نعيش زماناً صعباً يستدعي كتباً جادة.. هكذا أصبح الكتاب «الدسم» ظاهرة ناجحة بعد اكتساح الروايات والخيال
الجمعة, 14 ديسمبر 2018
ثقافة

نعيش زماناً صعباً يستدعي كتباً جادة.. هكذا أصبح الكتاب «الدسم» ظاهرة ناجحة بعد اكتساح الروايات والخيال

فاجأ كتاب علمي «دسم» لا تزال مبيعاته مستمرة، الناشرين وأصحابَ المكتبات، بل والمؤلف نفسه، حتى أصبح ظاهرة تسبح عكس تيار الروايات الخيالية والمغامرات وتحقق أرباحاً ضخمة.

الكتاب هو Sapiens،  للأكاديمي الإسرائيلي يوفال نوح هراري، ونُشر في المملكة المتحدة في سبتمبر/أيلول 2014. وهو كتاب عميق يسبر أغوار تاريخ التطور للحياة على الأرض، ويصوِّر تطور البشرية من خلال فحص علمي لقدرتنا على التعاون باعتبارنا نوعاً من الكائنات.

حقق كتاب Sapiens مبيعات جيدة بشكل جيد فور النشر، لا سيما عندما نشره بنسخة الغلاف الورقي في صيف عام 2015. لكن ما يميز هذا الكتاب أنَّه لا يزال محافظاً على مبيعاته بأعداد كبيرة.

في أول سنتين ونصف من عمره، لم يبع الكتاب سوى 200 ألف نسخة أو يزيد قليلاً في المملكة المتحدة. ومنذ عام 2017، عندما نشر هراري كتاب Homo Deus ، الجزء الثاني من Sapiens، بِيعَت نصف مليون نسخة أخرى من كتاب Sapiens ليرسخ قدميه بقوة في قوائم أكثر الكتب مبيعاً (وبطبيعة الحال تجاوزت مبيعاته مبيعات الكتاب المتمِّم له Homo Deus).

أصبح كتاب Sapiens ظاهرةً في عالم النشر، ويعد نجاحه الجامح مؤشراً على اتجاه أوسع في عادات شراء الكتب: أي الطفرة التي طرأت على شعبية الكتب الذكية المثيرة للتفكير، من غير فئة الروايات، التي غالباً ما تكون كتباً عمرها عدة سنوات.

ولكن نجاح الكتاب لا يعتمد على جهود وأفكار الكاتب وحده، خلف الكواليس تكمّل جهود المحررين والناشرين الحلقة، وأخيراً وأكثرها أهمية متاجر الكتب نفسها، التي تستطيع أن تُحدث الفارق الأكبر في طريقة تقديم وعرض الكتاب أو وضعه على أحد الرفوف للنسيان.

الكتب الدسمة تتفوق على سير المشاهير

كانت مجلة The Bookseller البريطانية، المختصة في مجال النشر، أول من لاحظ صعود ما سمّته «قائمة الكتب القديمة الدسمة». كما سلطت الضوء على الانخفاض المتزامن في مبيعات الكتب التي كانت بمثابة عنصر أساسي في فهارس الناشرين، وهي كتب السير الذاتية للمشاهير.

إذ بدأت ذائقة القراءة العامة تأخذ منحنى يبتعد عن القصص المبهرة المنتشرة عن حياة المشاهير المليئة بالإسراف وذيوع الصيت، وأصبح القراء يتجهون نحو كتب أكثر جدية وأعمق وأكثر هدوءاً تساعد في فهم مكاننا من العالم.

تناول المحللون في مجلة The Bookseller البيانات الصادرة عن شركة Nielsen BookScan البريطانية، ووجدوا ارتفاعاً كبيراً على مدى السنوات الخمس الماضية في مبيعات الكتب القديمة من غير الروايات، وهي كتب غالباً ما تتناول موضوعات في السياسة أو الاقتصاد أو التاريخ أو الطب، وتحاول بلورة الأفكار الحالية عن الموضوع الذي تتناوله.

