ما دور أميركا في العالم؟ 3 مؤلفين يُقدِّمون وجهات نظر متعارضة عن الاستثنائية الأميركية
السبت, 15 ديسمبر 2018

ما دور أميركا في العالم؟ 3 مؤلفين يُقدِّمون وجهات نظر متعارضة عن الاستثنائية الأميركية

عربي بوست، ترجمة

أميركا هي القوة العظمى في العالم، ولا تخلو نشرة أخبار سياسية أو اقتصادية من ذكر الولايات المتحدة الأميركية أكثر من أي بلد أخرى في العالم، لكن كثير من الأميركيين يعتقدون أن هذا الدور في تراجع منذ بداية الألفية الجديدة، وهناك مؤشرات تدعم هذا الرأي بالفعل، إذن ما هو دور أميركا في العالم، وما هي التغيرات التي طرأت على هذا الدور خاصة بعد وصول دونالد ترمب لحكم الولايات المتحدة.

صحيفة The New York Times الأميركية، أعدت عرضاً لثلاثة من الكتب المهمة التي تناولت هذا الموضوع، وهي:

الكتاب الأول:

سياسة خارجية جديدة ما بعد الاستثنائية الأمريكية

A NEW FOREIGN POLICY Beyond American Exceptionalism

المؤلف: جيفري ساكس

لم يكن ساكس، الذي قضى حياته المهنية بين الأوساط الأكاديمية والسياسة العامة، يوماً ممن يهتمون بالمواقف الحيادية. إذ يعلنها صراحةً في كتابه أن الولايات المتحدة تواجه اليوم خيارين لا ثالث لهما، إذ «إن عليها أن تختار بين مصيرين محتملين، أولهما الصراع، الذي قد يتطور إلى حرب نووية، والثاني هو التعاون السلمي». ويضيف أن السبيل الوحيد لتجنب الأول هو أن تتخلى أميركا عن مفهومها المؤذي عن الاستثنائية، وهو الاعتقاد الراسخ (وبالنسبة لساكس، الخاطئ) بأن الولايات المتحدة هي الأمة التي لا تشبهها أي أمة أخرى، خُلِقَت لتكون عظيمة ومُلزَمة بالقيادة. وسواء اتخذ ذلك الاعتقاد شكل الإيمان بالقرن الأميركي، الذي دفع البلاد نحو مسار محدد طوال القرن العشرين، أو شكل الضغوط القاسية الناتجة عن مفهوم أميركا أولاً الذي ينعش إدارة البيت الأبيض الحالية، فإن فكرة الاستثنائية وإن خدمت القوة الأميركية في بعض الأحيان، تُنذر اليوم بكارثة.

 

ولن يكون مفاجئاً أن ينتقد ساكس دونالد ترامب انتقاداً حاداً باعتباره تجسيداً خالصاً لأسوأ الغرائز الأميركية، إذ «يساعد الأثرياء على حساب الفقراء»، وهو «متهور، ومتقلب، ويفتقر إلى الخبرة». لكنه يعتبر ترامب آخِر مظهر، وإن كان أكثرها ضرراً، من مظاهر اتجاه الاستثنائية الذي ورَّط أميركا في حروب اختيارية جائرة ولا نهاية، ولا لزوم لها، خفية وصريحة، من غواتيمالا وإيران في الخمسينيات من القرن الماضي إلى العراق وأفغانستان في السنوات الأخيرة. وأدى هذا الاتجاه كذلك إلى تجاهل خطير للبيئة، واتباع نهج ضيق الأفق مع الشرق الأوسط وكوريا الشمالية، وفشل في مواجهة التحدي الصيني من خلال الاستثمار في النمو الاقتصادي المحلي والابتكار. لقد استولى القادة الأميركيون بأساليب منافقة مرة تلو الأخرى على النظام الدولي لتحقيق أهداف قومية محضة. ويمثل ترامب عرضاً مؤلماً، ولكن بالنسبة إلى ساكس، فهو يسلك مساراً مألوفاً سلكه آخرون كُثُر.

 

ويخلص ساكس، إلى أن ما يدعو إليه هو تبني اتجاه المقاربة الدولية الذي يرفض عقلية المكسب-الخسارة، ولا يدَّعي أن الولايات المتحدة أمة لا تقع في الخطأ. وبأسلوبه الحازم الغاضب، يقترب ساكس من الغلو في إدانته لأميركا في الماضي والحاضر، لكنَّه يسلط الضوء على مخاطر الاستمرار على نفس الطريق.

 

الكتاب الثاني:

الفريدة: لماذا ستظل أمريكا القوة العظمي الوحيدة في العالم؟

UNRIVALED: Why America Will Remain the World’s Sole Superpower

المؤلف: مايكل بيكلي

على النقيض من الآراء العديدة التي تحذر من الانهيار الوشيك للولايات المتحدة، يؤكد بيكلي -وهو عالم سياسي في جامعة تافتس الأميركية وباحث في كلية كينيدي التابعة لجامعة هارفارد الأميركية- أن أيام الهيمنة الأميركية لازالت وفيرة. ومن وجهة نظره التحليلية «دوام الأحادية القطبية الأميركية ليس مضموناً، لكنَّ الاتجاهات الحالية تشير بقوة إلى أنها ستستمر لعدة عقود» وهو لا يحتفي ولا ينتقد هذه الهيمنة؛ ولكنه يقول ببساطة إنها حقيقة إحصائية، ويسرد رزمة من الأدلة لإثباتها.

