سر البودرة التي قتلت ساسة وإعلاميين مصريين.. “تراب الماس” الفيلم الذي فاق التوقعات وأعاد الجمهور إلى صالات السينما

عربي بوست
تم النشر: 2018/09/16 الساعة 11:05 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/09/16 الساعة 13:39 بتوقيت غرينتش

بعد طرح الإعلان التشويقي الخاص به بـ24 ساعة فحسب والذي شهد ظهور 14 نجماً في 122 ثانية فقط، حقق إعلان فيلم "تراب الماس" نسبة مشاهدة تخطت حاجز المليون و700 ألف، في أثناء عرضه بالسينمات خلال موسم عيد الأضحى السابق، بداية من يوم 16 أغسطس/آب 2018.

تُقتبس أحداث الفيلم من رواية "تراب الماس" للكاتب الروائي أحمد مراد، مع تنويع وشخصية جديدة لم تظهر في الرواية، والعمل من بطولة آسر ياسين ومنة شلبي وبيومي فؤاد ومحمد ممدوح وعزت العلايلي، ومن إخراج مروان حامد، الذي يتعاون مع الكاتب أحمد مراد للمرة الثانية في تحويل أعماله الروائية لأفلام سينمائية، وذلك بعد تجربة فيلم "الفيل الأزرق".

لكن بين الرواية والفيلم ثمة أحداث سياسية سلطت القصة الضوء عليها، تكشف واقعاً سياسياً في مصر رأى المتابعون أنه أزاح الستار عن الفساد.

ملاحظة.. "تتضمن الفقرات التالية حرقاً لأحداث الفيلم"

البداية.. الشعب بين ثورة العساكر وعزل محمد نجيب والتجانس الطائفي

تبدأ أحداث الفيلم بمقتل حسين الزهار مدرس التاريخ  القعيد، الذي تعرض لصدمة بعد ضياع أمواله في شركة الريان لتوظيف الأموال أدت إلى إصابته بالشلل السفلي، وبعدها تعود الأحداث بفلاش باك إلى عام 1952، حينما انقلب اللواء محمد نجيب والضباط الأحرار على الملكية في مصر واستولوا على الحكم.

ولأن نجيب كان يرغب في تسليم السلطة للشعب وإرساء قواعد الحكم الديمقراطي، عزله مجلس قيادة الثورة من الحكم، واستولى جمال عبد الناصر على السلطة، ومنذ ذلك الحين بدا أن مصر حتى اللحظة تدفع ثمن قرار عزل محمد نجيب وفرض الإقامة الجبرية عليه.

في تلك الحقبة، كان حنفي الزهار، والد حسين، يملك دكاناً للعطارة داخل حارة اليهود، وكان صديقه اليهودي "ليتو" صائغاً في محل للذهب. بعد قيام الثورة وعزل نجيب، تنبأ "ليتو" بأن السلطات سوف تطرد اليهود من مصر، ولكن صديقه "حنفي" طمأنه بأن ذلك لن يحدث؛ لأن اليهود مصريون.. وبعد وفاة حنفي الزهار، عمل "حسين" وهو لا يزال طفلاً في محل "ليتو"،  حيث كان يستخدم بودرة تراب الماس من أجل تلميع الذهب والمجوهرات، وهو ما يبرز التجانس الطائفي في مصر قبل ثورة يوليو/تموز، ووجود اليهود وممارستهم حياة اجتماعية وسياسية وثقافية كجزء من الشعب المصري.

"تراب الماس" بين خيانة اليهودي والمسحوق المميت.. القتل من أجل "الوطن"

تستمر الأحداث، وفور وفاة والده اعتنى اليهودي "ليتو" بـ"حسين" كثيراً؛ إذ كان يستضيفه في منزله، وخلال زيارات حسين منزل "ليتو" وقع في حب ابنته "تونا"؛ وكانت "تونا" تملك قطة صغيرة تحبها كثيراً، وفجأة أُصيبت قطتها بالسعار وكان لا بد من التخلص منها، وعندما عزم والدها على قتلها بكت "توناً" كثيراً، ولأن "ليتو" كان يحب ابنته حباً جماً لم يستطع التخلص من القطة ولكنه لجأ إلى حيلة أخرى؛ أمام أنظار "حسين" أخذ اليهودي عينة صغيرة من تراب الماس ووضعها بطعام القطة، وفي غضون أسابيع ماتت القطة. من هنا، وُلدت فكرة المسحوق الخبيث الذي يسبب الوفاة البطيئة الدامية لكل من يتناوله؛ ومنه استلهم الكاتب اسم الرواية؛ ومن بعدها الفيلم.

