الأربعاء, 16 يناير 2019

سر الهروب الكبير من السينما المصرية.. منتجون يوقفون التصوير ولا يردُّون على المخرجِين، لقد اكتشفوا مجالاً منافساً!

عربي بوست  

«المنتج لم يردَّ على اتصالاتي وأنا في أميركا، وعندما توقَّف التصوير وعدت إلى مصر كان قد اختفى!»، إنه مشهد يلخص حقاً حالة الهروب الكبير من السينما المصرية من قِبل المنتجين.

كان المخرج المصري محمد سامي هو بطل الموقف السابق الذي تعرض له خلال تصويره فيلم  «3 شهور» بالولايات المتحدة.

الفيلم من بطولة أحمد السقا ومنى زكي.

وعندما يتعرض عمل من بطولة نجمين كبيرين كـ»السقا» و»زكي»، فإن هذا يدقُّ جرس إنذار يشير إلى أن الحديث عن أزمة السينما المصرية تخطى الهواجس وأصبح حقيقة واقعة.

ويحتاج الأمر بالفعل إلى البحث عن سر الهروب الكبير من السينما المصرية من قِبل المنتجين.

في طريقها للجفاف.. حقيقة الهروب الكبير من السينما المصرية

مؤشرات كثيرة تنذر بأن مصادر تمويل السينما المصرية في طريقها للجفاف، مع تعثر كثير من المنتجين وعرقلة بعض الأعمال بسبب أزمات إنتاجية متنوعة.

هذا الوضع أدى إلى تكرار ظاهرة الهروب الكبير من السينما المصرية.

ويقدم فيلم «3 شهور» نموذجاً واضحاً يشير إلى تطور خطير في أزمة السينما المصرية.

فرغم أنه يضم اسمين لهما ثقلهما في الوسط الفني؛ وهما أحمد السقا ومنى زكي، فإن الفيلم توقف تصويره بعد أيام قليلة من البدء فيه؛ إذ كان من المقرر تصوير مشاهد في مصر وأخرى بأميركا، وهو ما لم يحدث.

ووسط أنباء تقول إن الشركة المنتجة للفيلم لا ترغب في استكماله؛ لارتفاع تكاليفه وبسبب مشاكل إنتاجية أخرى- عاد مخرج الفيلم، محمد سامي، من الولايات المتحدة بخُفّي حنين.

وأعلن المخرج أن الميزانية المتفق عليها لم تصل للولايات المتحدة للشروع في التصوير هناك، وأن المنتج لا يردُّ على اتصالاته واختفى؛ ما دفعه للعودة لمصر.

وبسبب هذا الموقف الذي حدث في يوليو/تموز 2018، قرر أبطال فيلم «3  شهور» أحمد السقا ومنى زكي وخالد الصاوي العودة لمصر من الولايات المتحدة، خاصة أن المنتج إبراهيم إسحاق، مالك شركة «ريماس»لم يرسل باقي مستحقات الشركة الأميركية المنفذة للعمل.

وكان من المقرر أن تتولى الشركة الأجزاء التي ستصور بأميركا مقابل مليون و200 ألف دولار.

إلا أنه بعد وصول فريق العمل إلى هناك تفاجأوا بعدم إرسال الأموال للشركة، واختفاء المنتج، ليقرروا العودة إلى القاهرة بعد رحلة استغرقت أسبوعين.

وبعد تصريحات المخرج التي أثارت اهتماماً واسعاً، أصدرت الشركة المنتجة بياناً ألقت فيه مسؤولية توقُّف التصوير على كاهل شركة إنتاج أميركية.

إذ قال البيان إنه كان قد تم الاتفاق مع الشركة الأميركية على تولي تصوير الفيلم في الولايات المتحدة مقابل 18 مليون جنيه (ما يعادل مليون دولار أميركي).

وحسب البيان، حصلت الشركة على مقدم، ولكنها بعد ذلك ماطلت وطالبت بضعف المبلغ.

وها هي أزمة السينما المصرية تتفاقم

5 أيام فقط تم تصويرها منذ 3 سنوات من فيلم «ضغط عالي» للممثل نضال الشافعي، ثم توقف الفيلم لظروف الإنتاج الصعبة.

ومنذ ذاك الحين، تتردد أنباء عن استئناف تصوير الفيلم، ولكن دون حدوث ذلك  على أرض الواقع، ليصبح أحد ضحايا موجة الهروب الكبير من السينما المصرية التي يبدو أنها مرشحة للتفاقم.

واستبعدت الفنانة هالة فاخر، إحدى الممثلات بالفيلم، استكماله، مؤكدةً تعثُّر منتج الفيلم، الذي أجَّل تصويره إلى أجل غير مسمى.

الأكثر إثارةً للدهشة كان ما حدث لفيلم » الجبابرة»، الذي يقوم ببطولته مجموعة من النجوم الشباب مثل عمر مصطفى متولى، وهَنا الزاهد، ومحمد علي رزق، وآخرين.

