كَتب أول تفسير للقرآن الكريم باللغة التركية بأمر من أتاتورك، لكنه رفض نشره وطلب «حرقه»
السبت, 15 ديسمبر 2018

كتب أول تفسيرٍ للقرآن بالتركية، ثم طلب حرقه.. محمد عاكف أرصوي: الإسلامي الذي كسب ثقة أتاتورك

عربي بوست

في العام 1925، أصدر البرلمان التركي قراراً بكتابة أول تفسير للقرآن الكريم باللغة التركية، وتوكيل رئاسة الشؤون الدينية بالمهمة.

جاء القرار على خلفية «ثورة الحرف» التي قادها الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، والتي استبدلت الأحرف العربية التي كانت تُكتب بها اللغة التركية بالأحرف اللاتينية.

رئاسة الشؤون الدينية أحالت مهمة ترجمة القرآن إلى الشاعر محمد عاكف أرصوي – مؤلف النشيد الوطني التركي -، على اعتباره أفضل من يمكنه القيام بهذه المهمة.

وقد رفض أرصوي المهمة في البداية، لكن أقاربه وأصدقاءه تمكنوا من إقناعه في نهاية المطاف.

من مصر بدأ أرصوي كتابة أول تفسير للقرآن الكريم باللغة التركية

توجه الأديب التركي إلى مصر، وبدأ بالترجمة في شهر أكتوبر/تشرين الأول 1925. وأنهى الشكل الأول للترجمة في العام 1928.

عملية تنقيح ومراجعة النص استمرت نحو 4 سنوات، لتنتهي الترجمة بشكل كامل في العام 1932.

وفي ظل صعود الروح القومية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، بدأت بعض التيارات في تركيا بالدعوة للصلاة وقراءة القرآن والعبادة باللغة التركية.

بعد أن أنهى الترجمة رفض تسليمها!

خلال الفترة التي كتب فيها أرصوي تفسير القرآن، ترأس الزعيم التركي أتاتورك أكثر من حركة تجديد، حاول من خلالها قطع الصلة بالماضي العثماني وإنشاء دولة حديثة على النمط الغربي.

بدأت هذه الحركات بمنع ارتداء الطربوش الذي كان جزءاً مهماً من ثقافة الزي العثماني، وبالتالي الثقافة الإسلامية.

ولم يكن منع ارتداء الطربوش الخطوة الوحيدة نحو «علمنة» الجمهورية التركية، فقد تم فرض العديد من القوانين التي تهدف إلى فصل الدين عن سياسة الدولة، تمثلت في منع التعليم في المراكز الصوفية «الزوايا».

وفي 1 نوفمبر/تشرين الثاني 1928 تم إقرار قانون استبدال الحرف العربي الذي كانت تُكتب به اللغة العثمانية بالأحرف اللاتينية، وترتب على ذلك فرض الأذان باللغة التركية إلى جانب العربية في 18 يوليو/تموز 1932.

وهنا بدأت بعض الفصائل التركية بالدعوة إلى منع استخدام اللغة العربية في جميع العبادات، حتى في الصلاة والدعاء.

وخوفاً من أن يصلي الأتراك فعلاً باللغة التركية، تراجع أرصوي عن اتفاقه مع رئاسة الشؤون الدينية ورفض تسليم ترجمته للقرآن. ما دفعهم إلى إسناد هذه المهمة لأديب آخر يُدعى إسماعيل حقي.

«لن أتجرأ على المثول أمام الله»

وبعد رفض أرصوي نشر ترجمة القرآن إلى التركية، نُقل عنه قوله، «الترجمة كانت جيدة جداً، بل إنها كانت أجمل مما كنت أنتظر. لكني أخشى إن سلَّمتها أن يُقرِئوها للناس في الصلاة، فإني حينها لن أتجرأ على المثول أمام الله والنظر إلى وجه نبينا».

وقبل أن يعود أرصوي من مصر إلى إسطنبول، ذهب إلى صديقه محمد إحسان أفندي وسلَّمه الترجمة ونسخةً أخرى منها. وقبل أن يرحل، قال الأديب التركي لصديقه «إن عدت إلى مصر فسننهي هذه الترجمة معاً، وإن لم أعد فاحرقها».

احتفظ إحسان أفندي بالكتابين لعدة سنوات. وفي العام 1961، دعا ابنه أكمل الدين إحسان أوغلو وأوصاه بحرق الكتابين وهو على فراش الموت.

تجدر الإشارة إلى أن أكمل الدين إحسان أوغلو، هو ذاته الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الإسلامي، والذي خاض انتخابات الرئاسة التركية ضد رجب طيب أردوغان في العام 2014.

