الأربعاء, 23 يناير 2019
فن

راقصات لاهور يبكين على الأطلال.. من الرقص أمام الملوك إلى الرقص لرجال يبحثون عن ممارسة الجنس!

المصدر / iStock
عربي بوست، ترجمات

تتذكر الراقصة كيران تلك الأيام التي كانت تتمايل فيها بكل ثقة في الغرف المزخرفة بالوسائد المخملية الفخمة والسجاد الراقي، عندما كانت تعمل بجوار فرقة من الموسيقيين المُدرَّبين وتلفت انتباه أثرياء باكستان.

أمَّا الآن، فترتحل في صحبة صندوق موسيقي مصمت ومجموعة من الأسطوانات التي تحتوي على موسيقى إلكترونية؛ كي ترقص أمام مجموعات من الرجال الذين يحدقون في جسدها ويرغبون في شيء واحد: الجنس.

 قالت كيران لصحيفة The New York Times، وهي البالغة من العمر 28 عاماً، وقد طلبت عدم ذكر اسمها الأخير، بسبب مخاوف تتعلق بسلامتها: «كان الأمر يتعلق أكثر بالفنون، والرقص، والموسيقى. أمَّا الآن، فبعد أغنية أو أغنيتين، كل ما يفكر فيه جميع الرجال هو السرير».

تُعَد كيران جزءاً من تقليدٍ يوشك على الاندثار، ويتمثل في راقصات لاهور، وهي مهنة كانت مشهورة وتحظى باحترام سابقاً، إذ كان يجري توظيف الراقصات على مرِّ مئات السنين عن طريق بلاط المهراجا للرقص أمام الجمهور من النبلاء والوجهاء.

على مر القرون، كان الاستغلال الجنسي والإساءة من المخاطر التي تتعرض لها الراقصات دائماً، لا سيما هؤلاء اللاتي بدأن الرقص وهُنَّ مراهقات، مثلما حدث مع كيران وهي في الرابعة عشرة من عمرها. فالخط الفاصل بين الرقص الخالص والبغاء العرضي كان ضبابياً دائماً.

لكنَّ الراقصات عوملن في الغالب باحترام، وكان يُنظر إليهن باعتبارهن فنانات موهوبات محبوبات من الجمهور العاشق لهن، إذ وصفت نخبة منتقاة من الجمهور هؤلاء الفتيات بـ «المحظيّات» أو «العشيقات الملكيات»؛ فمكانتهن كانت أقرب إلى مكانة فنانات الغيشا اليابانيات.

بيد أنَّ العقود الأخيرة شهدت بروز الاتجاهات الدينية المحافظة داخل باكستان ما تسبب في دفع هذا النمط من الفنون إلى العمل سراً بدرجة كبيرة.

إذ لم يعد أمام هؤلاء النساء فضاء محدد للرقص، وهو ما تركهن بلا عمل، وأجبر عدداً منهن على التحول إلى البغاء من أجل تدبير أمور المعيشة، وهي نتيجة مريرة لدفع المتشددين هذا الفن نحو الظل، بسبب اعتراضاتهم الأخلاقية.

وتقول الراقصات إن ظروف العمل صارت أخطر وإنَّ الجمهور تغيَّر كذلك، إذ كان الجمهور يتضمن سابقاً رعاة الفن الأثرياء، لكنه الآن يعج بالرجال الذين يتوقعون أن يكون الجنس جزءاً من أداء الرقص، أو يطلبونه.

يُعرف هذا الرقص بـ «النوتش»، وهو فن متطور نشأ في عهد الإمبراطورية المغولية المسلمة، وازدهر في منتصف القرن التاسع عشر. وكانت العائلات الغنية تُرسل بناتها لتعلم الرقص والآداب العامة على يد كبار الفنانات والراقصات والموسيقيين، حسبما يقول مؤرخون.

