نصب فخاً لأعز أصدقائه وصنع خطة بارعة شعارها: «أنا ومن بعدي الطوفان».. القصة الكاملة لإحكام محمد علي سيطرته على مصر
الجمعة, 19 أكتوبر 2018

نصب فخاً لأعز أصدقائه وصنع خطة بارعة شعارها: «أنا ومن بعدي الطوفان».. القصة الكاملة لإحكام محمد علي سيطرته على مصر

عربي بوست

«أنا ومن بعدي الطوفان» كان هذا هو الشعار الذي استخدمه محمد علي في خطته لإحكام قبضته على السلطة في مصر.

لم يكن أحد يتخيل أن محمد علي ابن مدينة كافالا -الضاحية المجهولة من مقدونيا- الذي أتى إلى مصر مطلع القرن التاسع عشر ضمن جيش السلطان العثماني؛ من أجل طرد الاحتلال الفرنسي، سيصبح خلال 10 سنوات فقط سيد مصر الأوحد، ليؤسس بعدها إمبراطورية تضاهي إمبراطوريات العالم العظمى في ذلك الحين.

بالطبع، لم يكن الطريق سهلاً؛ فالوصول إلى مقعد الوالي في قلعة القاهرة ثم الحفاظ عليه، تطلب قيام محمد علي بعشرات المؤامرات والحيل التي راح ضحيتها أصدقاؤه وأعداؤه على حد سواء، ليستحق لقب سيد الحيلة والمكر بكل جدارة.

كيف كانت مصر حين وصلها محمد علي؟

وصل محمد علي إلى مدينة الإسكندرية في مارس/آذار 1801، كجندي مغمور وسط 6 آلاف جندي عثماني جاءوا إلى مصر بصحبة حلفائهم الإنكليز لطرد الفرنسيين الذين كانوا قد سيطروا عليها عام 1798.

ونجح التحالف سريعاً في طرد جيش نابليون بونابرت، لكن ذلك لم يقضِ على الاضطرابات التي كانت مشتعلة في البلاد؛ بل عززها، فكل فرقة كانت تسعى للحصول على نصيبها من الغنيمة: مصر.

كان للإنكليز أطماع في مصر، لكنهم كبحوا جماحها خوفاً من السلطان العثماني ومن عودة الفرنسيين إليها، فسلموا مصر إلى الأتراك وتركوها في مارس/آذار 1803، مصطحبين معهم محمد الألفي أحد بكوات المماليك الكبار؛ على أمل أن يستخدموه في المستقبل لخدمة مصالحهم.

منظر عام لمصر خلال فترة حكم محمد علي

وسعى العثمانيون لاستعادة سيطرتهم على مصر، البقرة الحلوب التي كانت تدر لهم الكثير من الخيرات في الماضي. لكن الأمر كان عسيراً للغاية، فمن جهة كان بكوات المماليك يسيطرون فعلياً على مصر العليا والوسطى، وسلطة الوالي العثماني كانت شبه محصورة في القاهرة، ومن جهة أخرى كانت الانقسامات تعصف بالجيش العثماني الذي يتكون من خليط غير متجانس من الألبان والأتراك والنوبيين.

أضعفت الحملة الفرنسية المماليك كثيراً، لكنها لم تنه وجودهم، فتركتهم رقماً صعباً في المعادلة المصرية؛ لا يستطيعون الحصول على السلطة بشكل شبه كامل ولا يتركونها لقمة سائغة في فم العثمانيين.

يضاف إلى هذا التناحر الداخلي بين قادتهم عثمان البرديسي وإبراهيم المجرب ومحمد الألفي، لانتزاع ما تبقى من ثروات مصر، وهو الصراع الذي دفعهم للاستعانة بآلاف من البدو، بعدما منع الباب العالي في إسطنبول جلب العبيد الموريسكيين والشراكسة إلى مصر.  