وصيّة أرصوي لم تُنفّذ.. والنسخة لم تحرق!

بعد مرور 25 عاماً، ظهرت نسخةٌ أخرى لترجمة أرصوي للقرآن الكريم، احتفظ بها مصطفى رويون تلميذ الشيخ إحسان أفندي، حيث قال إنه لم ينشر النسخة من قبلُ، لأن الظروف لم تكن مناسبة حينها.

وفي العام 2017، تسلّم رئيس جامعة ابن خلدون د. رجب شن ترك، هذه النسخة من يحيى بن مصطفى رويون، وقام بطباعة ونشر الترجمة بالتعاون مع «دار محيي للنشر».

وتضم النسخة التي تم نشرها ترجمة القرآن الكريم من سورة الفاتحة وحتى سورة التوبة، أي ما يعادل ثلث القرآن.

أرصوي كان متأثراً بحركات التجديد العربية

يُعرف محمد عاطف أرصوي في تُركيا بكونه مؤلف النشيد الوطني، لكنه في الحقيقة كان واحداً من أهم الشخصيات الأدبية والدينية ومن أهم العلماء في تاريخ تركيا الحديث.

وهو من أبرز الشخصيات التي عبرت عن تأثرها بفكر جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وكان يؤيد الاقتداء بالغرب في التكنولوجيا والتطور فقط، أما في القيم والأخلاق والاعتقاد فلم يكن يرى طريقاً يمكن اتباعه سوى الإسلام.

ألَّف أول كتاب له «صفحات» في العام 1911، والثاني «على منبر السليمانية» في العام 1912، والثالث «أصوات الحق»، والرابع «على منبر الفاتح» في العام 1913. وبعد 4 سنوات، ألَّف كتابه الخامس «ذكريات».

وفي مؤلفاته ركز كثيراً على فكرة إيقاظ الأمة الإسلامية وتوعيتها تجاه الأراضي التي فقدتها الدولة العثمانية وتوحيد الصفوف.

وألقى العديد من الخطب والمحاضرات في جوامع إسطنبول الكبيرة، لدعم هذه الفكرة.

ويحكى أنه كان يبكي كل يوم منذ أن بدأت حرب غاليبولي الشهيرة – آخر انتصارات الدولة العثمانية – في مدينة جنق قلعة غرب تركيا، حيث كانت خسارة هذه المعركة تعني القضاء على الدولة العثمانية.

حتى إنه لما تلقى خبر النصر راح يبكي ويدعو الله أن يمد عمره حتى ينقل هذا الخبر العظيم للأجيال القادمة. فكتب شعراً عن المعركة تناقلته الأجيال بالفعل.

رجل سياسة ومؤلف النشيد الوطني

دُعي أرصوي إلى أنقرة عقب افتتاح البرلمان التركي، فذهب إليها في 24 أبريل/نيسان 1920 رفقة ابنه أمين.

وبعد وصوله بأقل من شهرين، عُين نائباً في البرلمان بطلب من مصطفى كمال أتاتورك شخصياً في 5 يونيو/حزيران 1920.

بعد ذلك، انتقل للعمل في محافظة كاستامونو شمال تركيا، وفي تلك الفترة أُطلقت مسابقة «النشيد الوطني»، فعارض أرصوي فكرة أن تكون هناك جائزة مادية للفائز بهذه المسابقة، وشارك فيها بشرط عدم تسلُّم أي جائزة في حال فوزه.

كتب أرصوي النشيد الوطني للجمهورية التركية خلال 10 أيام، انعزل فيها عن العالم بالكامل، ثم نشره بجريدة «سبيل الرشاد» في 17 فبراير/شباط 1921.

وتم اختيار شِعر أرصوي ليكون نشيداً وطنياً رسمياً للجمهورية التركية في 1 مارس/آذار 1921 من قِبل البرلمان، وخلال جلسة مطولة حضرها مصطفى كمال أتاتورك.

يُذكر أن أرصوي وُلد في العام 1873 بحي الفاتح في إسطنبول لأب ألباني وأم تركية، ونشأ في عائلة وبيئة محافظة جداً، حيث يعد حي الفاتح من أكثر الأحياء المحافظة في إسطنبول. وكان لذلك دور كبير في تكوين شخصية أرصوي.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
كتب أول تفسيرٍ للقرآن بالتركية، ثم طلب حرقه.. محمد عاكف أرصوي: الإسلامي الذي كسب ثقة أتاتورك

قصص ذات صلة