 

تغيّر الأجواء السياسية يؤثر على خيارات القراء

ولدى كيرا أوبرين، محررة البيانات والرسوم البيانية في مجلة The Bookseller، وأحد مؤلفي الدراسة الأولية، اقتناع بأنَّ مشهد صناعة النشر تغير على مدار السنوات القليلة الماضية.

تقول لصحيفة The Guardian: «من النادر أن تحوز الكتب من غير الروايات مبيعات بهذا الحجم. غالباً ما يحدث ذلك مع كتب الأدب والخيال عندما يكون هناك فيلم يُجسِّد قصة الكتاب، أو شيء من هذا القبيل، لكن القصة غير الروائية/ غير الخيالية تميل إلى أن تباع في الوقت الذي صدرت فيه بشكل عام. الآن يبدو وكأننا كسرنا هذا القالب».

ويواجه المجتمع البريطاني تحديات ومآزق جديدة كل يوم، بدءاً من صعود السياسات الشعبوية، ومروراً بأزمة المهاجرين، ووصولاً إلى التغير المناخي. ويرى مارك ريتشاردز، الناشر في مطبعة John Murray أنَّ العودة إلى المؤلفات الجادة من غير الروايات تشكِّل استجابة لروح العصر.

 ويوضح: «نعيش في عالم يبدو فجأة أقل يقيناً مما كان عليه حتى قبل عامين، ورد الفعل الطبيعي على ذلك هو أن يحاول الناس الاستزادة من المعرفة والاكتشاف حوله قدر الإمكان. الناس يتوقون للحصول على المعلومات والحقائق، وللاستكشاف الدقيق للقضايا من النوع الذي تكون الكتب مؤهلة لتوفير المعلومات بشأنها».

الفكرة التي يطرحها ريتشاردز هنا -فكرة أن الكتب تحتفظ بمكانة خاصة في الثقافة، ولها هالة تعني أن القراء يتجهون إليها قبل غيرها عند البحث عن حقائق عميقة حول العالم- تبدو حقيقية بشكلٍ خاص عند إلقاء نظرة في قائمة تلك الأعمال التي كانت شعبية باستمرار على مدار السنوات الأخيرة.

والسبب محاولة لفهم العالم غير المتزن

بيد أنَّ الصورة ربما تكون أكثر تعقيداً من مجرد توق يائس لأصوات يُحتكم إليها في وقت نعيش فيه أزمة. ترى كارولينا ساتون، المحامية لدى وكالة Curtis Brown ووكلية الكُتَّاب بمن فيهم ملالا يوسفزاي وأوليفر بولوغ وتوماس فريدمان، وجود عدد من القوى المختلفة التي تقود هذا التوجه الحديث في صناعة النشر.

وتقول: «هناك شيئان يحدثان في الكتب غير الأدبية الجادة المعاصرة. نشهد كلاماً منتشراً حول سعي الناس لاقتناء تلك الكتب كطريقة لفهم هذا العالم غير المتزن، ومن ناحية أخرى، لدينا جيل جديد من الكُتاب النشطاء الذين ينقلون قصصاً عن النوع الاجتماعي أو السياسة أو العرق بطريقتهم الخاصة. إذن لدينا تغير كبير عما كان يجري من قبل. تلك كتب جريئة، وتجديدية إلى حدٍّ بعيد ومشوِّقة للغاية، وعادة ما يسطرها كتابٌ شباب وتكون موجَّهة إلى القرَّاء الشباب».

وتكتب مجموعةٌ من الكتاب الشغوفين لأقرانهم من الشباب حول موضوعات كانت تبدو وكأنها تراجعت عن الأنظار، بعد فترة كان يلهث القراء فيها خلف القراءة عن الأشخاص أكثر من الأماكن والتاريخ.

