الوجه الآخر للاندفاع السريع نحو المستقبل.. لماذا لا تزال اليابان شديدة التعلق بالورق؟

إحدى الظواهر المبتذلة للحداثة، وإن كان مرورنا بها لا مفر منه، هو أنَّ الأشكال الجديدة للتكنولوجيا تشعرنا بالحنين إلى السابقة منها وإلى الحقب الزمنية الماضية

عربي بوست
تم النشر: 2018/11/23 الساعة 07:27 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2018/11/23 الساعة 07:27 بتوقيت غرينتش
اليابان تحق إلى الورق

إنَّ إحدى الظواهر المبتذلة للحداثة، وإن كان مرورنا بها لا مفر منه، هو أنَّ الأشكال الجديدة للتكنولوجيا تجعلنا نشعر بالحنين إلى السابقة منها وإلى الحقب الزمنية التي كانت تشير إليها ضمناً. عندما ظهرت الهواتف الذكية، مكّنتنا من استخدام الإنترنت في أماكن لم يكن متاحاً فيها من قبل، ولذا أصبحت رؤية هاتف قديم الطراز بالكاد يعمل تُشعرنا بشيء من الأسى.

وقد أدت التخمة في الموسيقى الرقمية منذ ظهور صيغة الملفات الصوتية mp3 إلى تراجع في عالم أقراص الفونوغراف بل والأشرطة، وإن ظل لهما جمهور خاص ومحدود للغاية. لقد كان سلب الوجه المادي للعالم، المتمثل في الكتب والصحف ومتاجر التجزئة والخرائط، هائلاً ومفاجئاً لدرجة أنَّه أصبح من الممكن أن نتوقف عن اعتبار الاندفاع نحو المستقبل نوعاً من التقدم، ونولي اهتمامنا إلى ما نخسره نتيجة لهذا الاندفاع، حسب ما أوضحت صحيفة The New York Times الأميركية.

اليابان نموذج للحداثة والقلق من التقدم

تظهر هذه التناقضات والقلق من الحداثة بوفرة في اليابان على الأخص، ويرجع هذا إلى تاريخها الطويل وسرعة اندفاعها نحو المستقبل. كانت اليابان معزولة جغرافياً لقرون، لذا فإنَّ الوقت بين انفتاحها، بفضل دبلوماسية مدافع الأسطول (استعراض القوة العسكرية للضغط النفسي على الطرف الآخر) التي استخدمتها السفن الحربية الأميركية عام 1853، ومعجزة إعادة إعمارها بعد الحرب العالمية الثانية، قدّم لنا رواية ممتدة ومتطورة على نحوٍ مميز عن مجتمع زراعي يتحول إلى آخر تميزه الحركة المستقبلية الحضارية.

إنَّ التباين والصراع بين القديم والحديث هو نقطة التوتر الأساسية في التقاليد الأدبية والسينمائية الحديثة في اليابان: تشعر العائلات الريفية بالصدمة عند زيارتها للمدن في أفلام ياسوجيرو أوزو في الأربعينيات والخمسينيات، أو الدراما اليابانية الموسيقية التقليدية في روايات الكاتبة فُميكو إنشي التي عاصرت عهد شووا (أي فترة السلام المنير).

ويُعتبر كل شيء في اليابان، من عظمة التصنيع الإلكتروني، وسرعة انتشار ثقافتها الشعبية، وشراسة ازدهارها المعماري بمثابة تَذكِرة بأنَّ اليابان كانت مرادفاً للمستقبل طوال عصر ما بعد الحرب، ، رغم أنَّ التراجع الاقتصادي الذي بدأ منذ ثلاثة عقود يُجرِّد هذه المظاهر من بريقها.

الورق الياباني مصدر فخر لهذا الشعب / istock
الورق الياباني مصدر فخر لهذا الشعب / istock

صناعة الورق مازالت صامدة

يمكن بلورة كل هذه القوى، الماضي والحاضر والمستقبل، في أحد التقاليد اليابانية الصامدة: صناعة الورق المُتعمقة والممتدة منذ زمن طويل. ربما يكون العمل اليدوي من بين الأسس التاريخية التي تُميِّز اليابان، حتى أنَّ الحكومة الوطنية تشترط بعض المتطلبات لتصنيف منتج ما على أنَّه "منتج يدوي ياباني تقليدي".