إذ قالت كاثرين بتلر شوفيلد، وهي مُحاضِرة كبيرة بكلية كينغز في لندن ومؤرخة متخصصة بالموسيقى المغولية الهندية: «لم تكن الراقصات قويات على الصعيد الفني وحسب، بل استطعن الحصول على الثروة والنفوذ السياسي خلف الكواليس، واستطعن الزواج من النخبة».

وعندما بدأ حكم الاستعمار البريطاني في شبه القارة الهندية عام 1858، واجهت الراقصات سخرية من القوى الاستعمارية الأقل ليبراليةً على الصعيد الاجتماعي، لكنَّ هذا التقليد حافظ على استمراره.

وفي ظل العنف الطائفي الذي أدى إلى الانفصال بين الهند وباكستان بعد الاستقلال في عام 1947، فإن عدداً من الراقصات اللاتي كان أغلبهن مسلمات، واللاتي انتشرن في شمال الهند، هربن عبر الحدود المقامة حديثاً إلى لاهور، وهي العاصمة الثقافية لباكستان.

المصدر / iStock

وهناك، حظيَ هذا النمط من الفنون بتجدد ازدهاره

تمتلئ أزقة منطقة هيراماندي الترفيهية -الممتدة داخل الجدران المتهالكة للمدينة القديمة في لاهور- بالراقصات والموسيقيين والأطفال الذين يبيعون للزبائن أكاليل الزهور المخملية برتقالية اللون.

وتغمر الرغبة الزبائن خلال عروض الرقص، فيضعون هذه الأكاليل حول المعصم ليستنشقوا رائحتها بقوةٍ، كي تهدّئ أعصابهم.

وإذا زيَّنوا رقبة راقصة بعدد من هذه الأكاليل، فإنها إشارة إلى أنهم سيكونون زبائن لها. وإذا رغبوا في الجنس، فسيتطلب الأمر غزلاً كثيراً مصحوباً بالهدايا ولفت الانتباه.

تنحدر شاجوفتاه بيجام، التي تعيش في هيراماندي، وتعني «سوق الماس»، من سلالة طويلة من راقصات «النوتش». كانت جدتها ترقص بالبلاط الملكي في باتيالا شمال الهند، قبل أن تفر عائلتها إلى لاهور في أثناء تقسيم الهند.

وصحيحٌ أنَّ بيجام، التي تبلغ من العمر 65 عاماً، تقاعدت، لكنها تتذكر عندما كانت تحظى هي وأمها بمعاملة ملكية.

وتتذكر قائلة: «لم تكن هناك أموال في البغاء، كان الأمر كله يتعلق بالرقص».

كان لبيجام علاقة واحدة استمرت عقدين من الزمان مع أحد الزبائن، بعد أن غازلها شهوراً طويلة، وانتهى بهما الحال ليكون أباً لأبنائها.

كانت بيجام تصب الشاي وهي تجلس فوق سطح منزلها الذي يطل على ساحة مسجد بادشاهي المشهور، ثاني أكبر مساجد باكستان، وتقول: «أفتقد تلك الأيام. كنت امرأة مشغولة وكان الناس يأتون من كل مكان ليروني. والآن أجلس هنا فقط وأنظر إلى المسجد».

كانت منطقة الترفيه تعج بالزوار وتلاصق مسجد بادشاهي، في عهدٍ شهد درجة أكبر من التعايش السلمي والتسامح، عندما كان الإسلام والملذات الدنيوية يختلطان بِيُسرٍ أكبر في باكستان.

غير أنه في ظل ترسيخ باكستان هويتها باعتبارها جمهورية إسلامية، واجهت الراقصات مزيداً من المصاعب والضغوط المجتمعية.

إذ قالت بتلر سكوفيلد: «أسلوب حياة المحظيّات لا يلائم الفهم المعاصر، الأكثر محافظةً والتزاماً، لجمهورية إسلامية على شاكلة باكستان. لقد دُفعت الراقصات إلى العمل سراً، وصار الأمر محظوراً بدرجة أكبر».

