الحرب دمرت منازلهم.. هؤلاء السوريون يتعلمون إعادة بناء ما دمره داعش والأسد
الإثنين, 10 ديسمبر 2018
ثقافة

الحرب دمرت منازلهم.. هؤلاء السوريون يتعلمون إعادة بناء ما دمره داعش والأسد

يقول أحدهم: إذا لم نفعل ذلك، إذا لم نقم نحن بذلك، لا أعتقد أن أي شخص آخر سيفعل.

عربي بوست، ترجمة

عشرات من الرجال والنساء تجمعوا فوق كتل من الحجر الجيري، ليعيدوا بحرص رفع الأبنية القديمة التي كانت يوماً ما تزين أوطانهم، بعد أن استحالت إلى ركام بفعل سنوات الحرب السبع، واعتداء تنظيم داعش على الثقافة والتاريخ.

فمن كانوا بائعي سيارات، وطلَّاباً جامعيين، وربات منازل في أماكن مثل حلب وحمص، يدرسون الآن فن ترميم الأبنية الحجرية شمال الأردن لبناء بيوتهم وتراثهم المعماري المدمر.

إعادة بناء سوريا المدمرة، بدأت في هذه المدينة الصحراوية الأردنية القاحلة، خطوة بخطوة وضربة بضربة، حسب وصف تقرير لموقع NBC News الأميركي.

تدمير شارك به كثيرون ولكن هناك من كان له النصيب الأكبر

ووجّهت اتهامات لأطراف النزاع في سوريا باستهداف المناطق الأثرية، خاصة تنظيم داعش، الذي فجع العالم بما فعله في العراق  سوريا.

وإضافة إلى التدمير الذي لحق بالمعالم الأثرية، وقعت عمليات نهب لآثار سوريا، حتى قبل ظهور تنظيم داعش، الذي جعل الآثار مصدراً رئيسياً لدخله، وأبلغت العديد من المتاحف السورية عن أعمال سرقة.

كما اتهم النظام باستهداف بعض المناطق الأثرية، مثل قلعة المضيق قرب مدينة أفاميا الأثرية بمحافظة حماة، التي لحقت بها أضرار كبيرة جراء القصف الكثيف للجيش النظامي السوري، وخاصة في أبريل/نيسان 2012، حين احتمى المقاتلون المعارضون بالقلعة، حسب موقع فرانس 24.

كما تورّطت المعارضة السورية بدورها في بعض انتهاكات بحق الآثار؛ إذ رصد على سبيل المثال في مسرح بصرى الأثري، وهو معلم آخر شهير من التراث السوري، شعارات للمعارضة السورية معلقة بالمكان، عندما كان المقاتلون المعارضون يتخذونه معقلاً.

محاولة لإحياء المعمار المزخرف الذي جعل مدنهم جواهر التراث العالمي

يُعلم برنامج تدريبي مدته عام واحد، أطلقه صندوق التراث العالمي ومقره بالولايات المتحدة الأميركية، والجمعية الوطنية للمحافظة على البترا في الأردن، اللاجئين السوريين كيفية إعادة بناء المواقع التراثية، والمعمار المزخرف الذي سبق أن جعل من مدنهم جواهر في تاج التراث العالميّ.

فرَّ ما يقرب من 6 ملايين سوري من بلادهم منذ 2011. وتأوي مدينة المفرق 84 ألف لاجئ سوري تقريباً. وبات عددهم الآن يفوق عدد الأردنيين بالمدينة.

ويعد لاجئو المفرق محظوظين من نواحٍ عديدة. إذ يقع مخيم الزعتري مترامي الأطراف شرق المدينة، في المكان الذي كان قبل سبع سنوات مجرد صحراء خاوية على عروشها.

المسجد الأموي بدمشق نموذج للزخرفة العربية الرائعة في سوريا

ويعيش في مساحته التي تبلغ 2 ميل مربع من المنازل البدائية ما يقرب من 80 ألف لاجئ. معظم الملاجئ بالمخيم عبارة عن أكشاك من الصفيح المموج، مغطاة بقطع من الأقمشة على السطح.

بدأ نظام الأسد في يونيو/حزيران هجومه الحالي على المسلحين بالمنطقة بمن فيهم هؤلاء التابعين لتنظيم داعش في محافظة درعا السورية شمال المخيم. ونزح أكثر من 230 ألف مدني حين اشتدّ القتال. ويرفض الأردن حتى الآن استقبال اللاجئين الجدد.

الهدف خلق جيل جديد من الحرفيين لاستعادة التراث الضائع

بدأت الدورة التدريبية في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بـ30 متدرباً، وارتفع العدد ليصبح الآن 45 متدرباً، بينهم 6 أردنيين. تتألف الدورة من عددٍ متساوٍ تقريباً من الرجال والنساء، في محاولة لسد الفجوة التقليدية بين الجنسين في مجال النحت.

