هل قدّمنا للبشر أقدم حضارة؟ هل علّمنا الأوروبيين الثقافة؟ هل نملك ثلث آثار العالم؟ تعال نطّلع على الحقائق
الثلاثاء, 16 أكتوبر 2018

هل قدّمنا للبشر أقدم حضارة؟ هل علّمنا الأوروبيين الثقافة؟ هل نملك ثلث آثار العالم؟ تعال نطّلع على الحقائق

عربي بوست 

منذ جئنا إلى هذه الحياة، ونحن نفاخر بأننا -كعرب- أهل تاريخ وحضارة لم تعرف شعوب العالم لها مثيلاً؛ كيف لا ونحن «أعزُّ بني الدنيا، وأعلى ذوي العلا *** وَأكرَمُ مَن فَوقَ الترَابِ وَلا فَخْرُ» كما قال الشاعر العبّاسي أبو فراس الحمداني.

فالمصريون يتغنّون بأنهم ورثة الحضارة الفرعونية الطاعنة في القِدم، وبأن بطن أرضهم تضم «ثلث آثار العالم». أما العراقيون والسوريون، فيعتبرون أن بلادهم هي مهد الحضارات الإنسانية، وأن أسلافهم علّموا العالم الكثير من الفنون وعلى رأسها الكتابة والتدوين! فيما يتغنَّى أهل الخليج بنسب عائلاتهم التي ترجع إلى الحضارة اليمنية القديمة، ويُفاخر المغاربة بأن العلماء وجدوا أقدم أثرٍ للبشر في أراضيهم.

لكن لنقف للحظة ونتأمل في هذا الإرث الثقافي، هل قدَّم أجدادنا فعلاً أقدم حضارة في التاريخ؟ هل علَّم أجدادنا العالم الكتابة فعلاً؟

فيما يلي نلقي الضوء على عددٍ من «الأساطير» المنتشرة حول أسلافنا، قبل أن نميز الغث منها والسمين:

هل كنّا أصحاب أول حضارة إنسانية؟

حضارة التيبي هي أقدم الحضارات الإنسانية عمراً، ومن أقدم الحضارات التي عرفها البشر، إذ يرجع تاريخها لـ10 آلاف عام قبل الميلاد، يرجح علماء الآثار أنها حضارة بلاد الرافدين (وهي المنطقة التي تقع بين نهري دجلة والفرات وتعرف اليوم بالعراق)، ولكن ذلك لم يثبت بشكل قاطع، وتعتبر آثار حضارة كوبيك تيبي من أقدم التماثيل الموجودة على الأرض.

«حضارة 7 آلاف سنة»

يُستخدم هذا التعبير المصري للدلالة على قدم الحضارة المصرية، إلا أنها ليست الأقدم في المنطقة، إذ تشير المصادر أن الحضارة المصرية لا تعود إلى 7000 عام، وأن تاريخها يعود إلى 5000 عام من يومنا هذا.

لكن هذا لا ينفي أن الحضارة الفرعونية امتدت لـ800 سنة، وأنها لم تكن تقتصر على المصريين وحدهم، بل امتدت لتشمل مناطق أخرى، وهو ما أثبتته الآثار الفرعونية التي تم اكتشافها على أراضٍ سوادنية، آخرها معبد أثري مكتمل بمنطقة جبل أم علي، شمالي مدينة شندي، أعلنت وزارة الاستثمار والسياحة السودانية عن اكتشافه، وقالت إنه يعود إلى ألفي عام قبل الميلاد.

ويكمن الإعجاز في الحضارة الفرعونية في أنها  تركت إرثاً يتمثل في الآثار والمعابد والتراث، وهذا أمر ربما يظنه البعض عادياً، فكل الحضارات من الطبيعي أن تترك تراثاً لها، أو بقايا منها كما يُطلق البعض على هذا التراث، لكن ما يُدهش هنا أن تراث الحضارة الفرعونية لا يزال خالداً حتى الآن بعد 5000 آلاف سنة من ولادة الدولة.

ورغم محاولات الاستغلال للإرث الفرعوني على مدى العصور، بالاستيلاء مرة وبالتفريط في مرات أخرى، فإن ذلك لم يسلب الحضارة الفرعونية هُويتها وإرثها التاريخي

هل كنّا أصحاب أول أبجدية؟

يعتقد البعض خطأً أن الحضارة الفرعونية أيضاً صاحبة أول أبجدية عرفها التاريخ، لكن الأبجدية الأولى التي عرفتها البشرية كانت الكتابة المسمارية، وهي نوع من الكتابة كان ينقش على ألواح الطين والحجر والشمع والمعادن.

تم تداول هذا النوع من الكتابة لدى شعوب العالم القديم، وظهر في بلاد الرافدين، كانت الأبجدية المسمارية ملائمة لكتابة اللغة الأكادية، التي تحدثها البابليون والآشوريون (سكان العراق وسوريا القديمة)، وظهرت بعدها الكتابات التصويرية في بلاد ما بين النهرين سنة 3000 عام ق.م تقريباً.