فاقمت هذه الصراعات من معاناة الشعب المصري، الذي أثقلت كاهله الحروب الداخلية والخارجية، ونهب الجنود العثمانيين والمماليك أموالهم، بجانب الضرائب التي كانت لا تتوقف في أي وقت؛ بل كانت تزيد في أوقات الأزمات بدلاً من أن تقل.

الطريق إلى القلعة: مع الكل ضد الكل

هناك قاعدة واحدة بسيطة حكمت تحركات محمد علي هي: أنا ومن بعدي الطوفان. وانطلاقاً من هذا المفهوم، تحالف محمد علي مع ألد أعدائه حين كان في تحالفه معهم مصلحة له، وخان أصدقاءه حين كان في خيانته لهم مصلحة له، كان كل هذا جرى بأريحية كبيرة؛ لأنه ببساطة لا يوجد أصدقاء ولا أعداء دائمون من وجهة نظره.

كانت البداية مع طاهر باشا قائد محمد علي وجميع القوات الألبانية في مصر، الذي صعد إلى كرسي القلعة بعدما قاد تمرد الألبانيون ضد الوالي خسرو باشا بسبب تأخر رواتبهم، ونجح في إجبار الوالي على الفرار إلى دمياط، وجلس محمد علي يشاهد قائده ورأسه تُقطع وتلقى من نافذة القلعة، على يد الجنود الإنكشاريين بعد 3 أسابيع فقط من توليه السلطة؛ من أجل أن يتولى هو قيادة القوات الألبانية.

بعد مقتل طاهر باشا، سمح محمد علي للمماليك أعداء العثمانيين بدخول القاهرة، وتحالف مع قائدهم عثمان البرديسي لمواجهة التحديات القادمة، التي كان أولها إرسال الباب العالي والياً جديداً يدعى الطرابلسي، وبفضل هذا التحالف لم يدم حكم الطرابلسي سوى أيام، وبعدها حاصر المماليك القلعة وأنذروه بترك العاصمة خلال 24 ساعة وهو ما حدث.

محمد علي سيطر على مصر شعار أنا ومن بعدي الطوفان

بفضل هذا التحالف أيضاً، تمت الإطاحة بخسرو باشا، الذي أراد أن يستغل حالة الفوضى في العاصمة لاستعادة سلطته، وقرر الزحف بجيش من دمياط إلى القاهرة، لكن محمد علي والبرديسي تحركا سريعاً وهزماه واحتلا دمياط، ثم أرسلاه مكبلاً إلى سجن القلعة في القاهرة.

التغلب على الوالي الجديد

ثالث التحديات كان إرسال السلطان العثماني والياً جديداً يدعى علي باشا الجزائري ومعه قوة عسكرية للسيطرة على الأوضاع في مصر، لكن محمد علي والبرديسي نصبا له فخاً وقبضا عليه ثم قطعا رأسه.

رأى الإنكليز أن الوضع في مصر ملائم لإعادة محمد بك الألفي من أجل السيطرة عليها وحماية مصالحهم، لكن ما إن وصل الرجل إلى الإسكندرية، حتى نصب محمد علي والبرديسي كميناً لأنصاره وأجبراهم على التفرق، ونجا الألفي من الوقوع بالأسر في اللحظة الأخيرة، وفرّ إلى مصر العليا (الصعيد).

بعد كل هذه المعارك التي خاضاها معاً، اعتقد البرديسي أن تحالفه مع محمد علي سيدوم إلى الأبد بعدما أقسما على الأخوة المتبادلة، وذهب بهما الأمر لحد أنْ جرح كل منهما يده ومص دم الآخر، كما يقول الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار«، لكن محمد علي كان يرى أن الوقت قد حان للتخلص من منافسه الأكبر، فقدمه إلى الواجهة للتعامل مع غضب الشعب من سوء الأوضاع وغضب الجنود من انقطاع الرواتب، فاضطر البرديسي إلى مصادرة بضائع التجار وفرض ضرائب جديدة، ما أثار عموم المصريين فثاروا على المماليك.

