حفله الأخير بالسعودية أبكى الحضور.. بعد 25 سنة من أدائه الأسطوري في الأكروبوليس، “ياني” يعود بقوة في أميركا

عربي بوست
تم النشر: 2018/05/23 الساعة 11:52 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/05/23 الساعة 11:52 بتوقيت غرينتش

في عطلة نهاية الأسبوع الثاني من مايو/أيار 2018، عاد الشارب إلى موقعه الصحيح، ليأخذ مكانه مع شعره الطويل المعتاد المنسدل على كتفيه؛ والذي بدأ يتساقط بعدما تعدى عمره الـ63 عاماً.

ياني، الأسطورة اليونانية-الأميركية للموسيقى السيمفونية، قال إنه فكّر كثيراً في الحفاظ على مظهر وجهه المميز، خاصة بعد أن عاد الشارب الذي واظب على حلقه منذ بضع سنوات. كان شاربه غائباً عن غلاف ألبومه "Sensuous Chill" الذي صدر سنة 2016.

حافظ ياني على لون شعره البني الداكن، الذي ظهر به قبل 25 عاماً من الآن، وتحديداً في 25 سبتمبر/أيلول عام 1993، وذلك عندما راهن بوضع كل مدخراته في تنظيم حفل لموسيقاه بالأكروبوليس في أثينا، مدعوماً بأوركسترا كاملة، نُقل عرض الحفل حينها على الهواء مباشرة بشكل مثير.

خلال السنوات التي تلت العرض، رُوِّج لفيلم العرض على نطاق واسع من قِبل شركة "بابليك برودكاستنغ سيرفيس PBS"، بشكل قد يراه البعض مبالغاً فيه.

مثّل هذا العرض نقطة انفراج بالنسبة له؛ لأنه أسهم في تحقيق مبيعات بلغت 7 ملايين نسخة من إصدار الألبوم.

وبعد 25 سنة من ذلك حفل أكروبوليس التاريخي، يجول ياني أميركا من جديد لمدة 3 أشهر، حتى تاريخ 5 أغسطس/آب 2018. (يمكن الاطلاع على مواعيد الحفلات عبر هذا الرابط)، علماً أنه سيزور 3 مدن كندية هي تورونتو ومونتريال ووندسور.

"بالَغوا في عزف مقطوعتي".. وتمنى لو صرخ: كفى

ويوم السبت 12 مايو/أيار 2018، أعاد ياني عشاقه سنوات إلى الوراء، على مسرح مركز "مان" لعرض الفنون في ولاية فيلادلفيا.

قال ياني لصحيفة New York Times: "لقد بالَغوا في العزف، وشعرت بهذا" (في إشارة إلى حفل أكروبوليس). ثم قلَّد ما قد يصيح به في فروع "بابليك برودكاستنغ سيرفيس" المعجبة به: "توقَّفوا عن عرضها!".

يحب ياني أن يستدعي ذكريات ذلك العرض. ويحق له ذلك؛ فهو أفضل عرض قدمه في حياته.

أكروبوليس لن تتكرر، ولكنه نقل الجمهور إلى هناك ساعتين ونصف

قبل أن يصعد على خشبة المسرح في مركز "مان" للفنون، الذي كانت جوانبه مفتوحة لتستقبل ليلة باردة وممطرة، عكس ليالي أثينا- أقر ياني بأنه "لا مجال لإعادة عرض أكروبوليس، وكل ما يمكن فعله هو مساعدة الجمهور على الشعور بالقدر الذي شعرنا به، ونقلهم إلى ذلك المكان".

انغمس ياني في عزف ألحان وأنغام عذبة المسمع بعيداً عن طابع الأكروبوليس الدرامي، الذي طغى على مقطوعات من ألبومه "If I Could Tell You"، ونغمات البان فلوت المستوحاة من مختلف الثقافات والتي كانت محور ألبومه "العرقية".

كما تعاون مع نجوم الأوبرا، على غرار بلاثيدو دومينغو ورينيه فليمنج، كما فعل عند تسجيله ألبوم "الإلهام".

ظلت قاعدة المعجبين الشغوفين بموسيقاه وفيَّة له رغم انقطاعه وابتعاده عن الساحة الفنية سنوات في نهاية القرن الماضي؛ بسبب الإرهاق والاكتئاب. ولكن مشاركته في عرض واحد فقط بقاعة راديو سيتي للموسيقى، خلال جولته الأخيرة، مقابل 10 عروض مكتظة بالحضور في القاعة نفسها سنة 1998، تحمل العديد من الدلالات.

تضمَّن العرض، الذي قدمه يوم السبت في فيلادلفيا، أداء قوياً لمقطوعات من ألبومه "بالأكروبوليس" وغيره من الإصدارات، حيث استمر ساعتين ونصف الساعة دون توقُّف. هذه المرة، لم يتضمن العرض فرقة أوركسترا؛ بل مجرد فرقة مساندة قدمت أداء منفرداً في غاية البراعة والتميز، بأنغام الكمان وقرع الطبول المتسارع، كما لو كانت محاولة منهم للتغطية على غياب الطابع القوي لـ"الأكروبوليس".

