الإثنين, 16 يوليو 2018

هل يضحي بوتين بإيران؟.. موسكو تجهز اتفاقاً يجعل الرئيس الأميركي يهلل له فرحاً

يُجري مسؤولون روس مفاوضاتٍ مُكثَّفة مع نظرائهم الأميركيين؛ للتوصل إلى اتفاقٍ واحدٍ على الأقل، يأملون أن يُمكِّن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، من الترويج لقمته مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتين، على أنَّها انتصارٌ يُبرِّر اتخاذ خطوات لإصلاح العلاقات.

وتقول  وكالة Bloomberg الأميركية إنه يأتي في مُقدمة الموضوعات التي ستُطرَح للنقاش في القمة، المُقرَّر إجراؤها في العاصمة الفنلدنية هلسنكي يوم 16 يوليو/تموز 2018، دور إيران في سوريا، الذي يُمثِّل قضيةً تتفاوض عليها روسيا في الوقت نفسه مع إيران، حسبما ذكر مسؤولٌ روسي بارز طلب عدم ذكر اسمه؛ لأنَّه غير مخوَّل له التعليق على هذا الموضوع.

بوتين وافق على المطالب الأميركية

وقال مستشاران روسيان بالكرملين إنَّ بوتين وافق من حيث المبدأ على المطالب الأميركية والإسرائيلية بإبعاد القوات المدعومة إيرانياً في جنوب سوريا عن حدود إسرائيل وإحلال قوات موالية للنظام السوري محلها.

وبعد دراسة اجتماع ترمب مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الذي أعلن ترمب خلاله إيقافاً مفاجئاً للمناورات العسكرية الأميركية مع كوريا الجنوبية، قرَّر بوتين أنَّه بحاجة للتفاوض مع ترمب شخصياً، وفقاً لما ذكره المسؤول البارز دون الخوض في التفاصيل. وقال ديمتري بيسكوف المتحدث الرسمي باسم الكرملين، إنَّ الزعيمين قد يلتقيان من دون مساعدين، كما فعل ترمب وكيم في سنغافورة.

رجل مقابل رجل

وأكَّد جون هانتسمان، السفير الأميركى لدى روسيا، في مكالمةٍ هاتفية جماعية الخميس 5 يوليو/تموز 2018، وجود خططٍ لعقد اجتماع فردى، قائلاً إنَّ ترمب سيحضر هذا اللقاء بـ»حرصٍ وانتباهٍ شديدين» حيال نيات بوتين.

يُذكَر أنَّ ترمب تخلَّى عن سياسة سلفه باراك أوباما المُطالِبة بإطاحة الرئيس السوري بشار الأسد، وقد صيغ هذا الموقف قبل أن تُحوِّل روسيا -بمساعدة إيران- مسار الحرب الأهلية في سوريا لمصلحة الأسد. وقال مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، الذي التقى الرئيس الروسي -الذي أُعيد انتخابه مؤخراً- لوضع ترتيبات القمة، لشبكة CBS الإخبارية الأميركية، يوم الأحد 1 يوليو/تموز، إنَّ «القضية الاستراتيجية» في سوريا لم تعُد هي الأسد؛ بل إيران.

جانب من الحرب السورية الدائرة منذ 7 سنوات

وقال بولتون، الذي لطالما أيَّد تغيير النظام الحاكم في الجمهورية الإسلامية: «سنرى ما سيحدث حين يجتمع الاثنان معاً. هناك احتمالاتٌ لإجراء مفاوضاتٍ أكبر حول المساعدة في إخراج القوات الإيرانية من سوريا وعودتها إلى إيران، وهو ما سيكون خطوةً مهمة إلى الأمام».

ويعتبر المتابعون في روسيا أنَّ أول اجتماعٍ موسَّع بين الزعيمين فرصةٌ لبدء صفحةٍ جديدة في العلاقات الثنائية، التي تدهورت ووصلت إلى أدنى مستوياتها بسبب مجموعةٍ من القضايا، من بينها الحرب في سوريا، والعقوبات المفروضة على روسيا بسبب تدخُّلها المزعوم في الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، وضمها شبه جزيرة القرم، ودعم الانفصاليين في أوكرانيا.