يتحرك توني ستيل، معلم نحت الأحجار البريطاني السبعيني لدى صندوق التراث العالمي، بين طلابه بخفه ليقدم التشجيع، أو النقد في معظم الأحيان. قضى ستيل جلَّ حياته في بقاعٍ نائية من العالم يرمم القطع الأثرية. وأمضى 10 سنوات في سوريا قبل أن تجبره الحرب الدائرة هناك على الخروج.

وقال ستيل: «نحاول خلق مجموعة كوادر من الحرفيين الذين يمكنهم العودة إلى سوريا، ونقل مهاراتهم إلى الحرفيين غير المدربين، حتى يكون باستطاعتهم المشاركة بطريقة مجدية ويكون لهم نوع من التأثير في استعادة التراث المهدَّم عبر إعادة بنائه بأيدٍ سورية».  

وبعض أعمالهم تبدو كأنها جاءت من روما

يشير ستيل، وهو ينظر إلى قطعة خزفية يبدو وكأن مكانها الحقيقي روما وليس هذه الورشة التي يكسوها الغبار، ويقول إنها من أكثر تلميذٍ واعدٍ لديه، محمود رفيق القاسم.

وقال ستيل: «إنها رائعة حقاً»، ويضحك مضيفاً: «بها درجة من التمرس.. لكن ضع في اعتبارك أن هذا مجرد شاب كان لديه ورشة تجارة وبيع للأخشاب. لم يتلقَّ تدريبياً فنياً أو شيئاً من هذا القبيل».

حين سئل عن المدة التي قضاها في الأردن أجاب القاسم بسرعة بالتاريخ الدقيق الذي ترك فيه حياته في حمص، 15 إبريل/نيسان 2012. لمدة 6 سنوات، عاش على مرمى البصر من الحدود. في وقت آخر، كان بإمكانه الوصول إلى منزله على مسافة 4 ساعات بالسيارة. قال القاسم: «أريد أن أكون من أوائل الناس الذين يعودون إلى سوريا لترميمها. لأننا لو لم نقم نحن بهذا، لو لم نفعل هذا، فلا أظن أن أحداً آخر سيفعل».

وإلى أن يحدث ذلك، يركز القاسم على عمله.

وقال: «لديّ شيء ما بداخلي أحتاج لإخراجه، وأشعر أنني أرغب في تحقيق شيء ما. أشعر أن شيئاً ما في هذا الحجر يخصّني وينتمي إليّ».

القلعة التي بناها صلاح الدين الأيوبي تنظر لبلادهم

ليس كل الطلبة على نفس قدر موهبة القاسم. لكن ما يتقاسمونه هو التفاني. يومياً من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الواحدة مساءً، يبدلون بين ممارسة النحت، والفصول الدراسية في الهندسة، والهندسة الأساسية، وتاريخ العمارة الإسلامية. ومن حين لآخر، يقومون بزيارات ميدانية إلى العديد من المواقع الأثرية المنتشرة في الأردن.  

بيت الآغا في حمص نموذج لفن العمارة العربية في سوريا

زارت المجموعة، في رحلة لها مؤخراً، قلعة عجلون التي تعود للقرن الثاني عشر. تقع القلعة التي بنيت في الأصل لتكون مركز مراقبة عسكرياً للسلطان صلاح الدين، على قمة واحد من أعلى التلال في المنطقة.

يقع وادي نهر الأردن والضفة الغربية إلى الغرب من القلعة. وتوجد الصحراء ومدرسة النحت في المفرق إلى الشرق. وباتجاه الشمال، وراء التلال، توجد سوريا.

وجودهم يمنع المعادلة الخطيرة.. هدم المباني المدمرة بدلاً من صيانتها

سارع ستيل إلى الإشارة إلى أن الخسارة البشرية في سوريا هي الأهم، فوفقاً للمرصد السوري لحقوق الإنسان، قُتل أكثر من 500 ألف شخص. لكنَّ الآثار هي التي جعلته يدرك هو وشريكه ستيفين باتل أن بإمكانهما تقديم المساعدة.

 وقال باتل، مدير برنامج صندوق التراث العالمي: «أصبح واضحاً أنه حتى إذا كان المال متوفراً، حتى لو كانت الرغبة موجودة للحفاظ على ما تبقى هناك، إن لم يكن هناك أناس لديهم ما يلزم من المهارة للقيام بهذا العمل فهو ببساطة لن يحدث».  

