لن أحدثكم بلغة السياسة؛ لأنني لا أتقن الخداع والمكر كثعلب جائع؛ بل سأحدثكم بلغة الإنسانية كإنسانة قحة.
كان إسلامنا وما زال دين الحب والسلام، يدعو قلوبنا للخير ونفر الشر بالجِبِلَّة، يرشدنا ثم ينير عقولنا بحكمة الله إلى سبل الصلاح والإصلاح.
على هذا العهد تربينا وكبرنا!
لكن في مقابل الكبر لا أدري لِمَ إنسانيتنا تقل وتصغر مع الزمن؟ فلنفترض جدلاً أن الأطفال هم من يسيرون العالم ويقررون وينفذون ما جادت به قلوبهم البريئة، أنا على يقين تام بأنهم سينتصرون على عقول الحاكمين الكبار؛ لأنهم وببساطة يحملون جوهر الإنسانية الحرة.
أجل، سيبنون مدن الألعاب والملاهي؛ لأنهم بالآخر أطفال، لكنهم أبد الدهر لن يجعلوا من البشر كراكيز يحركونها أينما مالت مصالحهم المركزية.
إننا نرى كل شيء، ونعلم كل شيء، ونسمع كل شيء، نجلس دافئين في جوّ تعمُّه الراحة، أمام شاشات هواتفنا الذكية أو لوحات الآيباد، نمرر ما تيسَّر من صور وفيديوهات تخبرنا بأنهم ليسوا بخير، نرمق عيوناً تناشد العالم أن يتحد لكلمة الحق الشجاعة.
لربما لا نستحق الراحة، أخاف الله أن نؤثم على ما نحمد الله عليه من أمن وسلام، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم تراق دماؤها أمام أعيننا ونحن كالعادة، تدغدغنا عواطفنا لتُشعِل نار الغضب بأعيننا ثم سرعان ما يخمد لهيبها بدمعة حارقة؛ لنرفع أيادينا لله أن لا حول لنا ولا قوة فيما يسري.. ثم ماذا؟!
ثم نكمل متابعة هذا المسلسل المرعب – الحزين بشيء من الحسرة وكثير من الأمل في أن الباطل لن ينتصر على الحق يوماً.
لكن، هل هذا ما نقدمه للإنسانية؟ هل حقاً نحن حماة لهذا الدين؟ ترى كيف وماذا يمكننا فعله جراء ما يحصل لإخواننا في كل بقاع العالم المسلوبة حقوقهم، والمحتلة أراضيهم، والمنتهكة مقدساتهم؟ أو الأصح أن نقول حقوقنا، وأراضينا ومقدساتنا؛ لأننا منهم وهم منا، علينا أن لا ننسى هذا، ولا أن نتناسى!
أكثر ما آلمني يومها، حديث تلك المقدسية وهي تقول لي ساخرة: لقد ضقنا ذرعاً من كلماتكم المعبرة عن حبكم وتفانيكم للقضية، إذا كنتم حقاً على هذا القدر من الحب.. فمتى تأتون لتحريرها إذاً؟!
بقدر كلماتها القاسية بقدر رفقي بقلبها المكلوم، كان كل ما باستطاعتي أن أرد عليها بذاك الصمت المعهود على أمثال دراويش هذا العالم، لكني حقيقة وددت أن أصرخ، أن أغضب؛ لأنتشل الحزن من قلبها ببعض من العتاب على أننا نتشارك الغصة، إنها تؤلمنا في صمت عكس ألمكم الصاخب يا أُخية!
ربما صدقَت القول حقاً، لكنها الكلمات ملّتنا وملّت مآسينا، لا نصوص الأدب تشفي غليلنا ولا دواوين الشعر تهدئ من روعنا.. إننا فقراء من الإنسانية أغنياء بالعقول الأدبية، وإنها لثروتنا المتبقية من كل حرب.. إنها آخر أسلحتنا لحماية كرامتنا!
أقول للنازحين عن بلدانهم وأراضيهم، أقول للأمهات الثكالى، أقول لذاك الطفل المُيتّم الرجل، أقول لرضيع بلا أم يبكي هلعاً من هول فاجعة حظه البئيس، أقول للمقاومين والمرابطين رغم الحصار، رغم أن حصار القلب أقهر.. أقول لحبيبين طمست الحرب أحدهما تحت الثرى.. أقول: ماذا عساني أقول سوى كلمة آسفة!
– آسفة لدفء نومة الضمير المطولة تلك.. حقاً آسفة!
لكم أرجو أن تشتعل قلوب سادة الكراسي غضباً على الباطل؛ لأموت بقلب راضٍ مطمئن والثغر يرسم بسمة نصر جميلة.. سأموت مرتاحة حينها!
قال الله تعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون" (سورة آل عمران)، وقال تعالى: "فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتصِر" (سورة القمر).
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.