الأربعاء, 23 يناير 2019

حَوّل موسى من راعٍ إلى مُقاتل، أظهر اليهود بُناةً للأهرامات، وجَسّد الذات الإلهية.. كيف ناقض Gods and Kings التوراة؟

عربي بوست

بعد مشاهدة فيلم Gods and Kings للمخرج البريطاني ريدلي سكوت، ترى أنه أثار بعض الجدل إذ خالف الرواية التوراتية الأصلية حول قصة النبي موسى ، كما أنه أثار مشاعر العديد من المسلمين بسبب تجسيد الذات الإلهية وتشخيص النبي موسى (عليه السلام).

مشاهدة فيلم Gods and Kings توضح الفرق بينه وبين الحقيقة

يحكي الفيلم الذي قام ببطولته كريستيان بيل وجويل إجيرتون قصة استعباد اليهود في مصر طوال 400 عام شيدوا خلالها المدن وصروح مجد الدولة المصرية القديمة.

وذلك حتى خروجهم منها بقيادة النبي موسى، وقد اعتمد كُتاب السيناريو الثلاث ستيف زيلين، وآدم كوبر، وبيل كولاج على التوراة في أغلب أحداث الفيلم.

وخاصة على «سفر الخروج» وهو من أسفار النبي موسى الخمسة التي تتألف منها التوراة، فما هو الفرق بين أحداث الفيلم وما ذُكر في التوراة؟

تنويه: السطور القادمة تتضمن حرقاً لأحداث الفيلم

موسى لم يكن قائداً عسكرياً.. ورمسيس لم يكن الفرعون التوراتيّ

تبدأ أحداث الفيلم خلال عام 1300 قبل الميلاد، إذ يظهر الملك «سيتي» متربعاً على عرشه بمدينة ممفيس المصرية يخطط لمعركة قادش التي سيقودها ابنه رمسيس وبجانبه موسى.

جيش الحيثيين المكون من 16 ألف جندي كان يعسكر خارج مدينة قادش ويحاول أن يعبر الحدود.

وبعد معركة قوية دارت رحاها بين المصريين والحيثيين عاد المصريون بانتصار ساحق إلى أرض الوطن وذلك بعد أن قاتل خلالها موسى ببسالة شديدة وأنقذ رمسيس من موتٍ مُحقق.

وخلافاً لما جاء في أحداث الفيلم لم يكن موسى يوماً قائداً عسكرياً ولم يشارك في معركة قادش، كما أنه لم يكن محارباً جسوراً أو قائداً عسكرياً كما أظهره الفيلم.

وإنما كانت مهنته الأساسية كانت رعي الأغنام، ففي الإصحاح الثالث من سفر الخروج «وَأَمَّا مُوسَى فَكَانَ يَرْعَى الغَنَمَ»، وحتى عندما اصطفاه الله للتحدث مع فرعون قال موسى لله «مَنْ أَنَا حَتَّى أَذْهَبَ إِلَى فِرْعَوْنَ، وَحَتَّى أُخْرِجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ؟».

موسى في معركة قادش

كما طلب موسى من الله أن يختار شخصاً آخر لمهمة إخراج اليهود من مصر، ففي الإصحاح الرابع من سفر الخروج يقول موسى لربه «اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، لَسْتُ أَنَا صَاحِبَ كَلاَمٍ مُنْذُ أَمْسِ وَلاَ أَوَّلِ مِنْ أَمْسِ، وَلاَ مِنْ حِينِ كَلَّمْتَ عَبْدَكَ، بَلْ أَنَا ثَقِيلُ الْفَمِ وَاللِّسَانِ».

وأضاف أيضاً: «اسْتَمِعْ أَيُّهَا السَّيِّدُ، أَرْسِلْ بِيَدِ مَنْ تُرْسِلُ»، وخلافاً لما جاء في الفيلم لم يذكر العهد القديم أن فرعون هو الملك رمسيس الثاني.

موسى لم يخرج من مصر منفياً لكنه خرج بسبب قتل أحد المصريين

وفقاً لأحداث الفيلم فقد ذهب موسى للتحدث مع نائب الملك في مدينة «بايثوم» حول ثورة اليهود العبيد، لكنه اكتشف هناك أنه وُلد عبداً يهودياً هو أيضاً.