هل حكمنا العالم فعلاً؟

حكمت الدول العربية والإسلامية أجزاءً واسعة من العالم، لكنها لم تكن الأكثر امتداداً عبر التاريخ؛ مثلاً الإمبراطورية البريطانية حكمت أكثر من ربع سكان العالم، وقادت «شعوبها»  للتطور العلمي والاقتصادي في التاريخ الحديث، كما أن سلطتها لم تقف عند حدودها الجغرافية، بل امتدت إلى جميع أنحاء العالم.

وتكونت هذه الإمبراطورية بالأساس من مقاطعات ومستعمرات ودول وقعت على اتفاقيات انتداب ووصاية، لذلك لم تكن متواصلة الأراضي، لكنها كانت الأوسع على الإطلاق.

وأتت إمبراطورية المغول بعدها من حيث التوسع، وهي إمبراطورية إسلامية حكمت أجزاء واسعة من شبه القارة الهندية، فغزت وحكمت أغلب جنوب آسيا في نهاية القرن الـ17 وأوائل القرن الـ17، وغاب نجمها في منتصف القرن الـ19.

ومن بعد المغول أتت الإمبراطورية الروسية، التي امتد حكمها نحو أوروبا الشرقية وآسيا وأميركا الشمالية.

ثم تأتي الإمبراطورية الأموية في المرتبة السادسة، وهي النموذج الإسلامي من الحكم الذي يعبر عن الوحدة السياسية للعالم الإسلامي، وكانت الخلافة الأموية الثانية من بين أربع خلافات تأسست بعد وفاة رسول الله محمد (ص)، وكانت عائلة (أمية) تحكمها، وهي التي تنحدر من أمية بن عبد شمس الجد الأكبر للأمويين.

ورغم كون الأمويين أساساً من مكة إلا أنهم اتخذوا من دمشق عاصمةً لخلافتهم. زادت مساحة الأراضي التي سيطرت عليها هذه الإمبراطورية عن 13 مليون كم2، فكانت حينها أكبر إمبراطورية في العالم، وحتى الآن هي سادس أكبر إمبراطورية متواصلة الأراضي في العالم، كما اعتبرت أكبر دولة أسَّسها المسلمون عبر التاريخ.

ثم في المرتبة الـ21 تأتي الإمبراطورية العثمانية، التي أسَّسها عثمان الأول بن أرطغرل، وتحوَّلت إلى إمبراطورية بغزوها للقسطنطينية في العام 1453، فضمَّت أكثر من 29 ولاية بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، حكمتها السلالة العثمانية التي تنتمي إلى العرق التركي، بلغت الدولة ذروة قوتها في عهد السلطان سليمان الأول، وبانتهاء عهده بدأت تضعف وتتراجع تدريجياً، إلى أن انتهت بشكل رسمي بتوقيعها على معاهدة لوزان.

هل تعلَّم الأوروبيون منا الحضارة؟

كانت مساهمات المسلمين في أوروبا في العصور الوسطى متعددة، وأثّرت على مجالات مختلفة كالفن والعمارة والطب والصيدلة والزراعة والموسيقى واللغة والتكنولوجيا. من القرن الـ11 إلى القرن الـ13 نهلت أوروبا المعرفة من الحضارة الإسلامية، بعد ترجمتها من العربية.

 

كانت نقاط التواصل بين أوروبا والأراضي الإسلامية متعددة، فقد انتقلت المعارف الإسلامية بكثافة إلى أوروبا، عن طريق جزيرة صقلية والأندلس، وبالأخص في طليطلة، على يد جيراردو الكريموني، بعد أن استولى الإسبان على المدينة في العام 1085.

وفي صقلية، بعد ضمّ المسلمين الجزيرة الإيطالية في العام 965، واستعادها النورمان مرة أخرى في العام 1091، تولّدت ثقافة نورمانية- عربية، التي رعاها حكام أمثال روجر الثاني ملك صقلية، الذي كان لديه جنود وشعراء وعلماء مسلمون في بلاطه. ويعد كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، الذي ألفه العالم الجغرافي الإدريسي للملك روجر، أحد أعظم المخطوطات الجغرافية في العصور الوسطى.

وكان للحملات الصليبية أيضاً دورها في تبادل المعرفة بين أوروبا وبلاد الشام، وبالأخص الجمهوريات البحرية، التي لعبت دورها في هذا التبادل، حتى إن مدناً كأنطاكية اختلطت فيها الثقافتان العربية واللاتينية بشدة.

مصر تحوي ثلث آثار العالم

على الرغم من أن الحضارة المصرية تحتوى على آلاف القطع الأثرية التي تعود إلى العهد الفرعوني، فإن قائمة اليونسكو للحضارة والآثار تكشف أن مصر لها 6 مواقع تاريخية وموقع طبيعي واحد، بينما إيطاليا مثلاً تسجل 44 موقعاً تاريخياً في القائمة، و3 مواقع طبيعية، وإسبانيا لديها 39 موقعاً تاريخياً وموقعان مختلطان، فيما تأتي الصين في المرتبة الثالثة بـ30 موقعاً تاريخياً، و9 مواقع طبيعية، و4 مواقع مختلطة.

