تركة ملوثة.. هكذا أنفقت إدارة أوباما مليارات الدولارات على مشاريع تدفع بالعالم نحو كارثة مناخية

عربي بوست
تم النشر: 2016/12/01 الساعة 16:32 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2016/12/01 الساعة 16:32 بتوقيت غرينتش

عن طريق بنك التصدير والاستيراد الأميركي (يو إس إكسبورت إمبورت)، أنفقت إدارة أوباما ما يقارب 34 مليار دولار على مصانع طاقة غير نظيفة في بلاد تتضمن الهند، وحتى أستراليا، وجنوب إفريقيا.

يبدو للوهلة الأولى أن لا شيء يربط بين مجتمع هندي يعاني من كارثة مياه سامة، وأزمة تلوُّث هواء وشيكة في جنوب إفريقيا، واتجاه لتكسير قاع المحيط يترك علامات في وجه القارة الأسترالية. لكن خيطاً واحداً يصلها كلها، وهو أموال دافعي الضرائب الأميركيين، وفق صحيفة الغارديان.

عن طريق بنك التصدير والاستيراد الأميركي، أنفقت إدارة أوباما ما يقارب 34 مليار دولار لدعم 70 مشروعاً للوقود الحفري عبر العالم، وهو ما كشفه مشروع صحافة الطاقة والبيئة الخاص بمدرسة الصحافة بجامعة كولومبيا بالتعاون مع صحيفة الغارديان البريطانية.

كارثة مناخية


وكان هذا الدعم غير المسبوق لمشروعات تصنيع النفط، والفحم، والغاز الطبيعي هامشاً غير متوقع في نهاية صحيفة عهد أوباما فيما يتعلق بالتغير المناخي. وصف الرئيس الاحتباس الحراري بالـ"مروّع" وساعد بالتوّسط لعقد أول اتفاقية في العالم للتصدي له، ومع ذلك ضخّت إدارته المال في استثمارات ستدفع بالعالم أسرع تجاه كارثة مناخية.

من جهة أخرى، كان الأثر أكثر مباشرةً بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون بالقرب من المناجم والمحطات التي تموّلها الولايات المتحدة.
زار مراسلو صحيفة الغارديان وجامعة كولومبيا المشروعات المدعومة أميركياً في الهند، وجنوب إفريقيا، وأستراليا في سبيل توثيق الأمراض، والاضطرابات، والضرر البيئي الذي تسببه مشروعات الوقود غير النظيف الضخمة.

في الهند، استمعنا إلى شكاوى بشأن تطاير رماد الفحم إلى القرى، والمياه الملوّثة وأمراض التنفس والمعدة، وتعود جميع أسبابها إلى مشروع تلقى دعماً بمقدار 650 مليون دولار من إدارة أوباما.

في جنوب إفريقيا، يُنتَطر من مشروع ضخم آخر أن يؤدي إلى تفاقم مشكلات تلوّث الجو الموجودة بالفعل، بالإضافة إلى تدمير الغابات ونقص المياه. وفي أستراليا، ارتبط مشروع ضخم للغاز الطبيعي -مدعوم من قبل أميركا أيضاً- بنشاطات تكسير قاع المحيط التي أشاعت انقساماً بين المجتمعات وآذنت ببداية موجة جديدة من التصنيع بجانب الحيد المرجاني العظيم.

وبينما يستطيع أوباما الزعم بأن أميركا تقود العالم فيما يتعلق بالتغيير المناخي -وعلى الأقل حتى يصل دونالد ترامب إلى البيت الأبيض- يتضح أيضاً أنها أصبحت بين كبار ممولي الوقود الحفري الذي يحمّل آثاراً مدوية على الحيوات المحيطة به.

هذه هي القصة الغير المتوقعة لإرث أوباما وكيف يترك أثره عبر القارات.

مشروع ساسان الضخم للطاقة، ماديا براديش، الهند


في الليل، تضيء محطة الطاقة الحرارية الممولة أميركياً والمقامة في منطقة سينغراولي الغنيّة بالفحم بلون برتقالي، بينما يحل غطاء ثقيل من الدخان على المنطقة الصناعية وسكّانها.

يستهلك مشروع ساسان، وهو المشروع الطَموح الذي أقامته شركة الطاقة الهندية الخاصة ريلاينس باور، الفحم بلا توقف من منجم مجاور على أمل إضاءة بيوت ما يقرب من 300 مليون شخص في البلاد. لكن منذ تشغيله عام 2012، توّرط المشروع في عاصفة من انتهاكات الصحة والسلامة، والمخاوف البيئية والنزاع على الأراضي.