ترك محمد علي حليفه يسقط في الحفرة التي حفرها له بيديه، ووزع جنوده الألبان في أنحاء العاصمة وأمرهم بمنع جنود المماليك من الاعتداء على المصريين، ثم دافع عن العلماء ووجهاء العاصمة أمام البرديسي، مؤكداً أن الحكومة هي التي يجب عليها دفع رواتب الجند وليس الشعب المصري، وهكذا أصبح محمد علي بطلاً وحامياً لحقوق المصريين.

تحرك المرتزقة الألبان، بتدبير من محمد علي، للاحتجاج على انقطاع رواتبهم، وبدأوا في الاعتداء على المماليك، فذبحوا المئات منهم ثم حاصروا قصور البكوات، وعلى رأسهم قصر البرديسي، الذي اضطر إلى الفرار من العاصمة إلى الصحراء.

السيطرة على العاصمة

أصبح محمد علي سيد العاصمة بشكل فعلي، لكنه أبى أن يتقدم إلى كرسي الوالي، فأخرج خسرو باشا من سجنه ونصبه حاكماً، في حركة مسرحية انتهت خلال أيام، بعدما احتج علماء ووجهاء مصر على هذا القرار، ثم أرسل محمد علي بعدها إلى الباب العالي في إسطنبول ينصح بتعيين حاكم الإسكندرية خورشيد باشا والياً لمصر، وهي نصيحة لقيت قبولاً لدى السلطان، فتم ذلك.

سريعاً حاصرت الأزمات خورشيد باشا من كل اتجاه: المماليك يغيرون على مناطق قريبة من القاهرة، والبدو يعيثون فساداً في مصر السفلى مستغلين غياب الأمن، والجنود الألبان يطالبون برواتبهم المتأخرة ويهددون بالعصيان ويرفضون تنفيذ طلب السلطان العثماني بالعودة إلى بلادهم، ولمواجهة هذه التحديات جلب خورشيد ميليشيا من الأكراد المعروفين بشراستهم يدعون «الدلهيون» أي المجانين، لكنهم عاثوا فساداً في العاصمة فأثاروا غضب السكان.

محمد علي باشا

حاول خورشيد باشا إبعاد محمد علي عن مصر فاستصدر له مرسوماً من الباب العالي يقضي بمنحه باشوية جدة، ويأمره بالتحرك إليها لقتال الوهابيين المتمردين، وقبِل محمد علي أمر السلطان، لكنه تلكأ في التنفيذ حتى تتفاقم أزمات الجنود والأهالي، ويصبح سقوط خورشيد باشا مسألة وقت.

استشعر علماء ووجهاء القاهرة، وعلى رأسهم نقيب الأشراف عمر مكرم وشيخ الأزهر الشيخ الشرقاوي خطورة الأوضاع، فقرروا إقالة خورشيد وتعيين محمد علي والياً، وهو ما قابله ابن مدينة كافالا بتمنع في البداية، لكنه رضخ لطلبهم ولبس العباءة، وهكذا: «توالت كل هذه الأحداث بإرادة الله وبحسابات محمد علي»، كما يقول الجبرتي.

مِن محمد علي إلى العلماء والوجهاء: لا أملك إلا السيف والانتقام

بعدما نجح العلماء والوجهاء في إقناع الباب العالي في إسطنبول بتعيين محمد علي والياً على مصر، اعتقدوا أن من حقهم أن يكون لهم امتيازات خاصة، وأن يشاركوه في إدارة أمور البلاد، لكن سرعان ما بدد الباشا أحلامهم عندما استتبت له الأمور قليلاً.

بدأ محمد علي باشا عام 1808 في التخلص من نفوذ علماء ووجهاء العاصمة، فوضع يده على الأوقاف المخصصة للمساجد والمؤسسات الخيرية، وهي خطوة لم يجرؤ أي والي سابق على أن يتخذها، حتى إن الفرنسيين المحتلين لم يقربوا هذه الأوقاف؛ خوفاً من غضب المتدينين، وكان هدف الباشا من هذه الخطوة تجفيف المعين الذي يحصل منه هؤلاء العلماء على أموالهم.