لكنه على الرغم من أن مصر لا تنافس على قوائم اليونسكو إلا بـ7 مراتب، وتُسجّل على قوائم الانتظار بـ23 موقعاً، إلا أنها تعتبر من أشهر الحضارات التي شهدها العالم وأعظمه.

وُقعت اتفاقية حماية التراث في العام 1972، وأدرجت مصر فيها 5 مواقع في العام 1979، ثم السادس في العام 2002، والسابع والأخير كان في العام 2005.

أول ما سُجل بالقائمة كان أهرامات الجيزة، التي كانت مصنفة ضمن عجائب الدنيا السبع، التي دشنّها المصريون قبل 2500 عام قبل الميلاد، بالإضافة إلى مقبرة ممفيس.

فيما نستعرض قائمة بالمواقع التاريخية المصرية الواردة في قائمة منظمة التراث العالمي التابعة للأمم المتحدة «يونسكو»:

1- مدينة آمون

مدينة طيبة (الأقصر حالياً)، عاصمة مصر في الإمبراطورية الوسطى والجديدة، بها 14 معبداً فرعونياً وقصور الكرنك ووادي الملوك والملكات، شيدها المصريون على مدار 1500 عام ولحقت بالقائمة كتراث ثقافي.

2- معبد رمسيس الثاني

المعبد شيد في القرن الـ13 قبل الميلاد، ونقل أثناء بناء السد العالي من محافظة أسوان إلى أبوسمبل، المنطقة التي يوجد بها المعبد سجلت ضمن قائمة «يونسكو» كتراث ثقافي، إذ إنها تضم أيضاً دار عبادة إيزيس (الديانة الأقدم في التاريخ المصري)، ومعبد جزيرة فيلة.

3- القاهرة الإسلامية

أدرجت المنظمة منطقة «القاهرة الإسلامية» بأحيائها ومبانيها ضمن التراث الثقافي، كإحدى أقدم المدن في التاريخ الإسلامي، التي تأسست في القرن العاشر.

4- مدينة أبومينا

تقع المدينة غربي مدينة الإسكندرية، وبُنيت على أطلال قبر مارمينا المتوفى في العام 296، حافظت المدينة على شكلها وهيئتها التي ضمّت الكنيسة والشوارع المحيطة بها والأديرة، ومثلت حتى العصور المبكرة أهم مراكز للديانة المسيحية في مصر، اكتشفها كوفمان، العالم الألماني، في العام 1905.

5- سانت كاترين

سجلت «يونسكو» مدينة سانت كاترين، بمحافظة جنوب سيناء المصرية، عام 2002، كواحدة من معالم التراث الثقافي، إذ بُنيت في القرن السادس الميلادي، وحافظت الكنيسة ومحيطها على محتوياتها والمخطوطات الكنسية بها وجدرانها، حتى أصبحت أيقونة لدور عبادة الدين المسيحي في مصر.

6- وادي الحيتان

في العام 2005 أدرجت «يونسكو» آخر المعالم السبعة ضمن قوائمها، وادي الحيتان، ومكانه مدينة الفيوم، يحتوي على بقايا حفريات متحجرة من فصائل منقرضة من الحيتان ونادرة، يروي المكان قصة تطور الحيتان من ثدييات بريّة إلى بحرية، وهو من أكبر المواقع عالمياً التي شهدت هذا التطور.

من أبرز المواقع الموجودة في القائمة المؤقتة: واحة سيوة، ومنطقة شمال سيناء الأثرية، ومعبد هاتور لرمسيس الثالث، ومنطقة الفيوم، ومحمية رأس محمد، وواحات الصحراء الغربية، وأديرة وادي النطرون، ومنطقة أبيدوس الفرعونية، ومنطقة المنيا، لكن ما تتعرض له هذه المناطق من عمليات تجريف للآثار بداخلها وسرقة غير مشروعة تهدد، وبشدة، بقاءها داخل قوائم «يونسكو».

لا يمكن الجزم ما إذا كان الفراعنة تركوا بالفعل ثلث آثار العالم في مصر، إلا أن الثابت والأكيد أن هذه الحضارة تحديداً تركت كماً كبيراً من الآثار والمعابد والمباني والقطع الأثرية، مقارنةً بغيرها من الحضارات.


اقرأ أيضاً..

بعيداً عن تابوت الإسكندرية.. لماذا لا يُعرف مكان قبر الإسكندر؟ رحلة جثمان القائد المقدوني منذ وفاته حتى اختفائه

 

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
هل قدّمنا للبشر أقدم حضارة؟ هل علّمنا الأوروبيين الثقافة؟ هل نملك ثلث آثار العالم؟ تعال نطّلع على الحقائق