واحة الجغبوب مصرية أم ليبية؟.. قصة التسوية التاريخية التي غيرت مصير هذه الأرض المقدسة
السبت, 15 ديسمبر 2018

واحة الجغبوب مصرية أم ليبية؟.. تعرف على التاريخ الشائك لهذه الأرض الصحراوية الغنية بالبحيرات

عبد العزيز الوصلي (ليبيا) عربي بوست

«لقد سرقها الإيطاليون والبريطانيون وأعطوا هذه الأرض الغنية بالنفط إلى ليبيا»، بهذه الكلمات تتعالى أصوات مثقفين ومحامين مصريين، مطالبين باستعادة واحة الجغبوب الليبية باعتبارها أرضاً مصرية مسلوبة.. فهل واحة الجغبوب مصرية أم ليبية؟

في مقابل هذه المطالبات، فإن الليبيين يؤكدون على أن الجغبوب ليبية بل هي تحتل مكانة خاصة في تاريخ ليبيا باعتبارها معقل السنوسيين مؤسسي ليبيا الحديثة ومثوى السنوسي الكبير مؤسس الطريقة السنوسية وكذلك مسقط رأس  أول وآخر ملوك ليبيا السيد إدريس السنوسي.

فما هي حكاية هذه الواحة التي تفرق بين الأشقاء في مصر وليبيا، وما أهميتها الجغرافية والتاريخية التي جعلتها نقطة صراع في المنطقة خلال فترات حساسة بالقرن العشرين، وهل واحة الجغبوب مصرية أم ليبية؟

بحيرات في قلب الصحراء.. يبدو أنها ليست مجرد واحة

تقع «واحة الجغبوب» في منطقة حدودية بين مصر وليبيا جعلت لها أهمية استراتيجية على مر التاريخ، فهي تقع على الغرب من واحة سيوة في الداخل المصري، وتبعد عن مدينة طبرق التي تتبعها إدارياً، نحو 286 كميلومتراً في الجهة الجنوبية الشرقية، في منخفض مساحته تقدر بنحو 56 كيلومتراً مربعاً.

وبلدة الجغبوب يسكنها قرابة 3000 نسمة من مختلف القبائل الليبية.

وتتميز الواحة بمؤهلات سياحية كبيرة رغم عدم الاهتمام بها من السلطات الليبية، حيث بها بحيرات رائعة تتوسط رمال الصحراء التي يطلقون عليها «الحطية»، وتضفي عليها طابعاً جميلاً، تزيده أشجار النخيل الباسقة جمالاً.

وتتسم هذه البحيرات التي تقع في قلب الصحراء بأنها عميقة وكبيرة ومن أهمها بحيرة الملفا.

كما أن للواحة أهمية تاريخية نظراً لأنها كانت من أهم مراكز الحركة السنوسية التي قاومت الاستعمار في المنطقة برمتها وليس الاستعمار الإيطالي في ليبيا فقط.

كما أن الجغبوب هي مسقط رأس أول حاكم لليبيا بعد الاستقلال الملك «إدريس السنوسي».

عبد الناصر قال إنها مصرية ولا نملك الدليل.. والسادات دمر قاعدتها العسكرية

أثيرت مسألة مصرية الواحة مراراً، من بينها مرات قليلة طرح الأمر بشكل رسمي.

إذ ينسب للرئيس المصري جمال عبد الناصر قوله إنه الجغبوب مصرية ولكن ليس لدى الحكومة المصرية أصل الاتفاقية التي تثبت ذلك.

وكان الرئيس الراحل أنور السادات مشغولاً بهذا الملف بشدة، حسبما تقول خبيرة الحدود الدولية المصرية المستشارة هايدى فاروق عبدالحميد.

وفى عام 1977 قام السادات بتدمير القاعدة العسكرية الليبية فى الجغبوب خلال المواجهات العسكرية التي وقعت بين مصر وليبيا، وهدّد باستعادة كامل الواحة،، وفقاً لما تقول هايدي.

لكن وساطة من الرئيسين الجزائري هواري بومدين والفلسطيني ياسر عرفات، حالت دون ذلك، فضلاً أيضاً عن عدم توافر أصل اتفاقية 1925 لـ«السادات».

وتؤكد المستشارة المصرية أنها سعت إلى إثبات حقوق مصر في واحة منذ عام 2004 بتكليف من القيادة السياسية فى عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك،  وبالفعل تمكنت من الحصول على وثائق نادرة تثبت أحقية مصر فى ميناء بردية وجزء من واحة الجغبوب.