وقالت مجموعة Citigroup في مذكرة بحثية، إنَّه في حال نجحت القمة، فإنَّها قد تُعزِّز احتمالية خفض التصعيد المُتعلِّق بالعقوبات.

شكوك كبيرة

ومع ذلك، ثمة شكوك كبيرة في قدرة بوتين على فرض أي اتفاق يتضمن تصرفات إيران في سوريا، حتى لو عَرَضَ نشر قوات لتحقيق الاستقرار بالمناطق الحدودية المعنيّة. وهذا بدوره يغذي المخاوف في الولايات المتحدة وبين حلفائها بأوروبا من أن يُهلِّل ترمب باجتماع هلسنكي، معتبراً إياه إنجازاً كبيراً دون أن يحصل على أي تنازلاتٍ حقيقية.

يُذكَر أنَّ ترمب هلَّل بتعهُّد كيم الغامض بـ»نزع السلاح النووي»، معتبراً إياه انتصاراً كبيراً للسلام العالمي، لكنَّ بعض التقارير التي أجراها باحثون ومنظمات إعلامية نشرت تفاصيل منذ ذلك الحين عن جهودٍ كورية شمالية لتعزيز إنتاج الوقود النووي، وبناء المزيد من منصات إطلاق الصواريخ، وتوسيع محطةٍ رئيسية لصناعة محركات الصواريخ.

ربما تكون روسيا قد حلَّت محل أميركا في مكانة الحَكَم الذي لا غنى عنه بالعديد من الصراعات في الشرق الأوسط، لكنَّ بوتين مستعدٌ لاسترضاء ترمب هناك حتى الآن، فقط فيما يتعلَّق بإيران، وفقاً لما ذكره أندريه كورتونوف رئيس مجلس الشؤون الدولية الروسي، وهو مجموعةٌ بحثية أسَّسها الكرملين.

وقال كورتونوف: «لا يستطيع ترمب إجبار بوتين على إدارة ظهره لإيران. فبوتين غير مستعد للإفراط في الضغط على إيران، ولا يمكنه الاعتماد على ترمب».

لافروف وبومبيو

جديرٌ بالذكر أنَّ روسيا والمملكة العربية السعودية أغضبتا إيران وأسعدتا ترمب بالفعل بموافقتهما على التراجع عن بعض التخفيضات التي قدمها منتجو النفط لتعزيز الأسعار الضعيفة. لكن في الوقت نفسه، تعمل روسيا أيضاً على إنقاذ الاتفاق النووي الإيراني الذي انسحب منه ترمب، وكذا على تخفيف العقوبات التي أعاد فرضها على طهران. ومن المنتظر أن يناقش وزراء خارجية روسيا والصين وفرنسا وألمانيا وبريطانيا هذه القضية مع مسؤولين إيرانيين الجمعة 6 يوليو/تموز 2018، في العاصمة النمساوية فيينا.

وقال وزير الخارجية الروسى سيرغي لافروف يوم الأربعاء 4 يوليو/تموز 2018، إنَّه سيتشاور مع نظيره الأميركي، مايك بومبيو، بعد قمة هلسنكي حول إمكانية تنفيذ أي اتفاقات يتم التوصُّل إليها، إلا أنَّه حذر من أنَّه «ليس من الواقعي إطلاقاً» مطالبة إيران بالانسحاب من سوريا تماماً.

وقال لافروف لصحافيين بموسكو: «كما هو الحال في أي جزء آخر من العالم، يتعين عليك أن تبدأ بالجلوس على طاولة المفاوضات وتوضيح مخاوفك، والتحدث عن كيفية حلها على أساس مقبول للطرفين».

