لا توجد هنا أرض للحب أو للمال.. طائفة المينونايت المسيحية تهرب من تمدد الحضارة في قلب كندا
الثلاثاء, 16 أكتوبر 2018
ثقافة

لا توجد هنا أرض للحب أو للمال.. طائفة المينونايت المسيحية تهرب من تمدد الحضارة في قلب كندا

أعضاء طائفة المينونايت التي تعتنق التقاليد القديمة للجماعة الكنسية، تبدأ هجرتها هرباً من تمدد الحضارة

عربي بوست، ترجمة

يقود عربةً تجرها الخيول ويعيش في مزرعة متواضعة بدون كهرباء أو مياه جارية. إنها ليست مزرعة في قرية إِفريقية نائية وليس مشهداً في مسلسل تاريخي، ولكن هكذا يعيش آرون بومان في واحدة من أكثر دول العالم تقدماً، كندا. بومان عضو إحدى طوائف المينونايت التي تعتنق التقاليد القديمة للجماعة الكنسية، المعروفة باسم طائفة المينوناتية المسيحية.

ولطالما كانت الطرق الترابية والأراضي الزراعية الممتدة في منطقة جنوب أونتاريو الريفية الكندية موطناً لبومان وعائلته، لكنَّهم لم يعودوا يرون مستقبلاً لهم هنا، إذ تتوسع مدينة واترلو القريبة إلى داخل الريف- وتتعدى على حرمة منازلهم ومزارعهم التقليدية، حسبما ورد في تقرير لصحيفة The Guardian البريطانية.

عشرات العائلات ستتشتت.. ولكن لا بديل عن الهجرة

ووافق بومان، الذي يعمل مسؤول حسابات في كنيسته إلى جانب اشتغاله بالزراعة، على إجراء مقابلة نادرة مع صحفي قال خلالها: «لا توجد أرض هنا للحب أو للمال. نحن بحاجة إلى مجتمعات جديدة إذا كنا سنواصل تنشئة عائلاتنا في المزرعة».

لايزال أعضاء طائفة الميونايت يستخدمون العربات التي تجرها الخيول

وفي وقت لاحق من هذا العام 2018، سوف يأخذ شقيق بومان عائلته ويتحرك شرقاً إلى جزيرة الأمير إدوارد الصغيرة، بعيداً عن سحب المدينة التي تقع الآن على بعد بضعة كيلومترات، ومن المتوقع أن ينضم إليه أخوه الأصغر الآخر لاحقاً. وتتشتت العشرات من العائلات الأخرى من كنيسته بشكل مماثل.

لا يشعر بومان بالسعادة وهم يرحلون، لكنَّه يفهم سبب مغادرتهم. يقول بومان إنَّ استمرار ثقافة المينونايت يعتمد على ذلك.

ولكن اختاروا هذه المقاطعة البعيدة؟

تُهاجر جماعات المينونايت والأميش من أونتاريو، أكبر المقاطعات في كندا، إلى أصغر مقاطعاتها بسبب المزارع الشاسعة وزحف الضواحي وارتفاع أسعار الأراضي.

في المقابل، فإن مقاطعة جزيرة الأمير إدوارد، أرضها رخيصة، وتقبل المقاطعة رغبتهم في العيش بعيداً عن التيار السائد للمجتمع الكندي، ورفض أشياء مثل المدارس العلمانية التي تديرها الحكومة، أو الاقتراع، أو حَمل تراخيص للقيادة أو دفع التأمينات.

والسؤال الأغرب لماذا يعيشيون هذه الحياة البدائية؟

تعود جذور هذه الطائفة إلى هولندا وألمانيا وهي تتتمي للتقاليد البروتستانتية،  ويقدر عددهم على مستوى العالم بنحو مليونين، كثير منهم يعيشون حياة حديثة تماماً ولا يختلف مظهرهم عن محيطهم.

ويؤمنون بأن الحب والسلام هما محور ما يعنيه أن يكون المرء مسيحياً. لكن المينونايت لا يتفقون جميعاً على كيفية عيش إيمانهم على أفضل وجه.

وبداية من القرن التاسع عشر، اختار بعض المينونايت في أميركا الشمالية عدم تبني أحدث التقنيات، معتقدين أن هذه الاختراعات الجديدة سوف تقضي على قيم التواضع والحياة البسيطة. في حين أن المينونايت الأكثر تقدمية قد تبنوا العديد من التغييرات في الثقافة السائدة.

وحافظ المينونايت التقليديون على العديد من الطرق القديمة، واختاروا أن يكونوا انتقائيين في التكنولوجيا التي سيقبلونها.

ومثال على ذلك أن المينونايت التقليديين في المكسيك غالباً ما يستخدمون النقل بالحصان والعربات التي تجرها الأحصنة، بينما المينونايت التقليديون في كندا يستخدمون سيارات أو شاحنات صغيرة.

