الفنان محمد حافظ يتعامل مع حنينه لوطنه بتجسيده في منحوتات صغيرة يعتبرها واجباً لعدم نسيان ماضي سورية
الإثنين, 10 ديسمبر 2018
ثقافة

يعتبر أعماله «بكاءاً إبداعياً» وواجباً للتذكير بالماضي.. محمد حافظ النحات الذي لم يستطِع زيارة سوريا فأحضرها إلى أميركا

حافظ: "أشعر أن من واجبي صنع هذا الفن. إنه ليس ميزة ولا بذخاً، بل واجب"/ Instagram
عربي بوست، ترجمة

يرى الفنان السوري محمد حافظ، الذي يعيش في الولايات المتحدة، أن من «واجبه» ابتكار فن يذكّر الناس بجمال بلده. لذا نرى في كل تفصيلة من منحوتاته إحياء لجزء من سوريا.

يجسد طبق بورسلان (سيراميك) بحجم الدمية كيف كان الناس يبعثون «سكبة» طعام إلى جيرانهم.

قطع قماش سوري ويهودي على حبل غسيل تمثل التنوع الذي تزخر به المنطقة.

وكذلك الزخارف على بناء فيها تقليد للرموز الإغريقية والرومانية، كونها تنتشر بشوارع المدينة القديمة.

لا يفصح الفنان محمد حافظ عن هويته ويستمع لزوار معرضه

في متحف بروكلين بنيويورك يتجول حافظ على مقربة من أعماله الفنية ويرقب عن كثب ردود أفعال الزوار؛ يلتقط بعدسة هاتفه مقاطع فيديو أو يتلو وصفاً لسوريا بين الماضي والحاضر، لكنه يحاول ألا يكشف هويته.

يقول حافظ لصحيفة The Guardian البريطانية: «لا أريد التكلم، لأنني إن فتحت فمي وبُحت بأني مهاجر سوري عربي مسلم، فلعل بعض الجمهور سيسارع إلى تكوين ملايين الأحكام المسبقة عني بشتى الطرق، ولعلهم سيصمون آذانهم أو قلوبهم عن رسالتي. أنا أترك عملي يتحدث بالنيابة عني، فيما أتصرف أنا كأني مجرد ذبابة على الحائط».

يعتبر أعماله «بكاء إبداعياً» لما آلت إليه الأمور في سوريا

عندما قدم حافظ من سوريا إلى الولايات المتحدة قبل 15 سنة بعيد حادثة 11 سبتمبر/أيلول، كان الخوف من الإسلام والمسلمين قد بلغ أوَجه.

العمل الفني الذي أكسبه الشهرة كان رد فعل عفوي وعلاجي على قيود السفر التي فرضها جورج بوش الابن على بلدان الأغلبية المسلمة، والتي خلقت عقبات ومصاعب حالت دون زيارته لوطنه.

وقتها شُمِل السوريون مع بقية المسلمين دون تمييز في أذهان الأميركيين.

ولكن في السنوات الأخيرة هزت حرب دموية صورة سوريا أمام العالم، فتطور عمل حافظ الفني ليعكس ذلك.

أضحت منحوتاته وسيلته لـ «يبكي بإبداع» ضياع الثقافة والعمران في وطنه الأم، حيث قصفت مئذنة عمرها 1200 عام فمُحيت عن الأرض، وحيث كانت مبانٍ تضاهي الفاتيكان قائمة شامخة، فما عادت وقد لا تعود.

لا يعتبر فنه بذخاً.. إنما هو واجب

يقول حافظ: «أشعر أن من واجبي صنع هذا الفن. إنه ليس ميزة ولا بذخاً، بل واجب».

خلال الأشهر الأخيرة عرض فنه في المملكة المتحدة وواشنطن وولايات مين ورود آيلاند وكونيتيكيت فضلاً عن بروكلين بنيويورك وغيرها كثير.

قد يصح القول إن نجمه آخذ في الصعود، وهي حقيقة يجدها حافظ حلوة ومرة في آن معاً.

«مَن هذا الذي يود أن يشتهر نجاحه على أشلاء أُمته وثقافته؟».

يستنكر حافظ ويتابع: «الود ودي أن أرمي كل هذا في القمامة دونما تردد لقاء الحصول على 3 ساعات من حياتنا السابقة».

أدرك مؤخراً أن العودة إلى الشام أصبحت مستحيلة

مؤخراً أتاه وحي أدرك من خلاله أن لا هو ولا غيره من السوريين المهجرين قد يعودون إلى سوريا قريباً، فهذا مستبعد تماماً، ومنفاهم هذا قد يطول عمراً كاملاً.

وفيما يتخلون رويداً رويداً عن الفكرة الشاعرية بالعودة إلى أرض الوطن، لا يتبقى أمامهم سوى مجموعة قصص وذكريات يحملونها معهم أينما حلوا.

يقول حافظ: «لا يمكنك (فرمتة) قلبك ونسيان الماضي».