تعرضت مصر للعدوان الثلاثي خلال عام 1956 من قبل فرنسا وبريطانيا وإسرائيل. وخلال الحرب، داهمت غارة حارة اليهود، ورأى "حسين" بعينيه "ليتو" وهو يتعاون مع قوات العدو عبر إضاءة نور كشافه الكهربائي للطائرات، بهدف تسهيل تحديد مواقع التكتلات السكاني للطيران الثلاثي.

تأكد "حسين" حينها من خيانة اليهودي، وقرر استخدام تراب الماس من أجل القضاء عليه؛ فقط وضع ذرة صغيرة من التراب داخل كوب الشاي، وبدأ ذلك الغبار السحري بوضع لمساته داخل الجسم، وخلال أسابيع قليلة يقضي عليه دون ترك أية آثار تدل على جريمة قتل، تماماً كما حدث مع القطة.

الأمن يحمي المجرمين

يعود الفيلم إلى الوقت الحاضر مرة أخرى بعد الفلاش باك؛ حيث يظهر شريف مراد -وهي شخصية جديدة على أحداث الرواية من الأساس ولم تظهر في العمل الأصلي المكتوب- الذي أدى دوره إياد نصار؛ إذ ظهر على إحدى الشاشات التلفزيونية وهو يتحدث عبر برنامج سياسي عن أوضاع البلد الحالية؛ ومن وراء الكاميرا كانت تقف منتجة البرنامج "سارة"، التي جسدت شخصيتها منة شلبي.

كانت "سارة" تلقن شريف مراد كلماته التي يبثها للمشاهدين، كانت تقول حينها: "استيقظ محمد نجيب في أحد الأيام وعندما خرج إلى عمله وجد العساكر لا يؤدون له التحية العسكرية.. استغرب كثيراً حتى جاءته تلك الورقة، التي حملت قراراً ينص على عزل نجيب من مجلس قيادة الثورة.. وهنا تساءل المذيع من خلال كلمات سارة؛ أين كانت ستبقى مصر لو كان نجيب أسرع بخطوة واحدة.. خطوة واحدة فقط من مجلس قيادة الثورة ومن جمال عبد الناصر؟".

في الوقت نفسه، كان طه الزهار، نجل حسين الزهار، يقف في الصيدلية حينما هجم عليه بلطجي يدعى "السيرفيس"، الذي قام بدوره محمد ممدوح، طالباً أقراصاً مخدرة، ولأن تلك الأقراص لا تُصرف إلا تحت إشراف الطبيب، رفض طه إعطاءه الأقراص.

وهو ما حدا بالسرفيس إلى ضرب طه الزهار وتكسير واجهة الصيدلية التي يعمل بها، أصرَّ طه على تحرير محضر رغم أن ضابط الشرطة أخبره بأن "السرفيس "سوف يستطيع الخروج من هذه القضية كما خرج من 40 قضية سابقة.

وبمرور الأحداث، سنعلم أن "السرفيس" يعمل مع الكبار ومع وزارة الداخلية ولا يستطيع أحدٌ المساس به، وهو ما يشير بطرف خفي إلى فساد البعض في أجهزة الأمن وحمايتهم للمجرمين.

طه الزهار يستكمل مسيرة والده في القتل.. وفساد الشرطة بين السطور

تعرض طه لصدمة مدوية عندما علم أن والده حسين الزهار كان يقتل الشخصيات الفاسدة في المجتمع؛ فبعد قراءة مذكراته عرف طه أن قتل "ليتو" لم يكن سوى مجرد بداية، وأن والده قرر الانتقام من كل فاسد في المجتمع المصري.

وعبر مذكراته، كتب حسين الزهار: "لقد تحملت تبعات خطايا حكام هذا الوطن.. وشاهدت عبر نافذتي هذا البلد وهو يغرق ببطء.. ولذلك، فتراب الماس هو الفرصة الذهبية لتكفير خطايا أصحاب الضمائر الميتة".

قتَل حسين الزهار؛ الإعلاميَّ الفاسد موسى عطية وحلمي عشوش وسليمان اللورد ومحروس برجاس، وقرر طه قتل "السرفيس" بعد أن تهجم عليه.

أعطاه تراب الماس وبعدها ذهب "السرفيس" إلى الضابط وليد سلطان، الذي جسد دوره ماجد الكدواني، وفور أن ذكر له الأعراض التي يعانيها تأكد وليد سلطان أنها الأعراض نفسها التي تسببت في وفاة محروس برجاس وسليمان اللورد.

فهجم على شقة طه الزهار وقرأ مذكرات والده واطلع على سر تراب الماس، وبعدها طلب من طه أن يقتل هاني برجاس؛ لأنه تسبب في طرده من الخدمة، رفض طه طلب وليد سلطان وقرر قتله في النهاية بعد أن تأكد بأنه السبب في وفاة والده؛ فوليد سلطان -الضابط الفاسد- شريك لسليمان اللورد في تجارة المخدرات.