فقد توقف استكمال الفيلم بعد تصوير دامَ أكثر من 6 أشهر، وتبقت أيام قليلة تفصل العمل عن الاكتمال ولا يعلم الممثلون مصير الفيلم إلى الآن.

الأزمة حرمت أحمد حلمي من المشاركة في ماراثون العيد

المشكلات الإنتاجية أوقفت فيلم أحمد حلمي"الجان اتهان"/مواقع التواصل الاجتماعي

وتسببت المشاكل الإنتاجية في حرمان أحمد حلمي من المشاركة في ماراثون عيد الأضحى الماضي (صيف 2018).

فقد أدت المشكلات الإنتاجية إلى توقف فيلمه الجديد «الجان اتهان» بعد فترة من التحضيرات.

واضطر حلمي إلى البحث عن سيناريو جديد.

ويكافح كذلك صناع فيلم «عيش حياتك» للفنان سامح حسين حتى يكتمل الفيلم، بعد توقُّفٍ فترة طويلة بسبب الظروف الإنتاجية الصعبة.

وبحسب تقارير صحافية، تم تصوير عدد كبير من المشاهد بمنطقة سانت كاترين، في جنوب سيناء، بتكلفة إنتاجية ضخمة أثَّرت على ميزانية الفيلم وتسببت في توقفه.

وأعلنت المطربة ساندي، إحدى المشاركات في العمل، أن التصوير تم استئنافه، بعد توقفه منذ فترة بسبب بعض المشاكل.

إنها أجواء تُذكِّر بمرحلة ما بعد ثورة 25 يناير

موجة الهروب الكبير من السينما المصرية هذه، تذكِّر المتابعين والمعنيِّين بالعمل السينمائي في مصر بأجواء ما بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011.

وهي الفترة التي شهدت جفافاً وعزوفاً عن إنتاج الأفلام، في ظل عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

وأدت حالات الهروب الكبير من السينما المصرية من قِبل المنتجين إلى التذكير بهذه الأيام، مع اختلاف أسباب الأزمة في الحالتين.

والقادمُ قد يكون أسوأ لهؤلاء الأبطال

«إنهم أبطال»، هكذا وصفت الناقدة الفنية علا الشافعي المنتجين الذين يشاركون في إنتاج أفلام بالظروف الحالية.

وقالت لـ»عربي بوست»، إنه ليس كل المنتجين ينتهجون نهج عائلة السبكي بإنتاج أفلام جيدة، وأخرى تجارية لتعويض التكاليف.

أما المخرج الشاب شريف فتحي، فيرى أن أحوال السينما المصرية في طريقها إلى ما هو أسوأ من فترة ما بعد ثورة يناير/كانون الثاني، حسبما قال لـ»عربي بوست».

وفسر ذلك قائلاً إن السبب هو الظروف الاقتصادية، وارتفاع أسعار تكلفة إنتاج الأفلام إلى أضعاف الثمن بعد تعويم الجنيه أمام الدولار».

وأضاف » كما أن هناك مشكلة ارتفاع أجور الفنانين بشكل مبالغ فيه، قائلاً: «الفيلم الذي كان يتكلف 10 ملايين جنيه أصبح يكلف 25 مليون».

حتى الكبار يشاركون في رحلة الهروب الكبير من السينما المصرية

هناك حالة انسحاب كبرى من مجال الإنتاج السينمائي، حسبما تقول الناقدة علا الشافعي لـ»عربي بوست».

فـ»الشركة العربية» توقفت عن الإنتاج، و»الماسة» تنتج على فترات متباعدة، وأصبح المنتجون المنتظمون في الإنتاج السينمائي يُعَدّون على أصابع اليد الواحدة، وفقاً لتعبيرها.

إذ يبدو أن موجة الهروب الكبير من  السينما المصرية انضم لها حتى كبار المنتجين.

المنتِج الموزِّع أحد أبرز المتهمين.. إنه تعارض للمصالح

ومن مشاكل صناعة السينما، بجانب نقص توافر السيولة لدى المنتجين، مشكلة التوزيع، كما تقول علا الشافعي.

فالمعضلة في مصر أن المنتج أصبح هو الموزع في الوقت ذاته، وهو ما لا يوجد بسينمات العالم كـ»هوليوود» أو «بوليوود» أو أي مكان آخر.

وترى علا الشافعي أن ذلك يخلق تعارض مصالح، فعندما يكون المنتج هو نفسه صاحب دُور العرض فإنه يعطي الأولوية لفيلمه على حساب باقي الأفلام.

لذلك، هناك أفلام «بيتقفل عليها» حسب حد تعبيرها، أي تعاني قلة دُور العرض التي تُعرض فيها، وقِصر مدة عرض الفيلم.

