الحرب العالمية الثالثة كادت تقع لولا هذا الجاسوس السوفيتي الذي رفض تلقي أجر عن عمله لصالح البريطانيين
الأربعاء, 12 ديسمبر 2018
تاريخ

لولاه لَوقعت الحرب العالمية الثالثة .. كتاب بريطاني يروي قصة الضابط السوفيتي الذي رفض تلقي أجر عن جاسوسيته الفاضلة

الجاسوس السوفيتي أوليغ غورديفسكي خلال لقائه بالرئيس الأميركي الراحل رونلد ريغان/wikimedia
عربي بوست، ترجمة

قد لا يكون اسم هذا الرجل معروفاً، إلا أننا جميعاً ندين له بحياتنا، فهو الجاسوس الذي قد يكون له الفضل في منع اندلاع الحرب العالمية الثالثة .

لا يبدو اسم أوليغ غورديفسكي مألوفاً، لكنه ينبغي أن يكون كذلك، بحسب ما ورد في تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية، فهو الرجل الذي منع الحرب العالمية الثالثة .

فهو لم يُسهم إسهاماً كبيراً في إنهاء الحرب الباردة فحسب، بصفته أهم عميل أجنبي في بريطانيا، ولكن فعل للبشرية جميلاً كبيراً.

فقد كَشف ضابط المخابرات الروسي الذي كان يحمل رتبة كولونيل، ويعمل لمصلحة المخابرات البريطانية خطط السوفيت في الدول الإسكندنافية وبريطانيا وأماكن أخرى، وأهم ما فعله هو أنه نبَّه زعماء التحالف الغربي إلى جنون الارتياب الذي أصاب الكرملين في ثمانينات القرن الماضي.

وقد روى البعض قصة غورديفسكي من قبل، وهو نفسه من بينهم، إذ رواها في سيرة ذاتية كتبها بعد تقاعده  في بريطانيا، لكنّ القصة وجدت راويها المثالي في الكتاب المتميز والاستثنائي الذي سطَّره المؤلف البريطاني بِن ماكنتاير في كتابه The Spy and The Traitor (الجاسوس والخائن).

هكذا منع هذا الجاسوس تدمير العالم

لولا تقديرات غورديفسكي المُوفَّقة، لكان من الممكن أن تتحول الحرب الباردة من مجرد معركة تنافسية إلى حربٍ طاحنة، أو حرب عالمية ثالثة تقودها القوتان العظميان اللتي كان لكل منهما ترسانة نووية متأهبة للتحرك عند أول إشارة قد تكون خاطئة وأي من الترسانتين كافية لتدمير العالم بأكلمه.

إذ إن قيامه بنقل الحالة النفسية للزعماء السوفيت للدول الغربية ساهم في تجنُّب تصعيدهم للتوتر، بشكل منع احتمال وقوع معركة يمكن أن تتحول  إلى حرب عالمية ثالثة.

لذلك فإننا لا نبالغ إذا قلنا إن من يعيشون في الجانب الشرقي أو الغربي من الستار الحديدي (مصطلح يشير إلى العزلة التي فرضها الاتحاد السوفيتي على الدول التابعة له في أوروبا الشرقية)، يدينون بحياتهم لهذا الضابط الروسي.

وقد ساهم غورديفسكي إلى حدٍّ كبير في تحسين العلاقات بين الغرب وموسكو كذلك؛ إذ قام عبر إحدى عملياته الاستخباراتية المُحنَّكة بكتابة مذكرتي إحاطة لمارغريت تاتشر، رئيسة الحكومة البريطانية، والزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف في الثمانينات في أول اجتماع بينهما، ولذلك يُنسب إليه الكثير من الفضل في العلاقات الودية التي نشأت بينهما.

لماذا يختلف هذا الكتاب عن تم روايته بشأن الرجل الذي منع الحرب العالمية الثالثة

اكتسب مؤلف كتاب The Spy and The Traitor بِن ماكنتاير خلال العقد الماضي شهرةً استحقَّها عن جدارة بمؤلفاته المثيرة حول قصص الجاسوسية الواقعية، مثل كتابه Agent Zigzag الذي حقق نجاحاً ساحقاً، وكتابه A Spy Among Friends الذي يروي قصة حياة الجاسوس البريطاني بالشرق الأوسط كيم فيلبي، الذي كان يعمل لصالح السوفيت.