وأهم هذه الوثائق أصل اتفاق عام 1925 الذي رسم حدود البلدين بشكل نهائي، والذي اختفى من الأرشيف المصري تماماً في ظروف غامضة بعد قيام ثورة يوليو 1952، حسب قولها.

وتقول «هايدى عبد الحميد» إنها تمكنت من الحصول على عدد آخر من الوثائق النادرة من داخل وخارج مصر، تؤكد أن هناك أجزاء أخرى ذهبت إلى ليبيا.

وتنفي الخبيرة المصرية الزعم المتواتر القائل بأن مصر قد تنازلت عن كامل واحة «الجغبوب» بموجب اتفاق تم بين كل من بريطانيا وإيطاليا.

وتقول إن الوثائق التي توصّلت إليها تكشف، ولأول مرة بالدليل القاطع، أن خط الحدود الغربي لمصر قد اتُفق عليه، بشكل نهائي مؤرخ في السادس من ديسمبر عام 1925 بين مصر وإيطاليا، وهو الاتفاق الذي يقضي بمرور خط الحدود داخل تلك الواحة (وليس شرقها)، بعد أن تنازلت مصر لليبيا التي كانت تحتلها إيطاليا عن القسم الغربى منها، نظير تنازل ليبيا لمصر عن «بئر الرملة»، المعروف الآن بميناء بردية، وممر أرضي يكفي لإيصال «الرملة» بشمال «السلوم».

وهذه الأرض تحديداً هي التي كانت وراء موافقة مصر على التنازل عن جزء غير يسير من واحة الجغبوب.

وتقول إنه مع ذلك فإن الأرض التي من المفترض أن مصر تسلمتها من ليبيا شمال بئر الرملة نظير تنازلها عما يساوي نحو ثلثي مساحة الجغبوب الغنية بالبترول، قد أُخذت من مصر وضُمت إلى الشمال الليبي.

 وتزعم الخبيرة المصرية أن دولاً غربية دعمت الوضع القائم تحت ضغوط شركات النفط العملاقة التي حصلت من الجانب الليبي على مناطق امتياز هناك.

والآن هاهم محامون مصريون يثيرون القضية مرة أخرى

ومنذ ديسمبر/كانون الأول 2017، تقدم محام مصري يدعى علي أيوب بدعوى قضائية يقول فيها بعدم تبعية الواحة لليبيا، وأنها جزء من الأراضي المصرية، وطلب من المحكمة إلزام وزارة الخارجية بتقديم عدة مستندات تؤكد مصرية الواحة.

وتجاهلت السلطات المصرية القضية برمتها، رافضة الرد على ما أثير بشأنها أو التعقيب عليها.

كما قررت محكمة القضاء الإداري مؤخراً تأجيل نظر القضية لجلسة 20 ديسمبر/كانون الأول 2018 للرد والاطلاع على المستندات، التي طلبها مقيم الدعوى والتعقيب عليها بعد ذلك.

ولكن كيف يرد الليبيون على المطالبات المصرية بالواحة؟

في مكتبة بيته العتيق وسط أزقة واحة الجغبوب التي تشكل نقطة خضراء في بحر من الرمال، يسرد محمد الشارف الباحث التاريخي الذي ولد في عام استقلال ليبيا 1951 حكاية الواحة التي شب وترعرع فيها وعكف على جمع تاريخها لسنوات.

يقول الشارف لـ»عربي بوست» إن هذه المطالبات ليست بالأمر الجديد، مرجعاً سبب الخلاف الذي يراه عارضاً إلى ما أسماه «ورقة تستخدمها المعارضة المصرية ضد الحكومات المتعاقبة لتحقيق مكاسب سياسية بعينها»، حسب قوله.

واستذكر حرب الجارتين مصر وليبيا في عهد الرئيس الليبي معمر القذافي ونظيره المصري أنور السادات سنة 1977 والتي أعقبتها مطالبة مصر بأراض ليبية لينتهي الأمر بطي الملف.

ولكن لماذا أمر القذافي بهدم أهم معالمها؟

الواحة تأسست بها الجامعة السنوسية على يد مؤسس الحركة السنوسية محمد بن علي السنوسي في عام 1851 م لتصبح مركزاً دينياً، حسبما يقول الشارف.