أول هذه المتطلبات هو أن يكون المنتج عملياً بما فيه الكفاية ويصلح لاستخدامه بانتظام، وهو ما يساعد على فهم صلة اليابان المستمرة بالورق، أو "واشي" (وتُترجم إلى"الورق الياباني"). في عصرنا الرقمي، كثيراً ما ننسى إلى أي مدى يكون الورق عملياً ومتعدد الاستخدامات في الواقع، وقد تكون العديد من استخداماته الحديثة تعود مباشرة إلى اليابان، حيث بدأ فن صناعة الورق الياباني يدوياً مع وصول الرهبان البوذيين إلى الجزر اليابانية قادمين من كوريا في القرن السابع.

ومنذ ذلك الحين، اُستخدم الورق الياباني التقليدي في الأدوات المكتبية وفي اللوحات الفنية وبرز كفن في حد ذاته مع ظهور فن الأوريغامي، الذي تزامن ظهوره تقريباً مع ظهور صناعة الورق الياباني التقليدي، لكنَّ هذه الممارسات، التي لا تزال تحظى بشعبية، تُظهر مدى رسوخ صناعة الورق في التاريخ الياباني.

تاريخ عريق في صناعة الورق

قبل حوالي 700 سنة من ظهور النسخة المطبوعة من الكتاب المقدس المعروفة بـ"بيبل غوتنبرغ"، كان اليابانيون ينسخون بأيديهم النصوص البوذية على الورق. وقبل أن تبدأ الدوريات المطبوعة في الظهور في أوروبا في القرن السابع عشر كشكل من الأشكال المبكرة للصحف الحديثة، كانت اليابان تصدر اليوميوري (ويعني حرفياً "للقراءة والبيع")، وهي إعلانات توزع باليد كانت تُباع في المدن الرئيسية. (تحتل اليابان اليوم المركز الأول في معدل تداول الصحف المطبوعة في العالم، والثاني من حيث نصيب الفرد من الصحف).

كان الورق هو السمة الغالبة في عِلم الجمال الياباني، إذ ظهر في كل مكان من غرف المنازل إلى الجنازات. وكانت المصابيح الورقية تُضاء في الاحتفالات الدينية. وكان يُستخدم في صناعة الملابس. وأصبح مادة أساسية في البناء.

وعكست الحواجز المنزلقة المصنّعة على طريقة شوجي -أي من الورق والخشب- التي كانت واسعة الانتشار في فترة إيدو، الممتدة من القرن السابع عشر إلى أواخر القرن التاسع عشر، تقديراً للحالة المزاجية وحاسة اللمس، وساهمت بقدرتها على خلق ضوء معتم كالقمر، في خلق جو من الصفاء النقي يبعث على الراحة وهو ما اجتذب في وقت لاحق إلى العمارة اليابانية التقليدية مهندسي العمارة الحديثة مثل المهندس الفرنسي لو كوربوزييه.

وقد استخدم اليابانيون حتى لعدة قرون نوعاً من المناديل الورقية، مثل ذلك النوع الذي تستخدمه عند العطس حين تكون مصاباً بنزلة برد. إنّ للورق تاريخاً طويلاً في جميع أنحاء العالم، لكنه يعني لليابانيين ما يعنيه النبيذ للفرنسيين، وهو شغف وطني ومصدر فخر. إذ يبقى، رغم كل الاختراعات التي ظهرت منذ ذلك الحين، محور الثقافة اليابانية.

الورق الياباني في الهندسة المعمارية

يرجع فضل الإشراف على إنتاج أول قطع من الورق في اليابان في القرن السابع باستخدام التقنيات الصينية إلى الراهب البوذي الكوري دانشو. شهدت ثقافة البلاط في حقبة هييآن، التي امتدت من القرن الثامن وحتى القرن الثاني عشر، تطورات أخرى  في الصين -لا سيما البيروقراطية- حفزَّت الطلب على الورق لحفظ السجلات ودفاتر المراهنات.

ومع تراجع أهمية البلاط، وتصاعد النظام الإقطاعي اللامركزي للمحاربين المستبدين، بدأت صناعة الورق كذلك في التحول إلى اللامركزية والتوسُّع. وفي هذه المرحلة، بدأ استخدام الورق في الهندسة المعمارية، وفي صناعة الأبواب والحواجز المنزلقة، وبالتالي أصبحت الحاجة إلى المزيد من التغييرات طويلة الأمد أمراً حتمياً.