وكل هذه المؤلفات لا بأس بها، لكنَّ هذا الكتاب يتفوق عليها، حسب تقرير الصحيفة البريطانية.

ويقول التقرير إنه يبدو وكأنَّ ماكنتاير كان ينتظر كل هذا الوقت ليخبرنا عن غورديفسكي، لأنَّ هذه القصة أكبر بكثير من تلك القصص التي رواها من قبل.

ولكن كيف تحول ابن الشرطي الروسي السري إلى جاسوس لصالح البريطانيين؟

كان غورديفسكي ضابط مخابرات روسياً من قمة رأسه وحتى أخمص قدميه، ووُلد في عام 1938، الذي هدأت فيه حدة حملة القمع الوحشية التي كان جوزيف ستالين قائد الاتحاد السوفيتي يشنها، كان والده شرطياً سرياً، والتحق أخوه الأكبر بالشرطة السرية كذلك.

وقد تمكَّن باجتهاده ومثابرته من الالتحاق بمعهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية -الذي يُطلَق عليه «هارفارد السوفيت»- وكان من شبه المحتَّم أن ينتهي به المطاف في أرفع جهاز أمني سوفيتي، إذ انضم إلى المخابرات الروسية التي كانت مهمتها التجسس على الأجانب، بدلاً من مضايقة اليهود ورجال الكنيسة وأصحاب الرأي الحر داخل البلاد.

لقد أصبح معجباً بالغرب ولكنَّ سحق انتفاضة تشيكوسلوفاكيا الديمقراطية دفعه للتحول ضد بلاده

قد يكون من المغري أن ترى فيه انعكاساً لصورة كيم فيلبي، ولكن هناك اختلاف واحد جوهري بينهما، حسب التقرير.

ففي حين كان فيلبي ملتزماً أيديولوجياً بالشيوعية قبل انضمامه إلى المخابرات البريطانية، واختراقها بهدف الخيانة، أصبح غورديفسكي مغرماً بالغرب في أثناء وجوده داخل المخابرات الروسية.

فقد كان يشعر بالاستياء تجاه جدار برلين إلى حدٍّ ما، لكنَّه اعتنق فكرة العمل ضد بلاده في الأساس بسبب سحق الانتفاضة الديمقراطية في تشيكوسلوفاكيا عام 1968.

رفض تلقّي أجر عن جاسوسيته واستغرب قدرته على شراء أفلام جنسية مثلية بسهولة خلال وجوده بالسويد

كان غورديفسكي في أول مهمة له في الخارج آنذاك في العاصمة السويدية ستوكهولم، حيث أثارت دهشته تلك الحرية التي سادت المجتمع، لدرجة أنه اشترى أفلاماً جنسية مثلية لمجرد أنه كان قادراً على فعل ذلك، وشعر أنه لم يعد يستطيع دعم الحكومة السوفيتية.

وأعقب ذلك محاولات من أجهزة المخابرات الغربية لاستمالته إلى العمل لحسابها، حتى وقَع اختياره على المخابرات البريطانية، وكان أحد شروطه هو أنه لن يتلقى أي مبالغ مالية نظير خدماته.

وكان منذ البداية عميلاً استثنائياً، إذ ساعد في كشف جواسيس يعملون لحساب المخابرات الروسية، وساعد المخابرات البريطانية كذلك في فهم أساليب المخابرات الروسية. ولم يكن يخطر على بال الساسة الغربيين أنَّ نظراءهم السوفيت كانوا يعتقدون أن الغرب يخطط لشنِّ هجوم نووي.

ولكن بفضل غورديفسكي، تمكنوا من التخفيف من حدة خطاباتهم من أجل تهدئة المخاوف في الكرملين، الأمر الذي ساهم في تجنب سيناريو الحرب العالمية الثالثة.

لذا كتب ماكنتاير في كتابه: «مجموعة الجواسيس الذين غيَّروا العالم صغيرة ومنتقاة، وأوليغ غورديفسكي أحد أعضائها».

ومَن كشفه محلل استخبارات أميركي، وتهريبه من روسيا جرى باستخدام حفاضات أطفال

كشف أمر غورديفسكي جاسوسٌ آخر يُدعى ألدريتش أميس، كان محللاً في وكالة المخابرات المركزية الأميركية، وخان بلاده من أجل المال.

 وبعد أن علموا بعمالته للغرب، أرسل السوفيت في طلب غورديفسكي للحضور إلى موسكو.