عام 2010، تلقى مشروع ساسان قرضاً للتمويل بمقدار 650 مليون دولار من قبل بنك التصدير والاستيراد الأميركي، وهو فرع من الحكومة الفيدرالية يموّله دافعي الضرائب الأميركيين ويعمل ظاهرياً لدعم الوظائف الأميركية والمساهمة في خزينة الولايات المتحدة.

في البداية، رفض البنك طلب مشروع ساسان للتمويل نتيجة مستويات انبعاث الكربون شديدة الارتفاع من المحطة التي تعمل على الفحم. لكن شركة ريلاينس باور أعادت تقديم طلب للحصول على قرض تحت توجيهات أكثر صرامة تجاه انبعاث الكربون، ووعدت "بتعويض" عن انبعاث 26.4 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون الذي تنتجه المحطة من خلال مشروعات للطاقة المتجددة.

وافق بنك التصدير والاستيراد هذه المرة على القرض لتسهيل تصدير السلع والخدمات من الولايات المتحدة، وأصرّ على الالتزام بالتوجيهات البيئية والخاصة بالسلامة من أجل التنمية المستدامة للمحطة. ولكن على مدار 5 سنوات تلت هذا القرار، ازدادت مخاوف السكّان والنشطاء في منطقة سينغراولي بشأن المشروع الضخم.

تنحني راماكالي، 30 عاماً، بينما ترتدي ساري زاهي الألوان وتضع نقطة حمراء سميكة على جبهتها، على بئر أخضر معكّر المياه وممتلئ لآخره، وراءها يبدو البرجين الشاهقين لشركة ريلاينس باور، تستطيع راماكالي رؤية الحروف المكتوبة على مداخن الشركة من بيتها المبنّي من الطين والطوب بقرية هاراهاوا. تطفو حشرات وذباب على مياه البئر. قالت: "أصبح طعم الماء غريباً. عانيت من آلام قوية بمعدتي منذ بدأوا بإلقاء مخلفاتهم في مياهنا الجوفية".

أشارت راماكالي إلى موقع التخلص من بقايا رماد محطة ساسان، والذي يبعد بضعة أمتار عن عتبة منزلها. وفي الأيام الحارة، يمكنك رؤية الرماد المتطاير خارج الحفرة المخصصة لإلقائه في اتجاه القرى المجاورة المحيطة بمحطة الطاقة.

يشتكي الأهالي من أن الرماد القادم من حوض الإلقاء المغلق يستقر على أسطح المياه في المناطق المجاورة، ما يسبب امتلاء الآبار عن آخرها بمياه غير نقية. قالت راماكالي وهي تهز رأسها: "قدمنا طلباً للشركة للحصول على مضخة يدوية، لكننا لم نتلقَّ رداً. لا يفعلون شيئاً، قدّمناً عدداً غير محدود من الشكاوى".

نشرت محكمة البيئة القومية، وهي محكمة تُعرَض بها القضايا البيئية في الهند، تقريراً أعدته لجنة من الخبراء البيئيين في أغسطس/آب عام 2015، ذكر احتواء المياه الجوفية في هاراهاوا على مستويات عالية من الزئبق. وارتبط احتواء مياه الشرب على مستويات زائدة من الزئبق بالإصابة باضطرابات عصبية حادة وعيوب خلقية للأطفال.

لم يذكر التقرير ما إن كان مشروع ساسان هو مصدر التلوّث المذكور، لكن يؤكد الخبراء أن التلوّث مرتبط بساسان وبمحطات طاقة حرارية كبرى أخرى في المنطقة.

أكدت وكالتان حكوميتان أيضاً أن المخلفات الناتجة عن عمليات التنجيم في مشروع ساسان تتطاير إلى الغابات والمزارع المحيطة، وأن الشركة فشلت في إعادة زرع المساحات الخضراء التي تكلّفها إنشاء المحطة. كما وُجد رماد فحم في الحقول المجاورة للمناجم.

مستويات التلوث أصبحت حرجة

وتنتشر عدة محطات ضخمة للطاقة الحرارية في مجمَّع سينغراولي الصناعي منذ ثمانينات القرن الماضي، بينما كان مشروع ساسان أحدث إضافات منطقة الفحم المركزية في البلاد. وفي يناير/كانون الثاني عام 2010، أعلنت وزارة البيئة والغابات الهندية أن مستويات التلوّث في منطقة سينغراولي صارت حرجة.