فقرر أن يحضر الشام إليه من خلال النحت

إلهامه واكتشافه هذا دفعه ليتجه ويوغل داخلاً لينتج سلسلة جديدة من المنحوتات المستلهمة من حلب ودمشق القديمتين.

فكل قطعة من قطعه الفنية تمثل مئات الساعات من العمل، وهذا بالنسبة له أمر جيد؛ لأن عملية النحت هي العملية التي تمنحه العلاج والشفاء، لا المنتج النهائي.

يقول حافظ: «لو كان لدى البشر القدرة التقنية على جعل الطابعات ثلاثية الأبعاد تطبع أحاسيسنا وكل حملنا العاطفي، لكانت طابعتي ستخرج هذه الأشياء».

«أذان دمشقي» اسم معرضه المستوحى من آخر زيارة قبل الثورة

في سلسلته الجديدة «أذان دمشقي»، يحن حافظ إلى عبق ماض غير بعيد في سوريا، قبل أن تعيث قنابل وبراميل المتفجرات والغاز فيها فساداً.

وضع حافظ كل نموذج داخل إطار مرآة يحاكي الطراز الفيكتوري الذي راج في سوريا فيما مضى.

لكن تلك الإشارة الزمنية تتجاوز حدود الجماليات وتذهب إلى مخاطبة الحِمل العاطفي الذي يجده حافظ بداخله.

يقول: «عندما تنظر في المرآة تتوقع أن ترى انعكاسك فيها، أما بالنسبة لي فلست أرى انعكاسي. أنا لا أستطيع الهرب من ذكرياتي ولا من حنيني إلى الماضي وإلى وطني، ولهذا فإن ما أراه منعكساً في المرآة هو هذه الأفكار».

معظم محتوى مجموعة «أذان دمشقي» مستلهم من زيارته الأخيرة إلى سوريا عام 2011 عندما ساوره شعور غريب بأنها الزيارة الأخيرة وأنه قد لا يعود أبداً.

وقتها لم يكن لديه تفسير لذلك الشعور الغامض، فبلده كان بخير وأفراد عائلته كذلك كانوا بخير، حتى إنه كان يفكر بترك أميركا والعودة للاستقرار في الوطن، لكنه أصغى لحدسه فتملّى من كل شيء قبل المغادرة.

يقول «ما هي إلا أشهر حتى اشتعلت البلاد حرباً».

فيه بيت دمشقي وأصوات المدينة المسالمة

إحدى قطعه الجديدة نموذج مصغر لباحة بيت دمشقي، معروض الآن في معرض مؤقت بمتحف بروكلين.

يبدو هذا النموذج كالبيت الذي نشأ فيه والده؛ بيت مطمئن بالسلام الذي كان يعم سوريا وغني باللحظات اليومية المفعمة بثراء الثقافة مثلما يتذكرها حافظ.

يغمر المشهد تسجيل صوتي خلفي للمكان تسمع فيه الأصوات المألوفة كالأذان ولعب الأطفال في الشارع، كان حافظ سجله سراً بينما كان يلعب الورق مع أصحابه في مقهى بدمشق عام 2011.

في أحد التسجيلات يأتي رجل كهل يقترب منهم وينتحب بكاء مخافة أن يجر الربيع العربي الدمار على بلادهم.

وقتها ما كان من حافظ ورفاقه إلا الضحك عليه.

وأيضاً كاميرات التسجيل وسيارات المخابرات

بالتسجيل وبسواه، استعمل حافظ أسلوب التنبؤ عبر عمله الفني، مثل إدخاله عنصر كاميرات المراقبة الأمنية الصغيرة الموجهة إلى الزوار المشاهدين بغية تجسيد دولة الرقابة وسيارات المخابرات المركونة أمام البيوت لترمز للعنف الذي يلوح في الأفق.

لكن سلسلة «أذان دمشقي» ليست فكرتها التنبؤ بالمستقبل، بل حفظ الماضي من أجل أولئك الذين لم يعرفوه قط.

وأمله ألا ينسى الأطفال العصر الذهبي لسوريا

يدرك حافظ أن الأطفال السوريين المهجّرين يتعرضون للتنمر كل يوم بسبب أصلهم.

فأمام أسئلة مهينة مثل «أين ركنت جملك؟» صار حمَلة الاسم «محمد» يعرفون عن أنفسهم باسم «مايك».

من خلال منحوتاته، يأمل حافظ أن يرى الأطفال السبب الذي ينبغي أن يدفعهم للفخر بكل ما لديهم، بما في ذلك وطنهم الأم.

يقول: «علينا واجب تجاه الأجيال التي نشأت لا تعرف سوى الحرب والنزاع في المنطقة… علينا تذكيرهم بالعصر الذهبي لثقافتنا».

ويختم: «لهذا السبب ليس أي من الإطارات يجسد دماراً، بل العمران الجميل القديم والعتيق الذي يظهر عراقة آلاف السنين من التاريخ والثراء».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
يعتبر أعماله «بكاءاً إبداعياً» وواجباً للتذكير بالماضي.. محمد حافظ النحات الذي لم يستطِع زيارة سوريا فأحضرها إلى أميركا

قصص ذات صلة