ويروي الكتاب عملية استجوابه من جانب زملائه وخطة المخابرات البريطانية شديدة التعقيد لإنقاذه، التي أُطلق عليها عملية بيمليكو.

وهذا الجزء مذكور في الثلث الأخير من الكتاب. وأوشكت خطة تهريبه على الانحراف عن مسارها في اللحظة الأخيرة، بسبب صدفة سيئة.

إذ لم يكن بالإمكان الحصول على تصريح للموافقة على العملية من رئيس الحكومة البريطانية آنذاك مارغريت تاتشر، في قلعة بالمورال، بسبب اضطرار مستشار مارغريت إلى انتظار حارس الأمن حتى يُنهي مكالمة هاتفية كان يجريها بشأن إحضار جهاز الفيديو الخاص بأم الملكة الذي طلبته الملكة.

ولكن لحسن الحظ، مرَّت تلك اللحظة بسلام، وكذلك خطة الهروب. فقد نجحت عملية تهريبه في يوليو/تموز من عام 1985، عبر الحدود السوفيتية الفنلندية، ونجح القائمون عليها في تشتيت انتباه الكلاب البوليسية السوفيتية باستخدام حفاض طفل مستعمل وعلبة من الجبن وشرائح البصل. ليصبح الرجل الذي حمى العالم من الحرب العالمية الثالثة حراً بفضل حفاضات الأطفال.

إنه يعتبر ما فعله خيانة فاضلة

بطريقة مُنمَّقة، يسرد ماكنتاير الأحداث في كتابه، ويزيد من إثارتها بعض التعليقات الجانبية الجديرة بالاقتباس، بالإضافة إلى إشارات لا بد منها إلى بعض المؤلَّفات الكلاسيكية في أدب الجاسوسية، وأبرزها مؤلفات جون لو كاريه.

لكن هناك اختلاف رئيسي بين أستاذ أدب الجاسوسية القديم وكتاب ماكنتاير الذي يتناول سيرة هذا الرجل الذي منع وقوع الحرب العالمية الثالثة.

إذ تعج روايات لو كاريه عن الحرب الباردة بكآبةٍ لا أخلاقية، وتشير إلى أنَّ الحرب الباردة أنهكت كلا الطرفين إنهاكاً وَضَعهما في نفس المنزلة تقريباً.

بيد أنَّ كتاب The Spy and the Traitor يُؤكِّد أنَّ غورديفسكي كان يخدم قضيةً كانت عادلة وصائبة، إذ كانت لديه «قناعة قوية وراسخة بأن ما كان يقوم به هو عين الصواب». وأن قراره بتسليم أسرار المخابرات الروسية إلى بريطانيا «خيانة فاضلة»، حسب التعبير الوارد في تقرير الصحيفة البريطانية.

ولكن الروس يريدون إعدامه حتى اليوم

ولكنّ موسكو لم ترَ الأمور من هذا المنظور بكل تأكيد، وما زال غورديفسكي، الذي يعيش في مكان ما في بريطانيا، مُداناً بعقوبة الإعدام في روسيا، بتهمة الخيانة، ولا يرونه بطبيعة الحال باعتباره الرجل الذي منع اندلاع الحرب العالمية الثالثة.

وبعد محاولة اغتيال سيرغي سكريبال -الذي كان جاسوساً روسياً آخر عمل لحساب بريطانيا- في منطقة سالسبري البريطانية في وقتٍ سابق من العام الجاري 2018، فإن أهمية هذا الكتاب المعاصرة تزداد بطريقة غير متوقعة.

إذ يبدو أننا قد عُدنا إلى عصر الاضطرابات بين الغرب والكرملين، (ولكن الأمور لم تقترب كما كان في السابق من احتمال اندلاع الحرب العالمية الثالثة ).

وهو ما جعل الصحيفة البريطاني تقول نحن ما زلنا بحاجة إلى أشخاص مثل غورديفسكي، بنفس قدر حاجتنا إليهم في الماضي.

كتاب The Spy and The Traitorمن إصدار دار Penguin للنشر ومتوفر بسعر 20 جنيهاً إسترلينياً (26 دولاراً و25 سنتاً) ويمكن شراؤه بـ18.49 جنيه إسترليني (24 دولاراً و27 سنتاً) عبر موقع guardianbookshop.com.

 

 

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
لولاه لَوقعت الحرب العالمية الثالثة .. كتاب بريطاني يروي قصة الضابط السوفيتي الذي رفض تلقي أجر عن جاسوسيته الفاضلة