وتشكلت في الجامعة النواة الأولى لحركة الجهاد الليبي ضد الغزو الإيطالي حيث درس بها كبار المجاهدين على رأسهم أحمد الشريف السنوسي وعمر المختار وغيرهم كثيرون».

ولكن هذه الجامعة هدمت بأمر القذافي سنة 1984 وأتلفت مكتبتها ونُهب منها ما يزيد عن 1000 مخطوط منها، يبلغ عمر بعضها مئات السنين في محاولة لطمس تراث السنوسيين الذي أطاح القذافي بحكمهم.

إنه مجرد كلام جرائد

الباحث التاريخي محمد الشارف المختص في تاريخ الصحراء الليبية وواحاتها يعتبر المطالبات مجرد»مجرد كلام جرائد».

ويؤكد أن واحة الجغبوب التي يسكنها وعائلته (التي تلقت تعليمها على الطريقة السنوسية) ليبية ولا جدال في الأمر منذ أن كانت خاضعة للسيطرة الإيطالية كباقي أراضي الدولة الليبية.

وهو يشدد على انتماء الواحة لليبيا رغم ما طالها من تهميش في عهد القذافي في محاولة لطمس تاريخ الحركة السنوسية من خلال تدمير 19 قبراً أيضاً بينها ضريح مؤسس الحركة «السنوسي الكبير» وسرقة جثمانه.

وهذا هو أصل حكاية الجغبوب من وجهة نظر ليبية

يقول الشارف «هذه المطالبات أساسها أقاويل أن الجغبوب أعطيت لليبيا بسبب اتفاقية بين الملك فاروق والملك إدريس قبل استقلال ليبيا من منطلق أن بها جثمان جده مؤسس الحركة السنوسية «محمد بن علي السنوسي» وأن مجلس النواب المصري لم يعتمد هذه الاتفاقية.

إلا أنه يقول إن البحث التاريخي يكشف كيف احتلت القوات الإيطالية الواحة عام 1926 كونها مقراً للحركة السنوسية الإصلاحية الجهادية التي قادت حركة المقاومة ضد المستعمر الإيطالي.

وقد انسحب الإيطاليون في ديسمبر 1925م من واحة سيوة المصرية مقابل كف مصر عن مطالبتها بالجغبوب فيما عرف باتفاقية «نجريتو – زيور»،  التي صادق عليها البرلمان المصري عام 1932م وصدر بمناسبتها مرسوم ملكي بقانون يحمل رقم 34 لسنة 1932م موقعاً من الملك فؤاد، حسب قوله.

طريقة التحنيط القديمة في الجغبوب.. هل تثبت علاقتها بالفراعنة؟

يبحث البعض في التاريخ القديم لتحديد ما إذا كانت واحة الجغبوب مصرية أم ليبية؟

وفي معرض رده على الرواية المصرية بأن الجغبوب تضم أثاراً لمقابر مصرية، يقول الباحث الشارف «إن تاريخ هذه المقابر يرجع إلى مئتي سنة قبل الميلاد أي في العهد البطلمي.

وأشار إلى أن واحة الجغبوب لم تكن معروفة قبل هذا التاريخ، واصفاً إياها بالحديثة مقارنة بالواحات المعروفة تاريخياً مثل واحة سيوة في مصر، وواحتي غدامس وجالو في الصحراء الليبية.

الشارف يرى أن مقابر «فريدغا» التاريخية بالحغبوب تختلف تماماً عن نظيراتها في مصر من حيث طريقة التحنيط «التي أثبت الخبراء أنها ليبية، وتتوافق مع ما عثر عليه في مقابر أخرى بالجنوب الليبي وفي جبال أكاكوس الليبية».

وقال لـ»عربي بوست» إن الفراعنة لم يكونوا يغطون الرأس أثناء التحنيط، في حين يغطي الليبيون كامل الجثة، وكذلك اتجاه لف الكفن من اليسار إلى اليمين عند الفراعنة، في حين نجده من اليمين إلى اليسار عند قدامى الليبيين.

أما المواد المستخدمة فهي تتشابه في استخدام أوراق الزيتون والعسل، حسب قوله.

أما بالنسبة لـ»الخيش» المستخدم عند الحضارتين، فيرى الشارف أنه لم يكن صناعة محلية لا في مصر ولا في ليبيا، بل كان يأتي من الصين وهو يمثل المراحل الأولى لصناعة القماش هناك.