نقطة ضغط

بعد 7 سنواتٍ شهدت صراعاً طاحناً، أقامت إيران والقوات التابعة لها -من بينها حزب الله- حضوراً هائلاً على طول الحدود السورية مع إسرائيل ولبنان؛ ما دفع إسرائيل إلى توجيه ضربات صاروخية متكررة على هذه المنطقة، والتهديد باتخاذ مزيد من الإجراءات، وهو ما تستخدمه روسيا للضغط على إيران، وفقاً لما ذكره ديمتري ترينين، رئيس مركز كارنيغي موسكو.

وأضاف ترينين، مؤلف كتاب What Is Russia Up To in the Middle East أو «ماذا تفعل روسيا في الشرق الأوسط؟» الذي صدر في العام الماضي (2017)، أنَّ روسيا وإيران تقفان على الجانب نفسه، وتدعمان الأسد ضد قوات المُعارضة التي تمدها أميركا وحلفاؤها بالسلاح، لكنَّ مصالحهما متباعدة الآن في ظل سعي بوتين لضمان مكاسبه بدعمٍ إقليمي.

ومن المقرر أن يجتمع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع بوتين في موسكو الأسبوع المقبل، للمرة الثانية في غضون عدة أشهر. وجاء ذلك بعد زيارة أجراها رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، إلى العاصمة الروسية الشهر الماضي (يونيو/حزيران 2018).

وقالت يلينا سوبونينا الخبيرة بشؤون الشرق الأوسط في موسكو، إنَّ روسيا تدعم خطة لإحلال مقاتلي حزب الله المُتخندقين على الجانب السوري من الحدود مع لبنان. ويُعَد ذلك جزءاً من الجهود الرامية إلى تشجيع عدة ملايين من اللاجئين السوريين على العودة إلى بلادهم قادمين من البلدان المجاورة.

«السيطرة»

الوضع في سوريا

مواقف بوتين المتغيرة بشأن سوريا والنفط أغضبت المسؤولين في طهران

وأضافت سوبونينا: «تريد روسيا رؤية الحكومة السورية تسيطر على أكبر قدر ممكن من الأراضي».

وقال علي خورام السفير الإيراني السابق لدى الأمم المتحدة، إنَّ مواقف بوتين المتغيرة بشأن سوريا والنفط أغضبت المسؤولين في طهران.

إذ كتب خورام بصحيفة Arman اليومية الإيرانية: «روسيا لم تطعن إيران في ظهرها فحسب بشأن الوضع في سوريا؛ بل أعلنت بمحض إرادتها استعدادها مع السعودية لاستبعاد حصة إيران من أوبك».

وتقول «بلومبيرغ» إن استراتيجية بوتين تقوم على إيجاد أرضية مشتركة بين المصالح المتضاربة للأطراف المؤثرة الرئيسية.

وعلى نحوٍ خاص، قد يمنح إسرائيل ضوءاً أخضر لقصف أي قافلة إيرانية تحاول تسليم حزب الله أسلحة متطورة، في حين يسمح كذلك لإيران بالحفاظ على شحنات الأسلحة التقليدية لقوات وكلائها اللبنانيين، وفقاً لما ذكر كورتونوف مستشار الكرملين.

بوتين ونتنياهو

وقال إيهود يعاري الزميل في معهد واشنطن والمُقيم بإسرائيل، إنَّ الهدف الرئيسي لإيران هو الحفاظ على نفوذها داخل سوريا وإبقاء خطوط الإمداد مفتوحة.

وقال سامي نادر مدير مركز المشرق للدراسات الاستراتيجية ببيروت: «لدى روسيا مصلحةٌ في استنزاف إيران بسوريا؛ لإضعاف إيران فقط وليس التسبُّب في انهيارها؛ لأنَّ روسيا قد تخسر نظام الأسد الذي يُعَد ورقتها الرئيسية. تريد روسيا كبح جماح إيران ووضعها تحت السيطرة».

هل لبوتين مصلحة في إزاحة إيران من المعادلة بسوريا؟

وبحسب مجلة Foreign Policy الأميركية، يعتقد محللون ومسؤولون سابقون أنَّه لا مصلحة لبوتين في إزاحة إيران من المعادلة المعقدة بسوريا، وحتى لو رغب في ذلك، فربما لا يمتلك من النفوذ ما يكفي للقيام بالأمر.