وقال أشواني كومار دوبي، وهو محامٍ وقف مراراً في مواجهة صناعة الفحم: "عندما كانت ريلاينس باور تخطط لإنشاء محطة طاقة في سينغراولي، كانوا يعلمون مسبقاً أن المنطقة تعاني أزمات تسمم وتلوث صناعي هائلة. ومع ذلك، استكملوا خططهم وأنشأوا المحطة. إنهم يفاقمون من حجم الضرر، ولا يفعلون شيئاً للتحكم فيه".

ويبعد منجم فحم شركة ريلاينس بمنطقة موهير مسافة قصيرة عن محطة الطاقة الحرارية. ويُنقل الفحم إليها على سير متحرك أزرق يشبه ثعباناً بطول 14 كيلومتراً، ويوّفر لشركة ريلاينس نفقات النقل عبر السكك الحديدية.

يعيش ديفناريان ساهو (40 عاماً)، مع أسرته وقطيع من الماشية في مجموعة من القرى تسمى أملوهري تبعد 50 متراً عن موقع إلقاء مخلفات مشروع ساسان. يُسمع صدى التفجيرات في المنجم في الخلفية ويهتز منزل ناريان قليلاً. يقول: "اعتدنا حدوث هذه الهزّات".

سار ناريان إلى حديقة منزله الخلفية، وأشار إلى جرافات ترمي صخوراً من فوق أكوام من مخلفّات التنجيم السامة. قال: "انظر كيف تتدحرج هذه الصخور إلى بيتي ومزرعتي، عندما أمطرت السماء منذ بضعة أيام، أغرقتنا المياه ببقاياها".

لن ينبت المحصول.. صعوبة في التنفس

كما استقرت طبقة من غبار الفحم على مزرعته الهزيلة للطماطم والباذنجان، ومصدر رزقه الأساسي. قال ناريان وهو يمسح الغبار عن أحد البراعم: "إذا لم أروِها باستمرار لغسل الغبار السام عنها، فلن ينبت المحصول".

ويؤثر التلوث الصناعي على صحة ناريان وعائلته أيضاً. فالإصابة بصعوبات في التنفس، وآلام المعدة والمفاصل حدث شائع. قال: "عندما نسعل في الصباح، نستطيع رؤية الغبار في البصاق، والآن ننفق القليل الذي نجنيه على العلاج الطبي".

وقالت كالبانا رافي، وهي طبيبة أطفال في المستشفى العام بمنطقة وايدان: "تنتشر هنا الإصابة بالربو، والحساسية والتهابات الشعب الهوائية بسبب تلوث الجو، وخاصةً بين الأطفال الموجودين في مجموعات القرى القريبة من مناطق التخلص من الرماد، والمناجم، ومحطّات الطاقة الحرارية".

ناشد ناريان شركة ريلاينس إصلاح الوضع على مدار سنوات، لكن لم يحدث شيء. قال: "أتى العديد من المسؤولين لفحص المكان، يأتون ويذهبون، لكنهم لا يفعلون شيئاً. تقول شركة ريلاينس إنها لا تحتاج أراضينا حتى الآن. لكننا نرى هذه الصخور تسقط. مثلها مثل الكثيرين ممن هجروا بيوتهم خوفاً على حياتهم، يريدوننا أن نخاف ونترك المكان بأنفسنا".

وتحكي العائلات التي تقع منازلها أسفل السير المتحرك الصاخب، الذي يوصل الفحم إلى محطة الطاقة، حكاية مشابهة.

يقول سوخلال بانيكا، الذي يعيش تحت جزء من السير المتحرك مع أمه المسنّة: "لا أدرى أيهما سيحدث أولاً: إما أن نُصاب بالصمم نتيجة الضجيج المستمر وغير المحتمل فوق رؤوسنا، أو نختنق بغبار الفحم الذي يتساقط من السير". اشترت شركة ريلاينس فقط جزءاً من مزرعته لإنشاء السير، تاركة منزله وبئره معرّضين للتلوّث الناتج عن نقل الفحم.

وقد ضرب مشروع ساسان تقارير بشأن الحوادث، والتحرش، والوفيات، والإصابات التي حدثت فيه. وفي فبراير/شباط 2015، انتقد رئيس بنك التصدير والاستيراد، فريد هوشبرغ، إجراءات السلامة "الرديئة" في مشروع ساسان في خطاب موجَّه إلى شركة "ريلاينس باور".