لم يعد مقبولاً ألا يكون للإنسان رأي حول الموضوعات الكبيرة

أما الآن فتتطلب الأجواء الجيوسياسية أن يتخذ القراء مواقف، فلم يعد مقبولاً ألا يكون للناس رأي حول الموضوعات الكبيرة. مرة أخرى، يبدو أنَّ القراء يتجهون نحو الكتب التي تقدم لنا هذه الآراء، كتب غير أدبية مكتوبة من موقع ذي صوت مسموع.

كاد Sapiens يتصدر قمة قوائم موقع أمازون ككتاب ورقي وكتاب إلكتروني. ويندر وجود الكتب الإلكترونية لغير الروايات، إذ نميل إلى استخدام جهاز القراءة الإلكترونية (Kindle) لقراءة الروايات.

أمازون يلعب دوراً كبيراً في ترجيح كفة الكتب

من الواضح أنَّ من بين الأمور التي زادت من شعبية الكتب غير الأدبية نظام الترشيحات لموقع أمازون، الذي غالباً ما يوجّه القراء نحو كتب من نوع مشابه لما قرأوه أو اختاروه من قبل.

لذلك، أدى النجاح الذي حقَّقه كتاب Sapiens  إلى نجاح غيره من الكتب المشابهة، التي رشحتها حواسيب موقع أمازون، مثل كتب جارد دايموند ودانيال كانيمان وستيفن بينكر على سبيل المثال.

غير أن عمل جهة أخرى غير أمازون للترويج للكتب غير الأدبية هو العامل الذي ورد في الغالب على لسان العارفين بخفايا عالم النشر.

فهؤلاء هم القوة الرئيسية وراء هذا الاتجاه الأخير، وأهم هذه الجهات متجر الكتب Waterstones.

ومتاجر الكتب تعتبر الحلقة الأخيرة في سلسلة درب نجاح الكتاب.. أو عدمه

يقول مارك ريتشاردز: «إنَّهم يعرفون زبائنهم، ويعرفون أنَّ بمقدورهم إنجاح الكتب. كتاب Prisoners of Geography [من تأليف تيم مارشال، نُشر عام 2015] كانوا هم من صنع منه شيئاً يُذكر، رغم أنه كتاب صادر عن دار نشر صغيرة، ولم يحظَ ببالغ اهتمام حين نُشر في بادئ الأمر، لكنَّهم أدركوا قيمته وبراعته، وإلى أي مدى ساعد في تفسير الكثير مما يحدث في العالم الآن، وبمجرد أن يلقوا بثقلهم لدعم كتاب ما، غالباً ما يتَّبع سائر بائعي الكتب خطاهم».

شهد متجر الكتب البريطاني Waterstones تحولاً مذهلاً منذ تولى جيمس دونت إدارته عام 2011، وتحول من سلسلة متاجر خاسرة  مهمَلة، تتكدس على طاولاتها عروض لبيع ثلاثة كتب بسعر كتابين إلى 280 متجراً تحقق أرباحاً ضخمة، تقدم للقراء الكتب التي يريدونها بكل عناية.

والأهم من ذلك، أن متاجر Waterstones لا تقتصر على العمل مع الناشرين للترويج للإصدارات الجديدة، بل تغوص في قوائم المطبوعات السابقة القديمة، للبحث عن الكتب التي ربما تم تجاهلها، وتستحق جمهوراً أوسع.

كليمنت نوكس هو أحد مورّدي كتب التاريخ والسياسة غير الأدبية لدى متاجر Waterstones، ويشرح مدى قوة وتأثير العروض الترويجية التي تقدمها.

يقول: «جعلنا كتاب Prisoners of Geography  كتاب الشهر في صيف عام 2016.  في الأشهر القليلة الأولى استحوذ الكتاب على 90% من مبيعات السوق، ثم لفترة طويلة بعد ذلك كان يستحوذ على أكثر من 50%. والآن أقل بكثير، لأنَّ الجميع حصل عليه، وليس لدينا مشكلة في ذلك. إنَّه الكتاب الذي ألمحه أكثر من غيره حولي، عندما أكون في الحافلة أو في أي مكان، وأشعر أني بالغبطة الشديدة لأني أعرف أين بدأ الأمر».