قال مستشار ترمب للأمن القومي جون بولتون، نهاية الأسبوع الماضي، إنَّ القمة تطرح إمكانية إجراء «مفاوضات أكبر بشأن المساعدة في إخراج القوات الإيرانية من سوريا»، حيث تدور حربٌ أهلية منذ 2011.

وقال بولتون إنَّ اتفاقاً كهذا قد يرقى إلى كونه «خطوة مهمة إلى الأمام» في تعزيز المصالح الأميركية بالمنطقة، والتي تشمل كبح النفوذ الإيراني.

لكنَّ العديد من المسؤولين السابقين قالوا إنَّ البيانات كشفت خطأً في قراءة إدارة ترمب وضعية روسيا بالمنطقة.

يقول مايكل ماكفول، وهو سفير سابق للولايات المتحدة في موسكو: «أعتقد أنَّها لَمبالغة كبيرة الإشارة إلى أنَّ بوتين يمكنه إصدار الأمر بخروج الميليشيات الإيرانية من سوريا. إنَّه لا يمتلك ذلك النوع من النفوذ على إيران».

قال يوري بارمين، وهو خبير بشؤون الشرق الأوسط في مجلس الشؤون الدولية الروسي: «أعتقد أنَّه بحلول الآن، أصبح واضحاً أنَّ روسيا لا تتخلى عن شركائها بسهولة. لو كان الأمر كذلك لكانت روسيا تخلَّت عن الأسد وإيران قبل زمنٍ طويل».

وبجلسة أمام الكونغرس في 27 يونيو/حزيران 2017، قال وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إنَّه سـ»يُصفِّق للأمر» إذا ما تمكَّن الروس من إخراج إيران من سوريا، لكنَّه اعترف بأنَّها «مسألة مفتوحة النهاية».

على أميركا التنازل حتى يتمكن بوتين من التحرك

وقال ريتشارد نيفيو، وهو نائب منسق سياسة العقوبات السابق بوزارة الخارجية الأميركية، إنَّه في حين تنخرط موسكو بمساومات مصالحية، فإنَّ الأمر سيتطلب تنازلاً كبيراً من الولايات المتحدة؛ لدفع بوتين للتحرك ضد إيران».

وقال ماكفول، السفير السابق، إنَّ استراتيجية بوتين ربما تكون هي الموافقة على شيءٍ مبهم، ثُمَّ عدم إتمامه.

وأضاف: «إنَّها مناورة مثالية بهذا المعنى؛ لأنَّها طموحة، وضبابية، وستستغرق سنوات لإنجازها، ومع ذلك يمكنهم إعلان الأمر كنتيجة ملموسة لقمتهما».

وقال مسؤولون بالإدارة إنَّ الزعيمين سيناقشان أيضاً الوضع بأوكرانيا وقضية التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأميركية لعام 2016.

وفي أثناء تحدُّثه للصحفيين على متن طائرته الرئاسية الأسبوع الماضي، رفض ترمب استبعاد الاعتراف بضم روسيا للقرم. وقال: «سيتوجب علينا أن نرى».

ورفض دانيال فريد، وهو مساعد سابق لوزير الخارجية الأميركي لشؤون أوروبا وأوراسيا، تلك التصريحات باعتبارها مزيداً من «صياح» ترمب، لكنَّه قال إنَّه يشعر بالقلق من عدم وضوح الرؤية داخل الإدارة حيال أهداف القمة.

وقال فريد، الذي تقاعد العام الماضي (2017) كأطول دبلوماسي أميركي عملاً: «لا يمكنني إخباركم بأنَّه لا توجد احتمالية لأن يعترف ترمب بضم روسيا للقرم.  وهذا هو الأمر المُقلِق للغاية. لا يمكنني أن أقول لكم: (لا، مُحال (أن يعترف بذلك)».

 

 

اقتراح تصحيح
اقتراح تصحيح
هل يضحي بوتين بإيران؟.. موسكو تجهز اتفاقاً يجعل الرئيس الأميركي يهلل له فرحاً

قصص ذات صلة