وعلم أنه عندما أمر فرعون مصر بقتل جميع أطفال اليهود خافت والدة موسى «يوكابد» على رضيعها ووضعته في سلة ثم ألقت به إلى النهر وطلبت من أخته مريم أن تراقبه حتى أخذته «بيثيا» ابنة فرعون ورُبيّ موسى في القصر مع رمسيس.

ويعرف رمسيس الذي تولى مقاليد الحكم بقصة «يهودية» موسى، وينفيه خارج البلاد ثم يرسل رجاله لقتله، ولكن موسى ينجو ويذهب إلى مضيق تيران عند البحر الأحمر.

وخلافاً لتلك الجزئية من أحداث الفيلم؛ فلم يخرج موسى من مصر منفياً، لكنه خرج بسبب قتله لرجلٍ مصري؛ فقد جاء في الإصحاح الثاني من سفر الخروج:

«وَحَدَثَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمَّا كَبِرَ مُوسَى أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى إِخْوَتِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَثْقَالِهِمْ، فَرَأَى رَجُلاً مِصْرِيّاً يَضْرِبُ رَجُلاً عِبْرَانِيّاً مِنْ إِخْوَتِهِ، فَالْتَفَتَ إِلَى هُنَا وَهُنَاكَ وَرَأَى أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ، فَقَتَلَ الْمِصْرِيَّ وَطَمَرَهُ فِي الرَّمْلِ».

«ثُمَّ خَرَجَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَإِذَا رَجُلاَنِ عِبْرَانِيَّانِ يَتَخَاصَمَانِ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: لِمَاذَا تَضْرِبُ صَاحِبَكَ؟ فَقَالَ: مَنْ جَعَلَكَ رَئِيساً وَقَاضِياً عَلَيْنَا؟ أَمُفْتَكِرٌ أَنْتَ بِقَتْلِي كَمَا قَتَلْتَ الْمِصْرِيَّ؟».

«فَخَافَ مُوسَى وَقَالَ: حَقّاً قَدْ عُرِفَ الأَمْرُ، فَسَمِعَ فِرْعَوْنُ هذَا الأَمْرَ، فَطَلَبَ أَنْ يَقْتُلَ مُوسَى. فَهَرَبَ مُوسَى مِنْ وَجْهِ فِرْعَوْنَ وَسَكَنَ فِي أَرْضِ مِدْيَانَ، وَجَلَسَ عِنْدَ الْبِئْرِ».

 فيلم Gods and Kings

طفل ريدلي سكوت الذي جسّد الذات الإلهية لا وجود له في التوراة

اختار سكوت في فيلمه تصوير وجود الرب بطريقة موثقة تتجاوز كونه صوتاً قادماً من السماء وعليه فقد جاءت صورة الذات الإلهية في الفيلم على هيئة صبي صغير.

وأدى دوره الممثل إسحاق أندروز، ويتعامل من منظور غاضب تجاه آل فرعون والمصريين جرّاء غرورهم ومعاملتهم السيئة لليهود.

والذي تجلى في مشهد من مشاهد الفيلم، إذ يظهر الصبي وهو يصرخ في وجه موسى قائلاً: «بعد 400 عام من استعبادهم الوحشي لليهود أولئك الفراعنة الذين يتصورون أنهم آلهة أبدية ليسوا أكثر من مجرد بشر ولهذا أريد رؤيتهم يتوسلون».

وفي تعليقاته على تجسيد الإله في الفيلم ذكر ريدلي سكوت أن قصة النبي موسى أسطورة تاريخية وليست دينية، مضيفاً أن التوراة افتقدت الكثير من التفاصيل في قصة خروج موسى.

ولذلك كان على الفنانين والمخرجين أن يضعوا تصورهم الخاص وأن يروا الله وفقاً لما يعتقدون.