والأميش طائفة منشقة عن المينونايت وبينهما تشابه لافت ولكنهما تعتبران طائفتين منفصلتين، والمينونايت عموماً أكثر تساهلاً من الأميش في تطبيق التجنب الاجتماعي، وأكثر تقبلاً للتكنولوجيا مثل السيارات والجرارات الزراعية.

والآن حان وقت الرحيل فولاية أونتاريو تفقد مزارعها للأبد

المزارع الصغيرة في أونتاريو أصبحت حلماً بعيد المنال على نحو متزايد. فقدت المقاطعة 20٪ من أراضيها الزراعية في السنوات الأربعين الماضية، وفقدت الكثير منها لصالح سكان الحضر المتزايد عددهم، والتطورات السكنية الجديدة، وصناعات مثل استخراج الصخور والحصى التي ابتلعت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية.

ارتفاع أسعار الأراضي في أونتاريو دفع طائفة المينونايت للرجيل

قالت كاثرين إندرز، المديرة التنفيذية لشركة أونتاريو فارم لاند ترست (Ontario Farmland Trust): «نحن نخسر الكثير من الأراضي الزراعية لصالح استخدامات غير زراعية، وهذا لا يفيد في استدامة الأراضي بالفعل. ويوضح ذلك فقط مدى ارتفاع قيمة الأراضي الزراعية في أونتاريو، والصعوبة التي يواجهها صغارُ المزارعين في الدخول إلى السوق، لأنَّهم لا يستطيعون تحمل تلك الأسعار. وأدى ذلك إلى نزوح الكثير منهم».

كما أن فيلات الأثرياء تفسد الأمر

تُفقد الأراضي الزراعية الرئيسية أيضاً لصالح أبناء الحضر الأثرياء. وقد اتجه سكان المدينة لبناء المنازل الضخمة في الريف، مما أدى إلى زيادة أسعار الأراضي في الريف.

تحاول الشركة إبطاء هذا الاتجاه عن طريق وضع تسهيلات قانونية على المزارع لحمايتها من هذا التطور، لكن تقول إندرز إنَّ معدل اختفائها يُنذر بالخطر.

وأضافت: «الأمر مقلق للغاية. بمجرد أن نفقد الأراضي الزراعية، لن نتمكن أبداً من إعادتها».

أما في جزيرة الأمير إدوارد فالأمور تتحسن

يخطط أقارب بومان للاستقرار في مستعمرة جديدة للمينونايت خارج بلدية ريفر هنتر بمقاطعة جزيرة الأمير إدوارد، في قلب المناطق الريفية الجبلية. انتقل صامويل بومان، ابن عمه، إلى هناك قبل عام، وبدأ هو وزوجته ألين بيع الفطائر المُعدة في البيت والبيض العضوي ولحم البقر المغذى على العشب في متجرٍ صغيرٍ في المزرعة.

مجموعة من نساء المينونايت

وقال: «لم يكن من السهل المغادرة. لقد أمضيت معظم سنوات عمري، الخمسين، في تلك المزرعة. كان من الصعب الرحيل وترك كل شيء مألوف ورائي. لقد قضيت ليلتين بلا نوم.»

وإلا أنَّه أضاف أنَّ أونتاريو كانت «مكتظة للغاية بالمينونايت»، كما أنَّ مزرعة جزيرة الأمير إدوارد كلفته القليل من المال. واليوم يقول إنَّ عمله التجاري ينمو، ويسعده أنَّه اتخذ هذه الخطوة.

ومعدلات الإنجاب المرتفعة أحد أسباب المشكلة  

تُعتبر معدلات الخصوبة العالية نتيجة عدم استخدام وسائل منع الحمل جزءاً من التحول الديمغرافي الذي تشهده هذه الطائفة.

هناك الآن أكثر من 251 ألف نسمة من الأميش في الولايات المتحدة وكندا، وهو وفقاً للباحثين في جامعة ولاية أوهايو، أكثر من ضعف عدد السكان المقدر في عام 1989. وشهدت طائفة المينونايت، التي لديها في المتوسط ​​خمسة أو ستة أطفال لكل عائلة، نمواً سريعاً مماثلاً.

قال آرون بومان: «إنَّها مثل كرة الثلج. في البداية يكون هناك ابن واحد، ثم يكون هناك ابنان، ثم أربعة. وكلهم بحاجة إلى مزارع».

يجلب هؤلاء المستوطنون الجدد معهم تقاليد تعود إلى ولاية بنسلفانيا في القرن الثامن عشر. يتحدثون بلهجة ألمانية، لكن يتعلمون اللغة الإنكليزية في المدارس، ويرتدون ملابس بسيطة ويرفضون كل التقنيات الحديثة تقريباً. وتُمثل الكنيسة مركز حياتهم.

ومقاطعة ذات غالبية فرنسية رفضت توفير شروط الحياة الضرورية لهم

وعلى الرغم من أنَّ مقاطعة كيبيك ذات الغالبية الفرنسية أقرب إلى أونتاريو من مقاطعة جزيرة الأمير إدوارد ولديها الكثير من الأراضي الزراعية، فحكومتها لن تسمح للمستوطنين المينونايت بإدارة مدارسهم الأبرشية الخاصة المعفاة من المناهج التعليمية في المقاطعة على حد قوله.