إذا ما تحررت طبعاً من شروط وطلبات الناشرين

ويضيف: «سلك كتاب Sapiens  مساراً مشابهاً: انتشلته Waterstones من غياهب الجهالة النسبية، وجعلته «كتاب الشهر» في مايو/ أيار 2015 وساعدت في تحقيق نجاحه الأول. ثم، كما يقول نوكس، «انضم مؤلفون آخرون لقائمة أهل الحظوة هؤلاء. ولا يزال كتاب Sapiens  بالقرب من صدارة قوائم الكتب الأكثر مبيعاً لدينا. وهذا أمر رائع خصوصاً أنه نُشر منذ ثلاث سنوات. ولا يزال القراء يشترونه. وزاد لتوه من معدل حوالي 8000 كتابٍ في الشهر إلى 11000 كتاباً بعد أن حضر المؤلف إلى هنا للترويج لكتابه التالي».

يقول دونت إنَّ الكتب المدرجة في قائمة «كتاب الشهر» كان لها تأثير عميق في مشهد النشر. ومن أحد التغييرات الرئيسية التي أدخلها دونت على سلسلة المتاجر هو أنَّه، على عكس أقرانه في شركات أخرى مثل WH Smith، أوقف إمكانية أن يشتري الناشرون مكاناً لكتبهم في العروض الترويجية للسلسلة.

وبسبب هذا الأمر، تحررت Waterstones من هذه الأغلال، وباتت قادرة على تحمل المجازفة في عروضها الترويجية.

يقول دونت: «كتاب Sapiens ، على سبيل المثال، كان يمكن أن يُتوقع له بيع بضعة آلاف من المجلدات، وربما 5000 نسخة بغلاف ورقي. إنَّه كتاب قيِّم وضروري، ولكن ليس كتاباً تتوقع له أن يدخل في قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، ولن يدفع الناشر مطلقاً لتكديس هذا الكتاب أمام القراء. عندما توقفت Waterstones عن تلقي مقابل لوضع الكتب أمام الناس، أطلقت يدنا في إصدار أحكامنا الخاصة لبيع الكتب».

وتبقى الكلمة الأخيرة لتوصية الصديق محب القراءة

وأخيراً، تدور قصة كتاب Sapiens حول كتاب أصبح جزءًا من حوار وطني. يقول دونت: «الأشخاص الذين يحبون القراءة، يفضلون توصية الآخرين بقراءة الكتب التي قرأوها. لا سيما إذا كان الكتاب جيداً ومثيراً للاهتمام. لأنَّهم يحبون التناقش حوله. ولكن مع كتاب مثل Sapiens ، وهو كتاب عميق وربما واحدٌ من الكتب التي لا يتوقع لها تصدر قوائم الكتب الأكثر مبيعاً، ناهيك عن استمراره في تحقيق ذلك لسنوات متتالية، تحتاج إلى الحصول على عدد كافٍ من الناس لقراءته لإشعال هذا الاهتمام».

 

ويختم: «في وقت تتسم فيه السياسة بالتفكك والاشتعال أكثر من أي وقت مضى، وأصبحت فيه التكنولوجيا تحتل وجودنا اليومي، والطب يعيد تشكيل حياتنا، ما زلنا نلوذ بالكتب لنفهم العالم من حولنا، لنشعر بأننا جزء من جهد عظيم مشترك لفهم عصرنا. نعيش زماناً صعباً يستدعي كتباً جادة ودسمة تتحدى عقولنا للتفكير».

 

 

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
نعيش زماناً صعباً يستدعي كتباً جادة.. هكذا أصبح الكتاب «الدسم» ظاهرة ناجحة بعد اكتساح الروايات والخيال