في إحضار الكمية المطلوبة لأن النبتة قصيرة وإيجادها يتطلب صبراً وجهداً كبيرين».

وتعتبر ياسمينة «أن مائدة العشاء أو الغداء التي تحتوي هذا الطبق في نظرها، هي مائدة ملكية، لأن الطبق شهي ويحمل قيمة غذائية كبيرة كما أخبرها بذلك بعض الأطباء خاصة بالنسبة للمصابين بمرض فقر الدم».

أما عن التحضير فيكون من خلال التنظيف جيداً، ثم الغلي والقلي مع بعض التوابل وكبد الدجاج، وهناك من يمزجه بالبيض تضيف المتحدثة.

«خرشف لخلا».. طبق ومصدر رزق

نبتة «خرشوف لخلا» أو الخرشوف البري، من النباتات المنتشرة بالمناطق الجبلية والهضاب العليا في الجزائر، وتتميز عن الخرشوف المعروف في الخضار كونها نبتة قصيرة وأوراقها بأشواك مكثفة.

سليمان بن سبع شاب في الثلاثينات من عمره وجدناه على حافة الطريق الوطني رقم 75 الذي يربط منطقة الشاوية، بالقبائل الصغرى شرق الجزائر، يبيع في حزم الخرشوف البري.

سليمان يؤكد لعربي بوست بأن «كثرة الطلب على هذه النبتة جعله يقحمها في السوق، رغم الصعوبات الكبيرة التي تعترضه في إيجاد هذه النبتة وتنقيتها من الأشواك الكثيفة التي تحتويها».

يقوم المتحدث ببيع هذه النبتة بقيمة 150 ديناراً جزائرياً (1 دولار) للرزمة الواحدة التي تحتوي من 03 إلى 04 خرشوفات، وتصل عدد الرزم التي يبيعها في اليوم ما بين 15 و20 رزمة.

ويعتبر سليمان ذلك جيداً فهو يعتمد على ما تدره عليه هذه التجارة المؤقتة، في إعالة عائلته المتكونة من 07 أفراد.

أما عن طريقة تحضير هذه العشبة لكي تصبح طبقاً يزين موائد العائلات، فتقول ياسمينة فريد «الخرشوف البري يستعمل في مكان الخرشوف العادي، كمرق، أو من خلال تحضير الكسكسي والعصبان».

آسكيم.. طبق أمازيغي

من الأطباق المستخلصة من النباتات الربيعية بكثرة في منطقة القبائل بالجزائر، طبق «آسكيم»، وهم من نبتة تنتشر في المناطق الجبلية، تكون في البداية عبارة عن براعم لينة قبل تحولها إلى سيقان صلبة شائكة.

سلطانة عزازقة ربة بيت من منطقة تازمالت ببجاية 270 كلم شرق الجزائر، تؤكد أن العائلات هناك يقدسون هذه النبتة، ويستهلكونها بكثرة.

ورغم أن بقاء النبتة على شكل براعم لينة لا يدوم سوى قرابة شهر «أبريل/نيسان من كل سنة، إلا أن العائلات تلجأ إلى إحضارها وادخارها حتى في أجهزة التبريد بعد غليها أو تعريضها إلى البخار.

أما عن الطبق حسب سلطانة التي تحدثت لعربي بوست «فيتم تحضيره بعد تقشير البراعم بالطريقة التي تقشر بها الفاصولياء اللينة، ويتم تقطيعها إلى شرائح قبل استخدامها في المرق أو عن طريق القلي بخلط التوابل وبعض الخضار».

أمازيغ الجزائر تضيف » يعشقون «آسكيم»، ويعتبرونه طبق الأقوياء، لأنه في نظرهم حسب سلطانة يجعلهم يملكون الصلابة كما تتحول تلك البراعم في الطبيعة يوماً».

أرغمهم الوضع.. والحنين

غلاء أسعار الخضر عبر أسواق الجزائر، كان سبباً في لجوء العائلات إلى رحلة البحث على حشائش الربيع لسد حاجياتهم، ومساعدة أرباب البيوت في تسيير منحهم الشهرية.

وفي هذا الشأن تقول ياسمينة فريد «زوجي  يعيل 06 أفراد، ومنحته الشهرية لا تتعدى 27 ألف دينار جزائري (180 دولاراً) كونه حارساً بإحدى المؤسسات التربوية، وهذه المنحة لا تكفي لتوفير كل حاجيات البيت».

نحاول تردف «من خلال هذه الحشائش الربيعية مساعدة عائلاتنا، ولو بالقليل، لأن فصل الربيع قصير وسرعان ما تحول شمس الصيف هذه الحشائش إلى حطام «.

سليمان بن سباع تاجر بعض أنواع الحشائش يؤكد لعربي بوست «وجود عائلات تتوقف بماركات سيارات فارهة، وتقتني رزماً من هذه الحشائش، لأنها كما تقول تحن إلى الأطباق التقليدية الربيعية».

أطباق غنية.. لكن؟

يؤكد البروفيسور ناصر جيرار، بأن مثل هذه الأطباق تكون في الغالب غنية بالقيم الغذائية العالية، لأن الإنسان كلما عاد إلى الطبيعة وجد صحته وعافيته والقيمة الغذائية المفقودة في غيرها.

لكن يحذر في المقابل حسن اختيار تلك النباتات باعتبار وجود مثيلاتها سامة وتضر بالصحة، كما يطالب بتحري التنظيف الجيد لها، كون الفلاح مؤخراً بات يعتمد كما قال «على مبيدات» تكون آثارها عكسية على صحة الإنسان.

محمد قادري آرزقي مهندس دولة في التغذية والتغذي، يؤكد لعربي بوست «بأن الأبحاث تشير إلى وجود فوائد جمة في مثل هذه الأطباق المستحضرة من النباتات الربيعية، كونها تحمل نسبة يخضور عالية وبالتالي بروتينات وفيتامينات مفيدة لجسم الإنسان».

وطالب «بتنظيم حملات التحسيس عن كيفية استعمالها، خاصة التركيز على نقطة النظافة، وانتقاء الأعشاب الصالحة للاستهلاك».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
طبق الملوك من "الحشائش" فقط الجزائريون من يعدّون هذا الطعام دون أن يعرضوك لخطر السموم والأشواك!