"لا تعنيني السياسة.. على الرغم من أنها ذات صلة بموسيقاي"

كانت مقطوعة ياني الموسيقية التي عُزفت بآلات النفخ النحاسية تبدو كأنها ملائمة تماماً لتكون موسيقى افتتاحية لأحد البرامج الرياضية التلفازية. وقد أضفى التغيير المفاجئ والمراوحة بين ألحان البيانو الهادئة والنقر المتسارع نوعاً من المزاجية التي عادة ما تُميِّز موسيقى الأفلام، إلا أن هذا الفيلم غير موجود في الواقع. وقد تمكن العرض من خلق أجواء تغمرها الأحاسيس دون استخدام الكلمات، وإنما بمجرد همسات تُشعرك بـ"الحزن" تارة أو بـ"السعادة" تارة أخرى في أغنية بعنوان "standing in motion".

 

صعد ياني إلى خشبة المسرح مجدداً ليتحدث إلى الحضور عبر موسيقاه ومعزوفاته، كما فعل قبل 25 سنة خلت، عن رائد فضاء ينظر إلى كوكب الأرض من الفضاء الخارجي ولا يرى أياً من الحدود التي يصر على وضعها لأنفسهم. وبالفعل، كان ياني كذلك، فقد وصف نفسه، في المقابلة، بالشخص غير السياسي، قائلاً: "لا تعنيني السياسة الآن ولا تهمني، على الرغم من أنها ذات صلة بموسيقاي".

رغم أن ألحان ياني لا تتناسب مع الموسيقى التجارية المعاصرة، فإنه تمكَّن بفنه من أن ينتزع اعتراف العالم بتميز فنه، وذلك من خلال الحفلات في أماكن تاريخية ومميزة، جعلته أحياناً الفنان الوحيد الذي أحيى حفلاً بذلك المكان، كـ"الأكروبوليس".

ومن الأماكن التي عزف بها، تاج محل في الهند والمدينة المحظورة بالصين، وفي برج خليفة بالإمارات والكرملين في روسيا. اعتلى أيضاً مسرح بعلبك في لبنان وقرطاج بتونس وعزف أمام أهرام مصر.

حفله الأخير في السعودية أبكى النساء

كانت تجربته الأخيرة في المملكة العربية السعودية، بدعوة من الحكومة، الحدث الوحيد الذي شارك فيه في إطار المستجدات التي طرأت على الساحة السياسية بالآونة الأخيرة، سواء في الكواليس أو مع حضور الجمهور.

وفي هذا الإطار، أفاد ياني بأنه لم توضع قيود على أنشطة النساء، الموسيقيين أو الحضور على حد السواء، أو حتى لباسهن.

من على خشبة المسرح، قال ياني إن "هذا البلد اتخذ خطوات نحو -على ما أعتقد- المسار الصحيح"، مردداً الرسالة التي جاء بها ولي العهد، محمد بن سلمان، في جولته الأميركية الأخيرة.

 

جاذبية ياني، بقميصه الأبيض وبنطاله وحذائه وابتسامته، بالإضافة إلى قفزه في أرجاء المسرح بين الحين والآخر، دفعت الجمهور السعودي الحاضر إلى استشعار الموسيقى وما تحمله معها من مشاعر، كما كتبت New York Times.

تميَّز ياني بأسلوبه الفريد، حيث كان يدفع بفرقته الموسيقية، على محمل الدعابة، إلى تقديم معزوفات منفردة مراراً وتكراراً، تتراوح أنغامها بين السرعة والبطء، كقائد للسيرك، إلا أنه لم يكن يوجه تعليمات إلى جمهوره.

كان العرض من بين مظاهر التغير السياسي في البلاد، إذ أن الأداء الفكاهي الذي تطلب مهارة في العزف على الآلات الموسيقية والذي قدم من قبل وجه بشوش، بالإضافة إلى ملامح التغيير التي بدأت تظهر على المجتمعات الشرق أوسطية، تضفي طابعا من التطور والرقي، ما يجعله عرضا ترفيهيا وتحت السيطرة.

قامت مجموعة من الجمهور بدفع بضع مئات الدولارات الإضافية للاصطفاف وراء الكواليس، للقاء المؤلف الموسيقي ياني. فقد بكت في حضرته النساء، حتى أن إحدهن بكت أمام أطفالها، بينما قالت أخرى إنها إذا ماتت غداً، فإنها ستموت سعيدة. وقبل الحفل الموسيقي، قائل ياني: "عندما أحبني جمهوري، كان حبه لي صادقاً".

تحميل المزيد