19

حالة وفاة


وذكر هوشبيرغ: "بلغ العدد الإجمالي للوفيات في المشروع 19 حالة، وهو أمر مأساوي وغير مقبول نهائياً". وقال خطاب رئيس البنك: "يجب وقف هذا العدد المُقلق من الإصابات والوفيات" وإن "الوضع يبدو أنه يتدهور بدلاً من أن يتحسن".

وأكدت الشرطة أن 16 حالة مُتعلقة بمصنع ومنجم فحم "ساسان" قد تم التحقيق فيها منذ عام 2012، وقد نتجت هذه الحالات من حوادث مركبات، أو صعق، أو سقوط من أبراج، أو صدمات كهربائية.

وعبَّر الناشط أواديش كومار، في أثناء حديثه إلى جمع من العاملين في "ساسان" والقرى المجاورة، عن اعتقاده أن الرقم الحقيقي أكبر من الذي تم إعلانه. وقال: "من الصعب إحصاء العاملين المهاجرين الذين ليس لديهم عائلة هنا، وهم يُمثلون جزءاً كبيراً من العاملين في ساسان. حين يطال أحدهم أذى أو يُفقد، لا يطالب أي أحد الشركة بتقرير عن الحادث أو تفسير له".

ورداً على خطاب بنك التصدير والاستيراد بشأن الحوادث، قدَّمت إدارة "ساسان" للبنك معلومات عن قوة العمل تتضمَّن الإدارة الوسطى بغرض تحسين إجراءات السلامة والتدريب.

لكن الخطوات التي يقوم بها البنك لتنظيم عمل "ساسان" خطوات قليلة جداً ومتأخرة للغاية، وفقاً للأهالي الذين يعيشون حول محطة الطاقة الحرارية ومنجم الفحم. يقول كومار: "التفتيش على أرض الواقع الذي قام به البنك كان يجب أن يتم منذ مدة طويلة، وكان يجب أن يتم دورياً".

وأضاف: "يجب أن تُخضع إحدى الوكالات الفيدرالية الأميركية المشروعات التي تمولها لمعايير أفضل وأكثر حيادية. التنمية أمر جيد، لكن ليس على حساب البيئة والناس الذين يضحون بكل شيء في سبيل إقامة هذه المشروعات".

وقد تمَّ إبلاغ مسؤولي "ريلاينس" بكافة النقاط الواردة في هذه القصة. لكنهم لم يُقدموا رداً حتى الآن.

مصانع الغاز المسال، كوينزلاند أستراليا


يقول آلان وأليزا سميث إن دخول جزيرة كورتيس يشبه العودة إلى التاريخ. تقع جزيرتهما التي يعيشان فيها، والمصنفة في قائمة التراث العالمي، قبالة شواطئ جلادستون بكوينزلاند، أستراليا، تحت مدار الجدي مباشرة.

وقال آلان: "إن السكان هنا قليلو العدد. يشبه الأمر الرجوع 25 عاماً إلى الوراء".

يملك الزوجان محلاً صغيراً للبقالة وفندقاً. هذا هو المشروع الوحيد في القرية الوحيدة على الجزيرة، التي يعيش فيها 30 شخصاً فقط بشكل دائم.

لكن الجزء الجنوبي من الجزيرة سكن فيه جار جديد أعلن عن نفسه ليلاً، ليضيء السحب بأضوائه الباهرة، مرسلاً ألسنة اللهب، إلى السماء، بين الفينة والأخرى.

فقد انضم إلى سكان جزيرة كورتيس الثلاثين، منذ 2010، ووسط عاصفة من الجدل امتدت من أستراليا إلى الولايات المتحدة، 3 مصانع ضخمة للغاز المسال، إلى جانب مصنع رابع سوف يضاف قريباً.

سوف يجعل هذا المصنع الرابع، عند الانتهاء من بنائه، من أستراليا أكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال، لتتفوق بذلك على قطر. وقد أدى هذا التطوير إلى ازدهار مثير للجدل في تكسير الصخور بكوينزلاند، حيث حفر نحو 6 آلاف بئر غاز شقوق الفحم، من أجل توصيل الغاز الذي سوف يسال في المصانع الجديدة.