ولكن قصة لقاء موسى بالله في سفر الخروج لم تكن أبداً على شاكلة الفيلم؛ فقد جاء في الإصحاح الثالث:

«وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ بِلَهِيبِ نَارٍ مِنْ وَسَطِ عُلَّيْقَةٍ. فَنَظَرَ وَإِذَا الْعُلَّيْقَةُ تَتَوَقَّدُ بِالنَّارِ، وَالْعُلَّيْقَةُ لَمْ تَكُنْ تَحْتَرِقُ، ثم نَادَاهُ اللهُ مِنْ وَسَطِ الْعُلَّيْقَةِ وَقَالَ: مُوسَى، مُوسَى!».

«فَقَالَ: هأَنَذَا، فرد الله فَقَالَ: لاَ تَقْتَرِبْ إِلَى ههُنَا. اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ، لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ، أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ فَغَطَّى مُوسَى وَجْهَهُ لأَنَّهُ خَافَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى اللهِ».

«فَقَالَ الرَّبُّ: إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَذَلَّةَ شَعْبِي الَّذِي فِي مِصْرَ وَسَمِعْتُ صُرَاخَهُمْ مِنْ أَجْلِ مُسَخِّرِيهِمْ. إِنِّي عَلِمْتُ أَوْجَاعَهُمْ، فَنَزَلْتُ لأُنْقِذَهُمْ مِنْ أَيْدِي الْمِصْرِيِّينَ».

الخلافات بين موسى والإله كما صورها الفيلم لم تكن حقيقية

على الرغم من تشابك الخطوط العريضة للفيلم مع القصة التوراتية، فإن الفيلم أظهر اللقاء بين موسى وفرعون بشكل مختلف عن الحقيقة.

كما عكست أحداث الفيلم اختلافاً قوياً بين موسى والإله فيما يخص طريقة خروج اليهود من مصر.

ففي الفيلم جاء لقاء موسى مع الفرعون ليعرض عليه أمرين: إما معاملة اليهود بالتساوي مع المصريين أو السماح لهم بالخروج من مصر.

وفور هذا اللقاء يأمر فرعون بقتل موسى، إلا أنه لا ينجح فيقرر قتل العائلات اليهودية حتى يُسلّم موسى نفسه، ثم يذهب موسى للقاء فرعون في المرة الثانية ليهدده بأن الإله سيتدخل في حال عدم الاستجابة لطلبه.

وهنا تَحِلّ على مصر الكثير من اللعنات مثل الضفادع والدم والجراد والقمل الذي ينتشر بشدة ويقضي على الأخضر واليابس.

ثم يصل الخلاف في الفيلم بين موسى والرب -الذي يظهر طفلاً- إلى ذروته؛ ففي الوقت الذي يؤمن فيه موسى بالثورة على الظلم وسَلك المَسار السلمي يصمم الإله على تعذيب فرعون قومه جراء ما فعلوه مع اليهود طوال 400 عام.

وفي اللقاء الأخير بين موسى وفرعون يقول موسى لفرعون إن هناك أمراً على وشك أن يحدث وهو بعيد عن متناولي، أمر سيؤثر في الآلاف من المصريين وسيؤثر في الفرعون شخصياً ليستيقظ الفرعون في صباح اليوم التالي ويجد ابنه الصغير ميتاً هو وجميع أطفال المصريين.

لعنة الإله.. تلوث ماء النيل بالدم

خلافاً لما سبق في أحداث الفيلم؛ وطبقاً للرواية التوراتية لم يتحدث موسى مع فرعون بمفرده ولكنه أخذ معه أخاه هارون.

كما أن موسى لم يكن متحدثاً مفوهاً كما جاء في الفيلم؛ إذ كان لا يعرف ماذا يقول لفرعون، ووفقاً للإصحاح الرابع من سفر الخروج فإن الرب أوصى هارون أخاه بما يجب أن يقوله موسى لفرعون:

«قَالَ الرَّبُّ لِهَارُونَ: اذْهَبْ إِلَى الْبَرِّيَّةِ لاسْتِقْبَالِ مُوسَى فَذَهَبَ وَالْتَقَاهُ فِي جَبَلِ اللهِ وَقَبَّلَهُ، فَأَخْبَرَ مُوسَى هَارُونَ بِجَمِيعِ كَلاَمِ الرَّبِّ الَّذِي أَرْسَلَهُ، وَبِكُلِّ الآيَاتِ الَّتِي أَوْصَاهُ بِهَا، فَتَكَلَّمَ هَارُونُ بِجَمِيعِ الْكَلاَمِ الَّذِي كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى بِهِ، وَصَنَعَ الآيَاتِ أَمَامَ عُيُونِ الشَّعْبِ».

