الرقص الشركسي والموسيقى حملا هوية أمة وحفظا تاريخها.. من لا يعرف الرقص لا يعرف القتال
الثلاثاء, 23 أكتوبر 2018

من لا يعرف الرقص لا يعرف القتال، الرقص الشركسي والموسيقى.. حملا هوية أمة وحفظا تاريخها

عربي بوست

“من لا يعرف الرقص، لا يعرف كيف يحارب” هو أحد الأمثال الشعبية التي توضح قدسيّة الرقص الشركسي لدى الأديغيين.

وتظهر بعض الرقصات شخصية المحارب الشركسي، في حركات تشبه حركات الفروسية العنيفة، مع حركات إيمائية لاستخدام الأسلحة، كما يظهر الجانب الإنساني للشركسي في رقصه حيث يظهر أحاسيسه بأسلوبٍ بسيط.

الرقص الشركسي والموسيقى والغناء

ارتبط الشركس بالموسيقى والغناء والرقص منذ فترات بعيدة وقبل دخولهم الإسلام، أثناء عبادتهم الوثنية لرموز الطبيعة.

فكانت الرقصات عادة تُعقد في حلقات حول المراكز المقدسة كبعض الأشجار أو أماكن ضرب الصواعق.

ظهرت في تلك الآونة بعض الأهازيج والصلوات الوثنية لتتماشى مع الرقصات، وتقدس بعض الأحداث كتقديم الأضاحي، واندلاع البرق.

كما أصبح هناك أغنية ورقصة مخصصة لكل حدث مقدس كظاهرة البرق مثلاً كان لها أغنية ورقصة جماعية مخصصة لها.

Social Media/ جوغ شركسي

مع ظهور فترة الاعتقاد بالآلهة لدى الشركس، نشأت أدعية وصلوات جديدة مخصصة للآلهة.

واشتهر الإله «آميش» راعي الرعاة وحامي الأغنام بالغناء والعزف على الناي السحري والبوق للسيطرة على قطعان الماشية، أو لنشر الخصوبة في الأرض الجرداء التي يمر بها.

وتوارث الشركس بعض الأغاني والمعزوفات المنسوبة لآميش كمعزوفة لحن الراعي.

في تلك الآونة ظهرت الكثير من الأغاني الخاصة بالصحة كتضرّعات للإله سوزرش Sozeresh، وكان يرددها أقارب المريض حول سريره التماساً للشفاء.

كما كانت هناك أغان تغنى للنساء وقت الولادة، وأغان أخرى للمرضى والجرحى؛ لاعتقادهم بأنها تمنع الأرواح الشريرة الموجودة قرب المرضى بالاستيلاء على أرواحهم أثناء النوم.

فكانوا يرددونها بأصوات مرتفعة لمنع المريض من النوم.

وتطورت الأغاني والرقصات الشركسية فيما بعد لتصبح هدفها التسلية والاحتفال بعيداً عن الشعائر والاتجاهات الدينية.

فعلى سبيل المثال كانت رقصة الوج في البداية أكثر الرقصات قداسة، ويشكل فيها الراقصون دائرة حول الكائن أو الشيء المقدس، ولكنها تطورت فأصبحت رقصة للمناسبات والسهرات.

أنواع الرقصات الشركسية!

هناك عدة أنواع من الرقص الشركسي وتختلف تسميتها بين القبائل الـ 12، ولكن أشهرها، هي رقصات (القافا، الووج، شاشان).

وكل من هذه الأقسام يتفرع في نفسه إلى جملة أنواع وأصناف: فالقافا والججن هما الرقص بين شاب وشابة وجهاً لوجه أو في دائرة، ويدور هذا الرقص على أنغام البشنة (الأكورديون).

وعادة ما تقود شابة من الحاضرات الموسيقى، ويتحتم على الرجل الراقص أن يتتبع حركات مراقصته دون ملامسة وأن ينسجم معها بخفة ورشاقة.  

وتُعرف حلقة الرقص الشركسية باسم الـ»جوغ»، ويمثل مكان وقوف الشاب رمزية موقعه في الحياة والمجتمع، كما يعتبر دليلاً على شرفه وكبريائه.