يُذكَر أنَّ بيع المشروبات الكحولية مُنِع في باكستان عام 1977، وعندما وصلت شخصيات محافظة دينياً إلى السلطة، مثل الجنرال ضياء الحق في عام 1978، بدأ يُنظر إلى كثير من صور الترفيه على أنها آثام.

وبدأت الشرطة في تقييد ساعات عمل الراقصات، وتغريمهن إذا تلكَّأن في الشوارع. وأُغلِقَت النوافذ المفتوحة التي كانت تعزف الموسيقى الحية في شوارع هيراماندي لجذب الزبائن، وأُسدلت الستائر؛ خوفاً من التغريم.

وقال موسيقيون وراقصات إنه بحلول التسعينيات، عندما حظيت الجماعات الإسلامية بمزيد من النفوذ السياسي والاجتماعي خلال مدة تولي نواز شريف منصب رئيس الوزراء، تشجَّع المتدينون على القدوم إلى هيراماندي لمضايقة النساء.

ولم تكد كيران تبدأ مسيرتها المهنية حتى اشتدت موجة القمع الديني، وهي تربي الآن ابنتها وابنها بصفتها أُمّاً عزباء. وتساعد كذلك إخوتها الثلاثة وزوجاتهم.

تجني كيران نحو 600 دولار من الرقص في الحفلات الخاصة، وتستطيع مضاعفة هذا المبلغ إذا مارست الجنس بعد نهاية الرقص.

كانت كيران ترقص في إحدى حانات هيراماندي. وبعد القمع الديني، أغلقت الحانة أبوابها.

أمَّا الآن، فهي تنتظر في منزلها، مثل كثير من الراقصات، حتى تستقبل مكالمة هاتفية من الرجال الذين يريدون تسلية أصدقائهم.

وقالت كيران: «أفتقد الأيام التي كنت (أعمل) فيها في هيراماندي. كانت حياة ساحرة: الصخب والضجيج بالشوارع، والموسيقى التي تملأ أرجاء كل بناية».

الموسيقيون أيضاً يتقون إلى تلك الأيام الخوالي

إذ قال نورافاد حسين، وهو عازف أورغان يبلغ من العمر 67 عاماً كان يعزف مع الراقصات على مرِّ عقود: «كنا فنانين. الاحترام الذي كان لدينا جاء من الأشخاص الذين استمعوا إلى موسيقانا وأُعجبوا بفننا».

وتعيش أفضل الراقصات اليوم، أو أولئك اللاتي كان لديهن المال أو المعارف لخوض الرحلة، في دبي، إذ يرقصن أمام المغتربين الباكستانيين والهنود -الذين ما زالوا يُقدِّرون هذا النوع من الفنون- هناك.

كان عدد المدارس التي تُعلِّم الرقص الكلاسيكي يبلغ سابقاً 50 مدرسةً في منطقة هيراماندي والمناطق المحيطة بها. أما الآن، لم يعد هناك سوى مدرسة واحدة تقريباً: وهي أكاديمية الرقص الكلاسيكي التي تحمل اسم Classical Dance Academy.

وقال أحد المدربين، واسمه ياسر عباس، إن المدرسة افتُتحت قبل 35 عاماً، وكانت تُدرِّب مئات الراقصات كل عام. ولكن مؤخراً، لم يعد يتجاوز عدد الحاضرات لتلقي الدروس 6 متدربات في بعض الأيام، وأغلبهن قدمن من دبي.

وأضاف عباس: «أغلب طالباتي سافرن إلى دبي، وبعضهن إلى أمريكا. الحكومة تعتبره مبتذلاً، لكنَّه أحد أشكال الفنون، ويجب ألا يساء تفسيره إلى أي شيء آخر».

وكان عباس يراقب الراقصات وهُنَّ يؤدين رقصةً روتينية، ثم قال: «ما زلنا نفعل كل شيء من أجل إبقاء هذا الفن على قيد الحياة، لأنه لن يبقى أي شيء إن اندثر».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
راقصات لاهور يبكين على الأطلال.. من الرقص أمام الملوك إلى الرقص لرجال يبحثون عن ممارسة الجنس!