وقد دعم اثنان من هذه المصانع الثلاثة، APLNG و QCLNG، بقرض قيمته 4.7 مليار دولار من بنك التصدير والاستيراد الأميركي. ومع بدء هذه المصانع في العمل، فإنها ستنتج 11.3 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون كل عام، وسوف يكون هذا الرقم أعلى بكثير ما لم يتم التحكم في انبعاثات الميثان التي تتسرب من الآبار.

50 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي

تتجاهل هذه التقديرات انبعاثات الكربون التي سوف تنتج عندما يحترق الغاز المصدر من جزيرة كورتيس. سوف ينتج المصنعان اللذان موّلتهما الولايات المتحدة الأميركية ما يصل إلى 17.5 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال كل عام. عندما يحترق هذا الغاز فإنه سوف يضخ نحو 50 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، وهو ما يساوي تقريباً ما تنتجه السويد من ثاني أكسيد الكربون.

وقال مايكل رادكليف، واحد من سكان الجزيرة بينما كان جالساً يشرب البيرة في فندق مدار الجدي، إنه ليس منزعجاً من مصانع الغاز المسال، لكنه عبّر عن بعض القلق من الدخان المنطلق عندما تحرق المصانع بعضاً من غازاتها على نطاق واسع.

وقال رادكليف: "هناك الكثير من المواد السوداء التي تخرج". وقال إنه كان هناك الكثير من ألسنة اللهب الأسبوع الماضي نتج عنها الكثير من الدخان الأسود. وقال: "لقد ظننت أن هناك حريقاً في الغابة أو شيئاً ما".

عند النظر من قمة (شيب هيل)، يبدو واضحاً سبب اهتمام السكان المحليين برؤية المصانع وقت الغروب. عند شروق الشمس، تضيء آلاف الأضواء من مصانع الغاز. الأدغال بين التل والمصانع كثيفة، لكن من خلال الأشجار يبدو منظر المصانع الضخمة، والتناقض الذي تصنعه مع باقي الجزيرة، مدهشاً.

تصدر المصانع أزيزاً عالياً، يشبه إلى حد ما صوت ثلاجة ضخمة، وهي بالضبط وظيفة مصنع إسالة الغاز.

قامت حكومة كوينز لاند بعملية تجريف ضخمة في الميناء، من أجل السماح للسفن بالرسو لتسلم الغاز المسال.

نحو 25 مليون متر مكعب من التربة أزيلت من أرض الميناء، كما أعطت الحكومة الأسترالية موافقة على حفر 19 مليون متر إضافي. أُلقي بعض هذا التراب ببساطة في بحر كورال، ووضع الباقي وراء "حائط خرساني" واستُخدم لاستعادة بعض الأراضي قبالة جزيرة كورتيس مباشرة، وهو إجراء يهدف إلى وقف خنق نفايات الحفر للتوازن البيئي الدقيق للحاجز المرجاني الكبير.

فشل الحائط في أداء وظيفته، وتسربت نفايات الحفر من خلاله، وانتشرت في الحاجز المرجاني الكبير المصنف في قائمة التراث العالمي.

وأظهر تحليل القمر الصناعي أن قطاعات الطين التي انتشرت خلال الماء قد امتدت لـ35 كيلومتراً إلى داخل بحر كورال، وهو الأمر الذي من شأنه أن يؤثر على مروج الأعشاب البحرية التي تعتمد عليها أبقار البحر المهددة بالانقراض.

وما إن بدأت أعمال الحفر حتى أبلغ الصيادون عن تفشي المرض بين الكائنات البحرية، قال العلماء إنها قد تكون ناجمة عن المعادن في قاع البحر التي أطلقت إلى المياه.

وفي خطوة جريئة غير مسبوقة، دعا الاتحاد العالمي للحفاظ على الطبيعة، وهو اتحاد يقدم استشاراته للجنة التراث العالمي التابعة للأمم المتحدة في الشؤون العلمية، إلى إيقاف تطوير مصانع الغاز الطبيعي المسال.

كان تريفو فالزون، المدعي الرئيسي في قضية غير ناجحة قدمها 51 صياداً ضد شركة موانئ غلادستون بسبب الحفر، قد اعتاد أن يصطاد السمك عند مرفأ غلادستون، وهو موطن لواحد من أكبر الموانئ في العالم.

يعني ذلك التطوير فقدان أولئك الصيادين منطقة اعتادوا الصيد فيها. كما يعني أن الشباك التي كانوا يستخدمونها في المياه الضحلة لم تعد صالحة في المياه الجديدة العميقة، لكن القضية رُفِضت.