لذا تجد الشاب يظهر كل ما لديه من جمال سواء للروح أو الجسد أثناء الرقص في الجوغ.

كما يعتبر الرقص «رسول» الشاب الذي يحدث الفتاة عن مكانته وسلوكه في المجتمع.

لا يقتصر الأمر على الشاب فقط، فمكان الفتاة في الجوغ يرمز أيضاً لموقعها وسط عائلتها ومجتمعها، والاحترام الذي تحظى به في بيئتها.

وتؤدِّى في الجوغ الرقصات تباعاً وبترتيب متسلسل، فلا تجد رقصة تسبق الأخرى فتبدأ بالقافا، وتتبعها الشاشان، فالزغالات ثم الووج ويعتبر هذا الترتيب تطوراً للعلاقة العاطفية بين الشاب والفتاة.

Social Media/ رقص شركسي

القافا.. رقصة الأمراء

تبدأ حلقة الرقص الشركسي الجوغ برقصة القافا السريعة نسبياً، ولكن خطواتها بدائية تشبه المشي الطبيعي.

يطلق على رقصة القافا اسم رقصة اللقاء الأول وهي الرقصة المحببة لدى الشباب، وتوضح الجانب الأرستقراطي للشخصية الشركسية، ويظهر فيها كبرياؤه ونبله وعزة نفسه، لذا من الممكن أيضاً ان نسميها رقصة الأمراء.

وفيها يشاهد الشاب الفتاة لأول مرة ويتعرف عليها، ويدور كل منهما حول بعضهما البعض، بحيث يكون كل منهما على يسار الآخر قبل بدء الرقص.

خلال الرقص ينظر الشاب إلى الفتاة، ولا يحرك عينيه بعيداً عنها، وكذلك الفتاة تبدي اهتمامها بالشاب دون النظر مباشرة إلى عينيه.

ويرتدي الشاب لباس الفروسية، والفتاة ترتدي ملابس أنيقة ومحتشمة في آن واحد.

وخلال الرقص يقترب الشاب من الفتاة قليلاً ثم يتراجع وهي ترافقه في ذلك أيضاً، ويحرك الشاب ذراعيه مع صوت الموسيقى دون أن يهتز كتفيه.

وتتحرك الفتاة بتناسق وتناغم مع حركات الشاب دون اهتزاز كتفيها أو أجزاء أخرى من جسدها سوى اليدين.

وتنتهي الرقصة بإلقاء التحية المتمثلة في وضع الشاب لذراعه اليمنى على صدره، في حين تضع الفتاة يديها على بعضهما.

Social Media/ رقص شركسي

الشاشان.. التدرج العاطفي والقوة الجسدية

هي رقصة نشطة وحديثة نسبياً، وتم تكييفها مع أشكال الرقص القديم.
ويظهر فيها الشركسي قوته الجسدية، ومدى تحمله، وتعتبر رقصة وجدانية، وتأتي في التسلسل بعد القافا لتظهِر التدرج العاطفي.

وتمتاز هذه الرقصة بخفة الحركة والرشاقة، والسرعة.

في هذه المرحلة يكون كل من الشاب والفتاة قد تعرفا على بعضهما البعض، وعندما يلتقيان يقابل الشاب الفتاة بسعادة، ويرافقها إلى الجوغ.

وينتقل الشاب في هذه الرقصة إلى الحديث عن مشاعره وأحاسيسه، وتبدأ الرقصة في دائرة واسعة، ثم يضيقها الشاب والفتاة تدريجياً ليلتقيا في المنتصف ثم يبتعدان مرة أخرى. ويتماشى أسلوب رقصة الشاشان مع الأسطورة الشركسية حولها، والتي تقول بإن أحد شباب الشركس كان يفكر في محبوبته أثناء استلقائه على الأرض وموجهاً نظره للسماء.

وأثناء تفكيره رأى نسرَين في السماء يدوران في دائرة واسعة وتصغر تدريجياً ثم تتسع مرة أخرى، ومن هنا استمد تلك الرقصة للتعبير عن مشاعره لمحبوبته.