مبنى مصنوع من الورق في اليابان / نيويورك تايمز
مبنى مصنوع من الورق في اليابان / نيويورك تايمز

وهكذا أصبح أسلوب صناعة الورق الياباني تقليداً أُسرياً: بحلول القرن التاسع عشر، عندما أُدخلت التقنيات الصناعية الرأسمالية، كان هناك أكثر من مائة ألف عائلة عادية تصنع الورق يدوياً للاستخدامات المنزلية المختلفة. لكن هذه التقنيات الصناعية المفرطة الاستغلال ذاتها -التي تشمل إنتاج الأسمنت بكميات ضخمة، وبعدها بقليل، السفن الحربية- قد تُنهي هذا العصر تدريجياً.

ورغم ذلك، من الممكن رؤية بقايا هذه التقاليد في المباني المُشيدة على الطراز الحديث التي لا تزال موجودة في المدن الكبرى إلى وقتنا هذا، مثل مبنى International House of Japan، أحد أشهر الفنادق في البلاد، الذي صممه المعاونون اليابانيون للمهندس المعماري لو كوربوزييه عام 1952، والذي يضم حواجز منزلقة على طريقة جوشي. تظهر جذور عملية استخدام الورق في العمارة بشكل أوضح في الأعمال الأخيرة للمهندس المعماري الياباني شيغرو بان، مثل ملاجئ الطوارئ في أعقاب زلزال فوكوشيما عام 2011، التي كانت مصنوعة في أغلبها من الورق -على وجه الخصوص، إسطوانات الورق المقوى المُعاد تدويرها- أو تلك التي أشرف عليها المهندس المعماري الياباني كينغو كوما، الذي تعكس مبانيه باستمرار البراعة الحرفية اليابانية.

العاصمة والجمع بين الحداثة والتاريخ

لا تزال طوكيو بحد ذاتها جنة للفن وقصص المانغا ومتاجر الأدوات المكتبية، وجميعها معالم أثرية تعبر عن استمرار ثقافة الطباعة التي قد لا تتناسب مع زماننا الحالي. وفي أحد هذه المتاجر، ويُدعى Ozu Washi، الذي يحتل نفس الموقع في حي نيهونباشي التجاري منذ عام 1653، علمتُ كيف يُصنع الورق الياباني.

يعتبر الورق الياباني واحداً من أقوى أنواع الورق في العالم، ولصناعته، على المرء أن يزرع نبات الكوزو، وهو شجيرة من الفصيلة التوتية (وتُستخدم شجيرات غامبي وميتسوماتا في صناعة الورق كذلك). وعلى عكس الورق المُصنَّع على الطريقة الغربية، يُسحق لحاء الشجرة ويصبح جزءاً من الورقة المصنَّعة. وتُحطّم الألياف الناتجة وتُبَيَّض وتخلط مع الماء والنيري، وهو الوحل الذي يأتي من جذور نبات Tororo-aoi. يُدمج هذا المزيج ليوضع على ألواح حيث يمكن إضافة الألوان المميزة للورق الياباني التقليدي وزيادة سمك الورق بإضافة عدد أكبر من الطبقات.

في النهاية، تُضغط الأوراق المكونة من الألياف وتُجفف. وتكون النتيجة ورقاً يصعب تمزيقه، ذا لون أبيض لامع ومتانة مُذهلة. وغالباً ما تطبع الزخارف اللامعة على الورق، من النباتات الطبيعية أو التأثيرات الهندسية للوحات الزيتية- باستخدام الخشب، أو تضاف علامات مائية، على صفحات مخططة رأسياً للكتابة عليها.

وتعدّ الورقة الناتجة أكثر من مجرد شيء مسطَّح تُكتب عليه الأفكار أو المعاني؛ إذ إنَّها عمل منحوت وملموس، وهيئته المادية سبب من أسباب متانته. والورقة إذاً ليست مجرد وسيلة لكتابة النصوص أو توضيح الصور، بل هي شيء قائم بذاته، إذ لا يمكن الشعور بقيمتها بالنظر إليها وحسب، بل يجب أن تلمَسها كذلك. الورق الياباني التقليدي هو أشبه أكثر بكونه رمزاً حيوياً للحرفة اليابانية التقليدية في أوج صورها، وهي فخمة، وشاقة، ومفيدة، وتتميز ببساطتها الريفية البدائية.

التناقض بين الحداثة والتراث في اليابان / istock
التناقض بين الحداثة والتراث في اليابان / istock

تناقض في الثقافة

إنَّ التناقض الكبير في ثقافة الورق في اليابان يكمن في أنَّ البلد كان أيضاً من أوائل المصنعين للتكنولوجيا العالمية، خاصة بتأسيس شركة Sony عام 1946 (التي كانت تسمى في الأصل شركة هندسة الاتصالات في طوكيو)، وهي شركة يمكن وصفها بأنَّها رائدة في هذا المجال بصفتها واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا.