وأضاف: «سيكون من الأسهل هدم المباني المدمَّرة بدلاً من صيانتها».

ولكن في حلب الوضع مؤسف، فمن الأفضل لك ألا ترى جامعها الكبير

تملك سوريا ستة مواقع مدرجة في قائمة اليونسكو للتراث العالمي. تعرض كل موقع منها لضرر بالغ أو دُمر بالكامل، غير أن حلب كانت الأسوأ حظاً. انتهت دراسة حديثة أجرتها اليونسكو أن 60% من المدينة القديمة تضررت بشكل بالغ أثناء الحرب، ودُمر 30% منها بالكامل.

كانت عويش جبرا في الثانية والعشرين حين غادرت حلب عام 2012.  تتذكر الجامع الكبير، بساحته الرخامية اللامعة، والمئذنة الشاهقة. بحلول عام 2013، كانت أرض الساحة مغطاة بالحطام، بالإضافة للشقوق التي سببتها ثقوب الرصاص، والحروق السوداء جراء النار في الأروقة المحيطة. لم تعد المئذنة التي تعود للقرن الحادي عشر سوى كومة من الركام في زاوية.

المسجد الأموي الكبير في حلب قبل التدمير

وقالت إنك لو سبق لك أن شاهدت حلب قبل الحرب، فلا «تُتعب قلبك كثيراً» برؤيتها الآن.

ويقع المسجد الأموي الكبير في قلب مدينة حلب القديمة، في حي سويقة حاتم، وهو شبيه بالجامع الأموي في دمشق. بني المسجد سنة 706 ميلادياً، على يد الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك. أحرقه نقفور فوكاس ملك الروم عند اجتياح حلب، وكانت أشهر الحرائق التي تعرَّض لها على أيدي التتار، بعد اجتياحهم حلب تحت قيادة هولاكو.

وهذا هو حاله بعد التدمير

وفي مارس/آذار 2013، تعرّضت مئذنته للتدمير، وتبادلت الحكومة السورية والمعارضة الاتهامات حول المسؤولية عن هدم مئذنة الجامع الأموي الكبير في حلب، كما تعرضت أجزاء أخرى منه للتدمير إضافة إلى اختفاء متعلقات للرسول منه.

وكانت المئذنة فريدة من نوعها على مستوى المعمار، وقد وصف عالم الآثار إرنست هرتسفلد النمط المعماري للمئذنة بأنه نتاج حضارة البحر المتوسط.
وتشير المصادر السورية إلى أن ارتفاع المئذنة وصل إلى 54 متراً، ورممت وأدخلت عليها تحسينات أكثر من مرة، واعتبرت نموذجاً لتطور الهندسة في العهدين الأيوبي والمملوكي تحديداً.

ورغم استمرار القصف فإن هذه الحجارة أحيت هذا الأمل لديهم

يعترف ستيل أن برنامج التدريب مجرد قطرة في بحر الدمار الشاسع في سوريا. لكن حتى لو لم يعد الطلاب قريباً، تمنح الفصول شعوراً بالمسئولية وتضع روتيناً للتعلم لعالم وهم في جحيم اللجوء.

يأمل صندوق التراث العالمي أن يتوسع في المستقبل. حصلت السنة الأولى من البرنامج على تمويل قدره 700 ألف دولار من صندوق حماية الثقافة التابع للمجلس الثقافي البريطاني. ويرغب صندوق التراث العالمي أن يقدم فصول لعامين إضافيين، ويدرب ما يقرب من 100 نحات آخرين مستعدين لإعادة البناء.

ويقول ستيل: «ما نقدمه لا يعدو كونه نقطة في بحر. لكنه بداية، بداية هامة للغاية. ما المكان الأمثل للبدايات؟ غالباً ما أفكر في هذا بالتحديد. ما الهدف من هذا كله؟ الهدف هو أنها بداية طريق طويلة جداً».

قد تكون مهمة خيالية أن تنحت في أعماق الصحراء الأردنية بينما تستمر المتفجرات في السقوط في سوريا، لكنّ اللاجئين هنا يتحدثون عن الأمل، وينتظر جزء صغير من حيواتهم الضائعة ليكشف عن نفسه على صفحات الحجارة.

قالت جبرا بفخر: «هذا هو الأهم. بلدي، وثقافتي، وتراثي».


اقرأ أيضاً:

قصف، دمار، وأخيراً خلفيات لصور السائحين والعرسان التذكارية.. في حلب سياحة من نوع خاص

 لماذا خاف نزار قباني أن يحرموه قبره في دمشق؟!

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
الحرب دمرت منازلهم.. هؤلاء السوريون يتعلمون إعادة بناء ما دمره داعش والأسد

قصص ذات صلة