 

يوضح بيكلي في كتابه، بأسلوب رزين استقصائي، أنه لا توجد دولة على استعداد لانتزاع الصدارة الأميركية، لا من الناحية الاقتصادية، ولا العسكرية، ولا التكنولوجية. ويقيس بطريقة منهجية القوة النسبية للدول اليوم «من خلال حساب الثروة والعتاد العسكري لكل بلد». ففي حين أن هناك بلداناً أخرى قد تتفوق على الولايات المتحدة في عدد السكان أو في الناتج الاقتصادي الكلي أو في أعداد الجنود، فلا يقاربها أي بلد، كما يقول بيكلي، من حيث صافي الأصول.

 

ستظهر الصين المرشح الأكثر منطقية للتفوق على الولايات المتحدة. ولكن بيكلي لا يتقبل هذا فـ»الصين كبيرة ولكنها لا تتمتع بالكفاءة.. وعلى النقيض من ذلك، فإن الولايات المتحدة كبيرة وتتمتع بالكفاءة». على الصين أن تنفق بشكل مبالغ فيه لتحقيق نموها، وفي حين أن النتائج التي حققتها مثيرة للإعجاب، بعيداً عن مقياس معدل دخل الفرد (على سبيل المثال، التعليم، أو الإنتاجية أو الدخل) لتصبح قريبة من الولايات المتحدة. ويخفف بيكلي بشكل مقنع من النظرة المتنامية بأن الصين تشكل تهديداً عسكرياً. إذ أنها محاطة بدول تمتلك قدرات عسكرية هائلة وتجابه القواعد الأمامية والأنظمة المتقدمة التابعة للولايات المتحدة التي كوَّنت مخزوناً عسكرياً على مدار عقود.

 

وما يُقلِق بيكلي، هو أن التهديد الأكبر لهيمنة أميركا ليس قوة عالمية صاعدة بل الانهيار الداخلي، الذي سيجعل الحياة أسوأ بالنسبة لمعظم الأميركيين. وتبدو اقتراحاته بإنهاء عملية تقسيم الدوائر الانتخابية (التي تؤدي إلى تزوير الانتخابات) ومحاولة زيادة نسبة إقبال الناخبين، رغم أنها جديرة بالثناء، منفصلة عن الواقع وضعيفة مقارنةً بالدقة الإحصائية الشاملة التي دعمت أفكاره. وهو لا يعالج على نحو كاف كذلك التدهور المتسارع للقوة الأميركية الناعمة في السنوات الأخيرة. ومع ذلك، إذا كانت وجهة نظره بشأن مناعة القوة الأميركية تتعارض مع مناخنا المتشائم الحالي، فإن الأدلة التي جمعها يجب أن تكون جزءاً من أي نقاش جاد حول مصيرنا.

 

الكتاب الثالث:

الغابة تعود مرة أخرى: أمريكا وعالمنا المعرض للخطر

THE JUNGLE GROWS BACK: America and Our Imperiled World

المؤلف: روبرت كاغان

إن النظام الليبرالي الذي أعقب الحرب العالمية الثانية القائم على التزام الدول القومية بالمعاهدات والمؤسسات الدولية، ويحابي الديمقراطية والرأسمالية وسيادة القانون، أسفر عن، كما يقول كاغان في كتابه، سلام ورخاء لم ينعم العالم بمثلهما في أي وقت آخر في التاريخ. ولكن استمراريته ليست مضمونة، وظهوره بعد عام 1945 كان «انحرافاً تاريخياً عظيماً» تزامن مع انهيار مراكز القوى القديمة في أوروبا وآسيا وصعود الولايات المتحدة الليبرالية الرأسمالية الديمقراطية الملتزمة بالأممية والمنغمسة في منافسة مع الاتحاد السوفيتي الذي يمتلك قوة نووية. وكانت النتيجة انفصالاً قوياً عن ماضٍ من الدورات اللانهائية من صعود قوى وتصارع قوى وسقوط أخرى، وهي النتيجة التي شهدت «تقدماً مذهلاً على مدى العقود السبعة الماضية».

 

ومع ذلك، فإن هذا النظام في خطر الآن. فالغابات -تلك الأماكن التي تعج بالفوضى والاضطراب والصراع- «تنمو مجدداً. والتاريخ يعيد نفسه، وتعود الأمم للعادات والتقاليد القديمة». لا يلقي كاغان باللوم كله على الولايات المتحدة، لكنه يراها مسؤولة، بالتقصير وارتكاب الأخطاء، عن ترك النظام ينهار. ويُسرِّع ترامب من ذلك الانهيار، رغم أنه لا يمكن لومه على ظهور النزعة القومية المعادية للديمقراطية في أوروبا أو عودة الخصومات الآسيوية. يؤمن كاغان إيماناً حماسياً بأن الطريقة الوحيدة للتغلب على شريعة الغاب ووأد هذه الاتجاهات الخطيرة هي أن تجدد الولايات المتحدة التزامها بالقيادة.

 

ويخلص كاغان إلى أن تحقيق ذلك يوجب على الأميركيين أولاً أن يعالجوا تداعي النظام الليبرالي في الداخل. وهو متفائل إلى حد ما في هذا الشأن: «سيتجاوزه الأميركيون». إذ «لا يمكنهم الهروب من مبادئ إعلان الاستقلال الأميركي، حتى إن أرادوا ذلك. فليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه». ولا ينطبق ذلك على بقية العالم. فبقدر ما يود العديد من الأميركيين أن يحولوا اهتمامهم للداخل، فإن هذا الطريق سيعرّض الولايات المتحدة للخطر. قد يبالغ كاغان كثيراً في تقدير الدور الذي يمكن للولايات المتحدة أن تضطلع وتلتزم به في المضي قدماً، لكنه يؤكد بقوة على مدى ضعف النظام العالمي مثلما كان على الدوام.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
ما دور أميركا في العالم؟ 3 مؤلفين يُقدِّمون وجهات نظر متعارضة عن الاستثنائية الأميركية