اشتعل العلماء غضباً وعُقدت الاجتماعات في الأزهر لبحث الأمر، فكان رد الباشا: «اعقدوا المجالس وأطلقوا التحذيرات كما تشاءون، سأصغي لها بكل اهتمام ولن أدع مناسبة تمر دون أن أرضيكم، لكني لن أسمح بأي مظاهرة شعبية، ولن أرضى بأي تحريض على التمرد أو إثارة الاضطراب الشعبي أياً كان مصدرها، من جهة أخرى فأنا لا أخاف مطلقاً من هذه المظاهر العابثة، فإذا ما قام الشعب بالتمرد مثلما تقولون فلا أملك إلا السيف والانتقام».

استمرت المشكلة بعض الوقت، لكنها هدأت ثم حان أوان الانتقام من محركها، نقيب الأشراف السيد عمر مكرم، فلم يغفر للرجل مساهمته في وصول محمد علي إلى كرسي الوالي، فجُرد من لقبه وعُين الشيخ السادات بدلاً منه ثم نفي إلى دمياط.

وهكذا تخلص الباشا من الشخص الوحيد الذي يمكن أن ينازعه السلطة في نظر الشعب، والذي يملك ما يكفي من سحر الشخصية لتحديه وتأليب الشعب عليها، كما يقول الكاتب الفرنسي غيلبرت سينويه في كتابه: «الفرعون الأخير: محمد علي«.

مذبحة القلعة : الباشا يكتب الفصل الأخير في قصة المماليك

مع مطلع عام 1811، كان محمد علي باشا يستعد لتسيير حملة عسكرية بقيادة ابنه طوسون إلى أراضي الحجاز للقضاء على المتمردين الوهابيين، لكن كان يدور في باله أن ذهاب جيشه للحرب في مكان بعيد خطر على مملكته الوليدة؛ إذ -ولا شك- سيستغل المماليك -الذين لم يتوقفوا عن محاربته منذ توليه السلطة- هذه الفرصة لمهاجمته.

قرر الباشا أن يقضي على خطر المماليك بشكل نهائي، لكن الأمر كان يتطلب حيلة ذكية، فأرسل إلى جميع وجهائهم يدعوهم إلى الاحتفال بتنصيب ابنه طوسون على رأس القوات المتوجهة إلى الجزيرة العربية، ووقع المماليك في الفخ ولبوا دعوة الباشا، فحضر منهم 24 من البكوات و40 من كشافتهم (عملائهم المحليين) مرفوقين بنحو 400 رجل، في مواكب مهيبة يرتدون ثيابهم الفخمة الواسعة المصنوعة من الكشمير والحرير.

جلس المماليك فأكلوا وشربوا، وتبادل قادتهم الأحاديث الودية مع محمد علي، ثم قاموا جميعاً لحضور مراسم تعيين طوسون، وهو أمر تطلب أن يجتازوا بعض دروب القلعة حتى يصلوا ساحة الروميلة حيث ستجري المراسم.

تحرك الموكب يتقدمه حرس الباشا ثم المماليك وخلفهم فرقة عسكرية أخرى، ثم ما إن اجتاز حرس الباشا عتبة باب العذاب الذي يفتح على الساحة حتى تم إغلاقه وإغلاق الأبواب التي اجتازوها، ثم انهمر الرصاص من كل مكان من فوق الأسوار حيث يكمن الجنود الألبان، وهكذا قضى محمد علي بشكل شبه نهائي على أخطر التحديات التي واجهت دولته الوليدة.

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
نصب فخاً لأعز أصدقائه وصنع خطة بارعة شعارها: «أنا ومن بعدي الطوفان».. القصة الكاملة لإحكام محمد علي سيطرته على مصر

قصص ذات صلة