وبعد أن كانت اليابان رائدة في صناعة الورق، أصبحت أيضاً موقعاً للتطورات الحيوية الأخرى. إذ ظهرت أول أجهزة التسجيل الصوتية التجارية وأجهزة راديو الترانزيستور هنا في الخمسينيات، وفي عام 1966، حوَّل مبنى Sony الكائن في حي الأعمال القديم في طوكيو، غينزا، مظهر المدينة الحديثة بصورة أكبر بأن أصبح المثال الأول على "الهندسة المعمارية الخاصة بمباني وسائل الإعلام"، بواجهته التي تعرض مقاطع الفيديو، وهو تطور للشاشات قد يكون حتمياً في بلد كان رائداً في هذه التكنولوجيا عندما كانت لا تزال مجرد إشارات منتظمة.

ويكمن جزء من المفارقات، في أنَّ أول شبكة خلوية كانت أيضاً يابانية، إذ أطلقتها شركة Nippon Telegraph and Telephone عام 1979. وقد يكون هذا هو أحد العوامل التي ساعدت في الاختفاء التدريجي طويل الأمد للطباعة في جميع أنحاء العالم، ولكن في بلد تمتد فيه جذور الورق إلى أعماق سحيقة، لا تزال المواد المصنوعة من الورق في كل مكان اليوم، حتى عندما لا يكون الورق بحد ذاته ظاهراً.

مثلما هو الحال في العديد من الأماكن في العالم، يتفقد الناس في اليابان هواتفهم النقالة باستمرار أثناء وجودهم في مترو الأنفاق. لكن التقاليد البعيدة قليلاً عن التكنولوجيا لم تلقَ تجاهلاً أو إهمالاً. إذ تتجلى الروح نفسها التي ما زالت مستمرة في صناعة الورق الياباني التقليدي الجميلة في الصمود الغريب في مقاهي meikyoku kissaten "مقاهي الروائع" حيث يجلس الناس ويستمعون إلى الموسيقى الكلاسيكية على الفونوغرافات القديمة. وهي تشبه إلى حدٍّ كبير حانات أقراص الفونوغراف الأكثر شهرة التي يرتادها الكثير من الناس -الحانات الصغيرة التي تجذب عشاق الموسيقى، التي تملأ المئات منها الشوارع والأزقة الخلفية في طوكيو- وهي تعكس تقديساً لأداه وليس فقط ما يخرج منها.

عصر الحوسبة هل ينسينا الورق؟

في عصر تصاعدت فيه بحدة حوسبة ورقمنة كل شيء في الأثير غير الملموس، قد يكون من الصعب تذكُّر أنَّ هذه الورقة، أيضاً، مجرد أداة أيضاً، إذ أنَّها بمثابة جهاز إرسال لشيء مكتوب أو مطبوع في الماضي. أو بتعبير أفضل، تصوُّر أنَّ استبدال الورق بشاشات رقمية هو مجرد الانتقال من وسيط إلى آخر أبسط من أن يراود خيالنا.

أدَّت الرقمنة إلى حدوث تغيير ليس فقط فيما نشاهده ونشعر به ولكن فيما نتحكم فيه. إنَّ عالم وسائل الإعلام الجديد، وهو ما تسميه المنظّرة اليسارية جودي دين "رأسمالية التواصل"، موحَّد بطريقة لم يكن ليتصورها أكثر خبراء الكفاءة خيالية. إذا استطاعت آلاف العائلات أن تصنع بنفسها أوراقها الخاصة يوماً،  فالآن لا يوجد سوى عدد قليل من الشركات الاحتكارية التي تُنشئ أغلب شبكات التواصل التي نستخدمها في التواصل اليوم، وجميعها تقريباً تعتمد على البيانات بطريقة لا يمكن استخدامها مع الحروف مطلقاً.

إنَّ الولع بالوسائط مثل ذلك الخاص بصناعة الورق الياباني التقليدي هو شعور بالحنين من جهة، واتضاح للرؤية من جهة أخرى: إذ أنَّ الورقة تحمل بصمة، من الصانع والمستخدم في نهاية المطاف، بطريقة لا يمكن لأي جهاز رقمي اتباعها. لهذا السبب، تمثِّل هذه الأوراق البيضاء المصنوعة من الألياف مقياساً للزمن المنقضي، وإحساس الذات بأننا نخسر دائماً في اندفاعنا المتهور نحو المستقبل.

علامات:
تحميل المزيد