على الجانب الآخر، رحبت جزيرة الأمير إدوارد بالمستوطنين الجدد، وهم يخلقون طفرة صغيرة في الأراضي في مقاطعة تتسم بالشيخوخة السكانية ووجود أعداد أقل من أولئك الذين يرغبون في الاحتفاظ بالمزارع القديمة.

وقد منحتهم الحكومة الإقليمية استثناءات خاصة تسمح لهم بالوصول إلى رعاية الأطباء دون بطاقات صحية، وغيَّرت القانون لتسمح لأطفال الأميش والمينونايت بالتعلم في المنزل وإنهاء تعليمهم في الصف الثامن (من عمر 13 إلى 14 عاماً).

لايزال يفضل أعضاء طائفة المينونايت العيش بطريقة بعيدة عن التكنولوجيا الحديثة

يقول براد أوليفر، سمسار عقارات في الجزيرة، إنَّه لا يستطيع العثور على المزارع بالسرعة الكافية لمشتريي الأميش والمينونايت. وساعد في بدء توصيل خطوط الأنابيب إلى الشرق قبل بضع سنوات عندما التقى بقادة الكنيسة في أونتاريو ورتبوا جولات بالحافلة مدتها 18 ساعةً إلى الجزيرة- وهو أمر ضروري، لأنَّ عقيدتهم تمنعهم من السفر جواً.

أضاف أوليفر، الذي يقول إنَّه باع بالفعل حوالي 40 مزرعةً لعائلات الأميش في شرق جزيرة الأمير إدوارد: «حصلت على عدد أكبر من المشترين (المزارع) مقارنة بالراغبين في البيع». حتى أنَّه قام بتركيب سارية لربط الأحصنة عند مكتبه لاستيعاب عملائه الجدد من المزارعين.  مضيفاً: «إذا كان بإمكاني إيجاد 10 مزارع في الوقت الحالي، يمكنني بيع 10 مزارع.»

وقال إنَّ سكان الجزيرة يتزايد اعتيادهم على جيرانهم الجدد الفريدين، الذين أعادوا صفقات تجارية اختفت منذ فترة طويلة وأحيوا صناعة تصدير الخيول في جزيرة الأمير إدوارد.

وقال أوليفر: «نحن لا نندهش حتى عندما نرى الأحصنة والعربات التي تجرها الدواب تمر بجانبنا. لدينا صَنْعات جديدة هنا الآن والتي اختفت من قبل. لدينا حدادون، وصانعو عربات تجرها الدواب، وأولئك الذين يتمكنون من استخدامها».

هجرة منظمة للغاية ولكن الضغط عليهم مستمر

وهجرة تلك الطوائف منظمة للغاية وتوافق عليها قيادة الكنيسة. تُرسل الفرق الكشفية لتفقد المزارع المحتملة، وتُرسل كل جماعة حرفيين لمساعدة المستوطنين في إقامة الحظائر، وبناء الكنائس وتثبيت موطئ قدم  لهم في المستعمرات الجديدة.

وقالت سارة إيب الباحثة في جامعة غويلف التي درست هجرة طائفة المينونايت : «سيستمر الضغط الممارس عليهم. هم يدركون أنَّه يجري إخراجهم من جنوب أونتاريو بسبب تكلفة الأرض. وهم ينظرون دائماً إلى الجيل التالي، وإذا أراد أبناؤهم العمل بالزراعة، فهم يعرفون أنَّهم لا يستطيعون القيام بذلك في جنوب أونتاريو».

وذكرت إيب أنَّ الأراضي الرخيصة تعني التخفيف من استخدام التكنولوجيا الحديثة في المزارع؛ فطرق الزراعة القائمة على قوة الأحصنة والدواب هي جزء هام من ثقافة المينونايت.

ولكنها على كل حال ليست التغريبة الأولى

وبالمثل، تُعتبر هجرتهم قديمة قدم عقيدة المينونايت نفسها. ففي القرن التاسع عشر، غادر أسلاف بومان ولاية بنسلفانيا الأميركية بحثاً عن أرض أرخص في كندا.

ويقول بومان: «إنَّها جزءٌ من تاريخنا. وجزء من السبب الذي دفعنا إلى براري أونتاريو منذ 200 عام يتمثل في أسعار الأراضي».

وتابع: «لا يمكننا منافسة المشغلين الكبار الذين يسيطرون على جنوب أونتاريو. يمكنك أن تكون أفضل مزارع هناك على الإطلاق، ولكن إذا كنت لا تستطيع جعل الأمر مجدياً من الناحية الاقتصادية، فلماذا تجرِّب ذلك إذن؟».

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
لا توجد هنا أرض للحب أو للمال.. طائفة المينونايت المسيحية تهرب من تمدد الحضارة في قلب كندا