لذا من الممكن أن يطلق عليها رقصة النسر،  ومن الممكن أن تؤدى الرقصة بصورة منفردة، أو زوج من الراقصين، أو مجموعة.

رويترز/ رقص شركسي

رقصة الزغالات والحب

في هذه الرقصة يشعر الشاب بنشاط وانتعاش روحي محاولاً إيجاد كل الطرق للتعبير عن مشاعره، ونرى هنا تنوعاً في الحركات والخطوات أثناء الرقص.

ويحاول الشاب خلال هذه الرقصة لفت نظر محبوبته وإظهار حبه من خلال أداء حركات سريعة في الجوغ، وينتقل بعدها إلى خطوات جانبية مبتعداً عن محبوبته تارة، ومقترباً منها تارة أخرى.

أما الفتاة فتكون حركاتها متناسقة مع حركات الشاب، ولكن عاطفتها أكثر تماسكاً.

تعتبر رقصة الزغالات أو كما يطلق عليها البعض رقصة الحب، من أصعب الرقصات وأعقدها وأسرعها، ومن أكثرها إجهاداً حيث يستخدم الشاب رؤوس أصابعه للوقوف عليها.

في كل الرقصات السابقة التي ذكرناها من المعيب على الشاب أن يلمس الفتاة حتى لو عن طريق الصدفة، كما لا يمكنه لمس طرف ثوبها، أو التحدث إليها، فكل ما يمران به يكون عبر الحركات الراقصة والنظرات فقط.

إلا أن هناك رقصة واحدة يسمح للشاب الإمساك فيها بيد الفتاة والتحدث إليها وهي رقصة الووج.

Social Media/ رقص شركسي

رقصة الووج.. من أقدم الرقصات الشركسية

تأتي رقصة الووج على قمة هرم الرقصات الشركسية، ويطلق عليها رقصة الوفاق، وتؤدى بعد الرقصات السابقة.

وتعتبر رقصة الووج من أقدم الرقصات الشركسية، وكانت في بادئ الأمر رقصة دينية لعبادة وتقديس الآلهة، وأحياناً رقصة وظيفية تقام في فترات معينة.

كما كانت تمارس في المناسبات الحزينة والسعيدة على حد سواء.

من أنواع رقصة الووج القديمة؛ «سبله ووج» وكانت مخصصة لإله الرعد والبرق، و»تحاشخوا وودج» وهي رقصة كبير الآلهة، و»الووج خشت» وكانت مخصصة لعملية فصل القمح عن سنابله.

الآلات الموسيقية الشركسية.. الشيكابشينكا

لكل آلة من الآلات الموسيقية الشركسية أسطورة تؤرخ نشأتها، فوفقاً للأسطورة الشركسية، فإن آلة الشيكابشنا آلة مقدسة استمدت قداستها من شجرة الجوز التي تصنع الآلة من خشبها، وتنتقل قداستها لمن يعزف عليها.

والشيكابشنا هي آلة وترية طويلة لها وتران من شعر ذيل الحصان، ولها شكل مغزلي.

جسم الآلة مكور، أو مغزلي، أو بيضاوي، ولكن يجب أن يكون من نفس قطعة الخشب وغير مقسم إلى أجزاء ملتصقة ببعضها.

وكان لآلة الشيكابشنا مكانة مميزة لدى الشركس خاصة في الأعياد، إذا كان يتم دعوة 12 عازفاً يتناوبون العزف على الآلة.

إذ كان يعتقد قديماً أن صوت آلة الشيكابشينا تمد الروح بالصبر والهدوء فكانوا يكثرون من عزفها بجانب المرضى.

القاميل

أما عن نشأة آلة الناي الشركسي «القاميل» فتقول الأسطورة إن أحد الرعاة كان يقود قطيعه وسط السهول، فسمع صوت عزف.

وأراد معرفة مصدره فتتبع الصوت إلى أن عثر على بعض من نبات القاميل القصبي وبه بعض الثقوب حفرتها الديدان، وعندما يدخلها الهواء يصدر صوت العزف.