أحبَّت "سارة"، جارة طه الزهار، شريف مراد المذيع الثوري، الذي طالما جاب ميدان التحرير مطالباً بالحرية، ولكنها عرفت عن طريق الصدفة بفساد أخلاقه وأنه يأتي بفتيات إلى بيته ويقوم بتصويرهن في أثناء ممارسته الجنس معهن.

تعرضت "سارة" لصدمة مدوية فور علمها، وواجهت شريف مراد، وقررت فضحه أمام الجماهير، في حين قرر هو اغتصابها أمام عدسات كاميرته، حاولت "سارة" إبلاغ الشرطة، ولكنها كانت تعلم بِصِلاته السياسية القوية؛ وعليه قررت الاستعانة بطه الزهار، الذي أعطاها عينة من تراب الماس كانت كافية للقضاء عليه.

من دون ترميز: عكَس الفيلم الفساد الذي استشرى بشدة في المجتمع المصري

عكَس فيلم "تراب الماس" الفساد في مصر بكل تجلياته؛ بدءاً من الفساد القضائي متجسداً في شخصية محفوظ برجاس، الذي ألَّف كتاباً سماه "الميزان"، كان يلوي فيه الأسس الدستورية ويدافع عن التعديلات الدستورية التي تقوم بها السلطة السياسية رغم مخالفتها دستور البلاد. "برجاس" كان أقدم نائب في البرلمان؛ دخل منذ نظام عبد الناصر ولم يخرج من المجلس إلا ببودرة تراب الماس.

الفساد الآخر الذي تناولته أحداث الفيلم كان فساد جهاز الشرطة في مصر؛ وعلى الرغم من أن الكثير من الأفلام عالجت قضية فساد الشرطة عبر التعذيب في السجون مثل فيلم "هي فوضى" للمخرج خالد يوسف، فإن المؤلف أحمد مراد تناول الفساد من جانب آخر.

كان المكسب في تلاقي مصالح الجهاز المخول له تطبيق القانون وفرض النظام، مع مصالح رجال الأعمال؛ وليد سلطان ضابط الشرطة كان يودُّ عقد صفقة مع هاني برجاس ابن محروس برجاس وعضو البرلمان المنتظر الذي كان شاذ جنسياً، حتى يطلق سراح كريم الذي كان في السجن وحبيب هاني برجاس في الوقت ذاته.

وعندما شعر "برجاس" الابن بتهديد ضابط الشرطة له، قرر أن يلفق له تهمة رشوة جنسية وعزله من الخدمة.. انتهى أمر وليد سلطان أيضاً بالغبار السحري لتراب الماس.

فساد الإعلام الذي جسده شريف مراد مثَّل تعثراً واضحاً لمسار ثورة يناير/كانون الثاني 2011؛ فشريف مراد الذي كان ثورياً يغتصب "سارة"، التي لم تجسد سوى البقية الباقية من الراغبين في الإصلاح، بشرى صيرة التي جسدت دورها شيرين رضا تناولت شخصيتها فساد المجتمع المدني وعالم الجمعيات الخيرية الذي لم يكن سوى غطاء لعملياتها القذرة في جلب الشباب إلى هاني برجاس والفتيات الصغيرات لرجال الأعمال الآخرين.

تراب الماس.. هل سيقضي هذا الغبار على الفساد في مصر؟

لا يمكن بأي حال من الأحوال، التعامل مع منظومة فساد مكتملة الأركان والعناصر بحفنة من تراب ماسي؛ من ناحية لأن اللجوء إلى القتل والجريمة من أجل القضاء على الفاسدين ليس حلاً؛ أبطال العمل اختاروا الطريق السهل..

ذرة من التراب بداخل مشروب الشخص الفاسد وانتهى الأمر، كما أن القتل بتراب الماس استُخدم لأغراض شتى؛ بين حسين الزهار الذي قتل لأجل الوطن، وطه الزهار الذي قتل خوفاً من الفتك به على يد "السرفيس" مرة وعلى يد وليد سلطان المرة الثانية.

أما "سارة"، فقد قتلت انتقاماً لنفسها، بالطبع لا يمكن التعامل بتلك الكيفية مع مشكلات المجتمع المتجذرة، وعلى الرغم من أن الفيلم لم يقدم حلولاً بديلة، فإن مسيرة الفساد ما زالت تتقدم؛ هاني برجاس دخل البرلمان، وبشرى صيرة ما زالت تمارس نشاطها، وعليه فقد عكست الأحداث بشكل غير مباشر عدم جدوى حل الغبار السحري، الذي يسلك بالبشر مسلكاً متوحشاً، إجرامياً ولم يكن هو الحل لعطب المنظومة في المجتمع المصري.

 

علامات:
تحميل المزيد