وفي الوقت الذي ظهرت فيه الضفادع والدم والجراد والقٌمل والبعوض في وقت واحد خلال أحداث الفيلم التوراة لم تذكر ذلك.

إذ توالت اللعنات في أوقات مختلفة بالتوالي ولم تحدث جميعها في آن واحد.

وفي كل مرة كان فرعون يَعد موسى بترك اليهود كان ينكث وعده فيرسل الله عذاباً آخر، فطبقاً لما جاء في الإصحاح الثامن من سفر الخروج:

«قالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: قُلْ لِهَارُونَ: مُدَّ يَدَكَ بِعَصَاكَ عَلَى الأَنْهَارِ وَالسَّوَاقِي وَالآجَامِ، وَأَصْعِدِ الضَّفَادِعَ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ».

وبعد أن رأى فرعون الضفادع تقتحم قصره طلب من موسى أن يرفع عذاب الله مقابل أن يُرسل معه اليهود ولكن بعد أن اختفت الضفادع غير فرعون كلامه.

«فَلَمَّا رَأَى فِرْعَوْنُ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ الْفَرَجُ أَغْلَظَ قَلْبَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ لَهُمَا، كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ».

وبخلاف أنه لم يكن هناك في التوراة أي خلاف، أو تباين في الرأي بين موسى والرب، الأمر الذي أظهره الفيلم من خلال محادثات الرب -في هيئة طفل- وموسى الراغب في الثورة السلمية.

وعليه فقد أمر الله بإرسال البعوض إلى مصر «ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: قلْ لِهَارُونَ: مُدَّ عَصَاكَ وَاضْرِبْ تُرَابَ الأَرْضِ لِيَصِيرَ بَعُوضاً فِي جَمِيعِ أَرْضِ مِصْرَ».

وفور أن تأذى فرعون من البعوض وعد أن يسمع كلام الله ولكنه لم يفعل وذلك حتى مات طفله فقرر إخرج اليهود.

صُورت مشاهد منه في مصر خِلسة.. ومُنع من العرض فيها لأسباب تاريخية وليست دينية

في ديسمبر/كانون الأول 2014 أكد جابر عصفور، وزير الثقافة المصري السابق، أن الفيلم يحتوي على الكثير من المغالطات التاريخية.

أهمها أن اليهود هم بناة الأهرامات في مصر، وهو الأمر الذي ليس له أي سند تاريخي أو أثري حتى اليوم.

وأضاف عصفور أن وزارة الثقافة هي التي منعت عرض الفيلم وليس الأزهر الشريف، خاصة أن الفيلم لم يُعرض على هيئة الأزهر من الأساس.

وعلى الرغم من الرفض المصري الصريح للعمل فإن هناك الكثير من المشاهد التي صُورت في محافظة أسوان المصرية.

ووقتها ذكر الدكتور عبدالستار فتحي، مدير الإدارة المركزية للرقابة على المصنفات في مصر، أن طاقم العمل خدع الإدارة واستغل فرصة أزمة السياحة المصرية ودخلوا بحجة تصوير فيلم عن الآثار.

ولهذا لم تطلب الإدارة رؤية سيناريو الفيلم كما هو متبع مع أي فيلم يُصور على أرض مصر.

رغم إثارته للجدل فإنه تصدر شباك التذاكر

بالرغم من الهجوم الشديد الذي تعرض له الفيلم؛ فإنه وبمجرد طرحه في السينمات تربع على عرش شباك التذاكر إذ بلغت إيرادات الفيلم 268 مليون دولار، وقد رُشح الفيلم لجائزة أكاديمية الخيال العلمي، وبلغت درجة تقييمه 6 على موقع IMDB.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
حَوّل موسى من راعٍ إلى مُقاتل، أظهر اليهود بُناةً للأهرامات، وجَسّد الذات الإلهية.. كيف ناقض Gods and Kings التوراة؟