ولكن الباحث الليبي لا يهمل فرضية تأثر سكان الواحة بالحضارات المجاورة لهم بما فيها المصرية.

واحة الجغبوب مصرية أم ليبية؟.. إليك ما قاله أشهر مؤرخي مصر المعاصرة عنها

يبدو أن واحة الجغبوب تسببت في أزمة كبيرة في تاريخ مصر، وفقاً لما يروي الدكتور يونان لبيب رزق الذي يوصف بأنه مؤرخ مصر المعاصرة«.

ففي مقال مطول بصحيفة الأهرام عام 2000 بشأن هل واحة الجغبوب مصرية أم ليبية؟، يكشف رزق بداية أزمة الجغبوب، عندما حاولت إيطاليا بعد غزوها لليبيا عام ‏1914‏ مساومة الخديوي عباس حاكم مصر آنذاك على شراء سكة حديد مريوط‏ التي كان يمتلكها للسيطرة على الواحة التي كانت تابعة لمصر في ذلك الوقت، وأنها أبدت استعدادها لدفع ثمن باهظ لقاء ذلك.

لكن الصحف المصرية اهتمت بالموضوع وأظهرت أن الخديوي لا يملك إلا القضبان والقاطرات،‏ أما الأرض التي تسير عليها فهي ملك الحكومة‏، ووضعت الصحف الخديوي في موقف حرج فأقلع نهائياً عن فكرة البيع‏.‏

ولكن لماذا كانت إيطاليا متلهفة إلى هذا الحد لضم هذه الأرض المقدسة للسنوسين؟

كان سبب سعي إيطاليا لضم الجغبوب هو أنه بعد إنهاء السيطرة العثمانية على ليبيا عام ‏1912، فشلت إيطاليا في السيطرة على الداخل الليبي‏ بسبب المقاومة التي كان يقودها السنوسيون، حسبما يقول رزق.

وكان يُعتقد أن عدداً كبيراً من السنوسيين يعيشون ما وراء الحدود المصرية وكانت إيطاليا تشك في أن هؤلاء لا بد لهم من الذهاب إلى واحة الجغبوب التي هي مكان مقدس يتلقون فيه الدروس الدينية.

وقدر الإيطاليون عدد البنادق التي يتم تهريبها إلي جغبوب بأكثر من ثلاثة آلاف شهرياً‏،‏ وقد تذرعوا بهذه الأسباب السياسية والعسكرية بالإضافة إلى كون جغبوب تقع على طريق القوافل التجارية‏.‏

وبعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، تضمنت المادة الثالثة من اتفاقية لندن المبرمة عام ‏1915‏ والتي وافقت إيطاليا بمقتضاها علي دخول الحرب في صفوف الحلفاء‏ أنه بعد الانتصار على دول الوسط‏‏ يكون لإيطاليا الحق في تعديل حدود مستعمراتها في برقة (شرق ليبيا).

وكان مفهوماً أن يتم ذلك على حساب جارتها الشرقية‏ أي مصر‏ التي كانت مستعمرة بريطانية آنذاك.‏

الاتفاقية وقعت بينما كانت مصر وليبيا مستعمرتين لا حول لهما ولا قوة

وفي عام 1920، وقع ما يعرف باتفاق ملنر‏-‏شالويا بين إيطاليا وبريطانيا والذي تضمن أن تكون نقطة بداية الحد الشمالي من حدود مصر‏-‏ برقة غرب السلوم بمسافة عشرة كيلومترات واعتبار المنطقة التي يحتويها خط الحدود مناسبة تماماً طالما دخلت جغبوب ضمن الأراضي الإيطالية.

وحسب رزق يبدو أن ما يهم البريطانيين في ذلك الوقت كان السيطرة على هضبة السلوم لأهمية ميناء السلوم الاستراتيجية وحصانته الشديدة.

ولكن الاتفاقية لم توضع موضع التنفيذ.

وبعد قيام ثورة 1919 وحصول مصر عام 1922 على استقلال جزئي، ضغطت إيطاليا بقيادة موسيليني على بريطانيا ومصر لنقل ملكية الواحة حسب الاتفاقية.

وقد حاولت الحكومات المصرية المتعاقبة التملص من الاتفاقية ومراوغة الضغوط الإيطالية، بينما لوحت بريطانيا بعدم توفير الحماية لمصر في مواجهة أي عمل عسكري إيطالي يستهدف الواحة، رغم أن الاتفاقية التي منحت مصر الاستقلال الجزئي كانت تلزم لندن بحماية مصر ضد أي اعتداء خارجي.