وكان العُرف من قبلُ أن الفيلم يُرفع من دور العرض عندما لا يحقق إيرادات معيَّنة.

ولكن مع ظهور ظاهرة «الموزِّع-المنتِج»، أصبحت هناك أفلام يستمر عرضها رغم فشلها على حساب أخرى، كما تقول الناقدة الفنية؛ لأن الموزع عندما ينتج فيلماً يعطيه الأولوية في العرض على حساب أفلام منافسيه.

ولكن الأخطر أن المنتجين يهرعون إلى مجال منافِس للسينما

كثير من المنتجين هجروا السينما وتوجهوا للدراما التلفزيونية، وفقاً للناقدة علا الشافعي.

ومن أسباب موجة الهروب الكبير من السينما المصرية من قبل المنتجين، هو تكبيل صناعة السينما، عن طريق ضغوط الرقابة على الأعمال الفنية وزيادة الضرائب، حسب قولها.

علاوة على ارتفاع تكاليف تأجير معدات التصوير وارتفاع الأجور، الأمر الذي  نفّر المنتجين من صناعة السينما وأصبح يهددها.

كل هذه العوامل تغذّي المخاوف من توسُّع موجة الهروب الكبير من السينما المصرية من قِبل المنتجين، وتوجههم نحو الدراما التلفزيونية كبديل لاستثمار أموالهم.

من لا منتِج له فالحكومة منتِجه

«اللي ملوش أهل الحكومة أهله»، كلمات شهيرة قالتها الفنانة راقية إبراهيم في فيلم «زينب«، إحدى كلاسكيات السينما المصرية الذي أُنتج عام 1952.

قالتها بأسىً، يبدو اليوم للبعض مبالَغاً فيه أحياناً، ولكنه حُفر في ذاكرة المصرية، وأصبحت هذه العبارة تقال كثيراً على لسان المصريين في الأزمات (أحياناً كنوع من التهكم).

ويبدو أن هذا هو لسان حال العاملين في مجال السينما في مواجهة موجة الهروب الكبير من السينما المصرية التي نشهدها حالياً. 

إذ طالب المهتمون بالحقل الفني بضرورة أن تتخلى الدولة عن سياستها الحالية، التي ترفع بموجبها يدها تماماً عن الإنتاج الفني، والعودة لما كانت عليه من قبل.

وكانت الدولة في مصر تتدخل بالسابق في إنتاج المسلسلات والأفلام عبر  قطاع الإنتاج الفني باتحاد الإذاعة والتلفزيون، إلا أنها توقفت عن ذلك؛ بسبب انحسار ميزانية إنتاج الأعمال الدرامية والسينمائية بالتلفزيون المصري، فلم تعد الحكومة تخصص أموالاً لهذا الغرض.

افعلوا مثل عبد الناصر وأميركا

«الحكومة دوماً تتحدث عن أهمية الفن، ولكن دون دعم صناعته»، حسبما تقول الناقدة علا الشافعي.

وأردفت قائلةً: «عندما أدرك الرئيس الراحل جمال عبدالناصر أهمية الفن، دشن المؤسسة العامة للسينما»، معتبرةً أن مصر في حاجة لمثل هذه المؤسسة حالياً، ولكن بصياغة أخرى.

ووصفت رفع الدولة يدها بالكامل عن إنتاج الأعمال الفنية بـ»الأمر الغريب»، معتبرة أن الدولة تقع في خطأ كبير حينما ترى الفن شيئاً تافهًا، فالولايات المتحدة سيطرت على الثقافة العالمية بسبب السينما.

نقاد يطالبون بدعم الحكومة المصرية للفن والسينما خاصة مثلما كان يحدث في عهد عبد الناصر / مواقع التواصل الاجتماعي

وقالت علا الشافعي: «مصر كانت تقود الثقافة في العالم العربي بسبب الفن، وكانت صناعة السينما تمثل مصدر دخل كبيراً للبلاد».

بدوره، يتفق المخرج الشاب شريف فتحي مع علا الشافعي؛ إذ يرى أنه لا خيار لحل أزمة السينما المصرية ومعالجة موجة الهروب الكبير من السينما المصرية إلا من خلال تدخُّل الدولة».

ويضيف قائلا «يجب على الأقل عودة الإنتاج المشترك بين مبنى الإذاعة والتلفزيون وشركات الإنتاج الأخرى».

وهكذا يبدو أن صناع الفن يتطلعون إلى وقف الهروب الكبير من السينما المصرية عبر تكرار المقولة الشهيرة التي رددتها النجمة راقية إبراهيم قبل 66 عاماً، «اللي ملوش أهل الحكومة أهله».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
سر الهروب الكبير من السينما المصرية.. منتجون يوقفون التصوير ولا يردُّون على المخرجِين، لقد اكتشفوا مجالاً منافساً!

قصص ذات صلة