عدّل الراعي عود القاميل، وجعله يصدر صوتاً أفضل، وهنا ظهر الناي الشركسي أو القاميل.

القاميل عبارة عن أنبوب طوله من 60 إلى 70 سم، وبه 3 أو4 فتحات من الأمام عند نهايته، ويسمى عازفها قاميلابشا.

وكان يصل عدد هؤلاء العازفين خلال الحفلات الراقصة الشركسية حوالي 12 عازفاً يتناوبون للعزف، وكانوا يعاملون بحفاوة ويُقدم إليهم الكثير من الطعام والشراب. 

البشنة

تعتبر البشنة «الأكورديون» الأداة الرئيسية للشعراء حتى منتصف القرن التاسع عشر.

وتعد أحد رموز السعادة في الأفراح والمناسبات السعيدة، ولا تجد عرساً شركسياً دون عزف الأكورديون الشركسي.

تتنوع أشكال الأكورديون الشركسي فمنه ذو كبسات دائرية بصف أو صفين متوازيين، ومنه من تكون كبساته على شكل أصابع ضيقة، ونوع آخر كبساته أصابع بيضاء اللون فقط.

ووضع الشركس الأوتار بين شعبتي الغصن لصنع آلة البشينا دكواكوا «القيثارة الآرفا الشركسية»، وكانت مخصصة للفتيات، فلو صادف عزفها عليها وجود أحد الوجهاء لا يعتبر عيباً، ولا ينتقدها أحد.

وتشبه البشينا دكواكوا القيثارة ولكن لها 24 خيطاً مصنوعاً من شعر الحصان الناعم المتشابك، وكانت تتواجد في العادة لدى الطبقات العليا.

خلال حروب الشركس مع الإمبراطورية الروسية في القرن الثامن عشر، استخدمت الموسيقى والأغاني الشركسية من أجل توثيق التاريخ، وحملت اسم أغاني المقاومة، وبعد التهجير نشأت المرثيات التي تؤرخ المجازر وعمليات التهجير وما بعدها.

 الأغاني و الموسيقى الشركسية في ملاحم نارت «ساوسروقة وستناي»

تقسم الأغاني الشركسية إلى أغنيات بطولية لسرد البطولات، وأخرى لتأريخ الأحداث، وأغنيات ارتبطت بالطقوس الشعائرية، كما توجد أغان غرامية، وأغان وظيفية تغنى في موسم الحرث والحصاد، وأغان للزواج.

وكان هناك نوع خاص من الأغاني الملحمية المخصصة لوصف الآلهة ورموز الأساطير بعيداً عن التضرع والابتهال.

ونشأ منها نوع خاص يعرف بأغاني ملاحم نارت، وتعتبر من أقدم الأغاني الشركسية وترتبط بالحكايات البطولية، والأخلاق الفاضلة كالصدق والشجاعة والنضال ضد الظلم.

تحتوي أغاني ملاحم نارت قصصاً متعددة، وتعتبر انعكاساً للطابع القومي للشركس وكل سكان شمال القوقاز، فكانت بمثابة مستودع للحكم الشعبية، وحافز للأعمال الجيدة. فأبطال النارت لم يكونوا محاربين شجعاناً ومزارعين مهرة فقط، بل كانوا راقصين، وموسيقيين، ومغنين مهرة.

شملت أغاني النارت العديد من المواضيع كحب الوطن، والشجاعة في الحرب ضد الأعداء، ومساعدة الضعفاء، والدفاع عن المظلوم.

شملت أغاني ملاحم النارت تجسيداً لبطولات بعض أبطال الأساطير مثل «ساوسروقه» وأمه «ستناي».

كما كان للمرأة مكانتها في أغاني ملاحم النارت، فكانت معلمة للأبطال، وأماً محبة، وزوجة مخلصة، ومن أفضل القصص الغنائية تلك التي تحدثت عن ستناي التي جسدت دور المرأة الحكيمة الوفية الصامدة أمام الصعاب.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
من لا يعرف الرقص لا يعرف القتال، الرقص الشركسي والموسيقى.. حملا هوية أمة وحفظا تاريخها