عندما لوحت بريطانيا بترك مصر وحدها في مواجهة إيطاليا

وجهت دار المندوب السامي‏ البريطاني وبناء على تعليمات الخارجية البريطانية‏،‏ ما يشبه الإنذار لرئيس وزراء مصر أحمد زيور باشا عام 1925 لإنهاء مسألة الجغبوب بأسرع ما يمكن‏ في ظل ضغوط الزعيم الإيطالي الفاشي موسيليني.

وكان مفاد هذا الإنذار أنه من الأفضل أن يتم ذلك برضاء الحكومة المصرية بدلاً من أن يسويها الإيطاليون دون أن تتمكن بريطانيا من تقديم أي عون لمصر‏!.

وأصبحت الحكومة المصرية بين مطرقة الضغوط البريطانية الإيطالية وسندان الرأي العام المصري الرافض لنقل ملكية الواحة لإيطاليا، وتذرعت الحكومة بضرورة انتظار انتخابات البرلمان.

والحكومة تكلف «نمر السياسة المصرية» بالتفاوض

بعد أن فاز حزب الوفد المعارض بأغلبية البرلمان تم حل البرلمان، الأمر الذي أضعف هذه الحكومة التي كانت حكومة أقلية موالية للملك فؤاد.

فقرر رئيس الوزراء زيور باشا تكليف وزير الداخلية إسماعيل صدقي بالتفاوض مع الإيطاليين لما يعرف عنه من مكر حتى أنه كان يوصف بنمر السياسة المصرية.

وتقدم السياسي المحنك‏،‏ بعد أن وجد أنه لا مفر من الموافقة على اتفاق ملنر‏-‏شالويا‏، بمجموعة من الطلبات‏ للإيطاليين.

‏منها زحزحة الخط الذي قبلته بريطانيا سبعة كيلومترات إلى الغرب‏ وأن تكون الأماكن المخصصة لإقامة الشعائر الدينية حرماً مصوناً لا يدخلها الإيطاليون بأية صورة‏،‏ وأن يكون للمسلمين من مصر أو طرابلس الحرية التامة في الرواح والغدو للمقام الموجود في الواحة‏،‏ حجاجاً أو تجارا‏ً.

‏وأخيراً ضمان سلامة الحدود المصرية من الغارات التي يمكن أن يشنها البدو الموجودون في جغبوب‏.‏

ولم يقبل الجانب الإيطالي بالمطلب الأول، ولكن قبل بالمطلبين الآخرين‏، وهو ما رضخ له زيور باشا تحت الضغوط البريطانية‏، على العكس من صدقي الذي رفض أن يضع توقيعه على الاتفاق بهذا الشكل‏.

ولم يوقع عليها أي برلمان مصري

في صباح يوم الأحد ‏6‏ ديسمبر/كانون الأول ‏1925‏ وقع زيور باشا الاتفاقية، وقوبل ذلك بعاصفة اعتراض كبيرة من مصر.

وكان هذا الاعتراض بالأساس لأن الاتفاقية تخلت عن جزء من أرض مصر، ولكن أيضاً لأن الاتفاقية تتضمن تسليم أرض عربية إسلامية لمحتل غريب.

‏وماج الشارع المصري بمظاهرات الطلبة احتجاجاً على الاتفاقية، وظل المصريون ينظرون لما جرى يوم ‏6‏ ديسمبر/كانون الأول عام ‏1925‏ باعتباره إجراءً باطلا‏ً، خاصة وأنه لم يحظ أبداً بموافقة أي برلمان مصري حتى يومنا هذا‏‏، حسب الدكتور يونان لبيب رزق.

القمة الإفريقية التي عقدت بالقاهرة تحسم القضية دون أن تذكرها

بصرف النظر عن الخلاف بشأن كون واحة الجغبوب مصرية أم ليبية في أصلها، فإن هناك متغيراً أساسياً في مسألة الحدود في القارة الإفريقية قد يكون الأهم في هذه القضية.

فقد تكون الرواية المصرية صحيحة بأنه تم نقل ملكية الواحة في ظروف ملتبسة كانت مصر فيها خاضعة للاستعمار.

إلا أن منظمة الوحدة الإفريقية التي تعتبر مصر أبرز مؤسسيها، قد أكدت في عدة مرات منها مرة في القمة الإفريقية الأولى التي عقدت بالقاهرة عام 1964 على قدسية الحدود الإفريقية الموروثة من الاستعمار منعاً للنزاعات بين الدول الإفريقية.

واتخذ هذا القرار لأن حدود الدول الإفريقية كلها تقريباً موروثة عن الاستعمار ولو فتح الباب لتعديلها لأحال القارة السمراء إلى حالة من الفوضى.

مصر صامتة.. بينما الاستعدادات الليبية بدأت بالفعل  

في مقابل الصمت المصري رسمياً على مستوى الحكومة بخصوص القضية التي تثار بالأساس في الإعلام المصري، لم يصدر من الجانب الليبي سوى بعض التصريحات الفردية من بعض المسؤولين على مواقع التواصل الاجتماعي.

من بينها مطالبة عضو المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني محمد عماري، المجتمع الدولي بإيقاف ما أسماه محاولة «عبث السلطات المصرية بالأراضي الليبية»، معتبراً المطالبات المصرية بضم الجغبوب «محاولة للتعدي على سيادة ليبيا».

بدوره، قال وزير الداخلية في الحكومة الليبية المؤقتة إبراهيم أبوشناف، عبر حسابه على موقع فيسبوك، إن «الجغبوب ليبية ولم تكن أبداً تابعة للدولة المصرية».

 وقلل الوزير الليبي من أهمية ما تدعيه بعض الأطراف المصرية من أحقية القاهرة في الواحة بحجة أن مصر اتفقت قديماً عليها وساهمت في تأسيسها قديماً.

وأكدت مصادر ليبية لـ»عربي بوست» تشكيل وزارة العدل بالحكومة المؤقتة لجنة من البحاث والخبراء لتجهيز ملف كامل استعداداً للرد في حال تقدم الجانب المصري بدعوى رسمية للمطالبة بواحة الجغبوب .

نصف أراضي مصر ليبية.. وإنما الحدود بدعة فلا تقربوها

بالعودة إلى مكتبة الباحث محمد الشارف فإنه يرى أنه من غير المنطقي الحديث عن أراضٍ رسمت باتفاقيات دولية ودخلت حيز التنفيذ قبل عقود، وبالتالي فإنه يرفض طرخ التساؤل بشأن هل واحة الجغبوب مصرية أم ليبية؟

ويقول «لو رجعنا إلى التاريخ القديم نصف أراضي مصر ليبية، حسب قوله، والليبيون حكموا مصر في عهد الفراعنة وتحديداً الأسرة 21 بقيادة شيشنق»

وأردف قائلاً «القبائل الليبية القديمة مثل التحمو والليبيو والمشواش كانت تغزو مصر بحسب الآثار المصرية والتاريخ المصري».

الشارف يرى أن الحديث عن إعادة ترسيم الحدود غير منطقي بالمرة.

وأردف مازحاً «لو فتحنا هذا الباب ربما سنطالب بأحقية ليبيا بمنطقة مرغم التاريخية غرب السلوم بـ 60 كيلو متراً»، حسب تعبيره.

كما أشار إلى أن العديد من القبائل في الصحراء الغربية المصرية لها أواصر قوية بليبيا.

الشارف على غرار كثير من العقلاء في الجانبين الليبي والمصري ختم حديثه بالدعوة إلى التعقل والتريث إلى حين صدور موقف رسمي من الحكومة المصرية.

واستبعد أن تؤيد الحكومة المصرية المطالبات باسترداد الجغبوب، لأن ذلك سينتج عنه «فتنة بين بلدين شقيقين»، حسب قوله.

وأنهى كلامه بالقول «إنما الحدود بدعة في نهاية الأمر لم نعرفها إلا بعد الحرب العالمية الثانية».

 

اقتراح تصحيح
عبد العزيز الوصلي (ليبيا) عربي بوست
زواج التابلت بديلاً لدفتر المأذون الشهير في مصر.. فهل تمنع التكنولوجيا زيجات القاصرات بعدما فشل القانون؟
اقرأ المزيد
Generated with Avocode.Shape 770
اقتراح تصحيح
واحة الجغبوب مصرية أم ليبية؟.. تعرف على التاريخ الشائك لهذه الأرض الصحراوية الغنية بالبحيرات

قصص ذات صلة