وقال فالزون، بينما كان جالساً بين صناديق تعبئة حاجاته في بيته بضواحي جلادستون: "الآن، عليَّ أن أبيع كل شيء، بيتي الآن معروض للبيع".

محطة طاقة كوسيلي، مبومالانجا، جنوب إفريقيا


بينما تنخفض الشمس ناحية التلال المتموجة لإقليم مبومالانجا الشرقي في جنوب إفريقيا، فإن الأضواء تسطع عالية فوق الأراضي الرطبة للوادي، ترتفع الأعمدة والرافعات الضخمة، سواد يواجه حمرة السماء.

يبدو الهيكل الضخم على التل واضحاً للعيان من مستوطنة "أربور" الصغيرة، حيث تتجمهر أكشاك وأكواخ على قطاع ضيق من الأرض بين منجم فحم، وخطوط سكك حديدية على بعد 10 كيلومترات من كوسيلي.

وقالت سيبونجيلي (41 عاماً) أم لـ5 أطفال في أربور: "أشاهد الهيكل يكبر وأتساءل عما سوف يجلبه. ربما يجلب عملاً وتطويراً، أو ربما يجلب مرضاً وجفافاً. لا أدري. لذا، فإنني أتمنى وأدعو أن يجلب أشياء أفضل لا أسوأ".

هذا البناء الذي تراه سيبيكو هو ما بنيَ حتى الآن من كوسيلي، التي ستكون واحدة من أكبر 10 مصانع توليد طاقة من الفحم في العالم، وهي الآن بالفعل واحدة من أكثرها إثارة للجدل.

هذا المشروع ممول جزئياً من الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ تلقى المشروع قرضاً بقيمة 805 ملايين دولار من بنك يو إس أكسبورت إمبورت في 2011، بعد أن اختارت إسكوم شركة أميركية لتقوم بدور هندسي محوري، ولتخلق مئات الوظائف للأميركيين الاختصاصيين. ويقول العاملون في الحملة إن هذا المال كان محورياً لهذا المشروع الذي يتكلف 8.4 مليون دولار.

وقالت مليتا ستيل من جرين بيس: "كان مشروع كوسيلي لسكون صعب التنفيذ جداً لو لم يأتِ المال من بنك التصدير والاستيراد الأميركي".

يرمز مشروع كوسيلي، الذي تأخر لعقود وميزانيته شديدة الارتفاع، إلى نموذج تطوير صار ينظر إليه بشكل متزايد على أنه عتيق. يقول بعض الخبراء إن أيام المشارع شديدة الضخامة ذات التكلفة المالية والاجتماعية والبيئية الهائلة، إلى جانب احتمالية تحويل الاقتصادات، قد انتهت. بدلاً من ذلك، فإن المشروعات الأصغر والأرخص يمكن لها أن تجلب تغييرات بالكفاءة نفسها، وتمد بالوقود والاحتياجات الأخرى بأقل تبعات ممكنة.

وقال ماثيو هالبين، من مجلس الثورة الخضراء الجنوب إفريقي، وهي منظمة غير حكومية: "إن الأمل الوحيد لنا يكمن في الطاقة المتجددة. قد يعني هذا دماراً أقل، واستيلاءً أقل على الأرض، أو لا استيلاء أصلاً، إلى جانب عدم الحاجة إلى الفحم والماء".

لكن القرض كان مُكلفاً جداً هو الآخر. فقد تصاعدت تكلفة دفع القرض مع انخفاض العملة المحلية أمام الدولار.

المشروع ضخم.، وعندما ينتهي سوف يكون في كوسيلي 6 وحدات قادرة على توليد 4800 ميغاوات، ما سيجعله أكبر بكثير من أي محطة توليد طاقة في الولايات المتحدة باستثناء سد "غراند كولي" للطاقة الكهرومائية في واشنطن.

يقول المدافعون إن كوسيلي قد صمم بتكنولوجيا متقدمة من شأنها أن تقلل من أثره البيئي، مثل أجهزة غسل الغاز للتحكم في ثاني أكسيد الكبريت، والمرشحات التي تهدف إلى تقليل انبعاثات الجزئيات الخطيرة. سوف تستخدم هذه المحطة نظام تبريد هوائي للمساعدة على الحفاظ على الماء، كما أنه مصمم لكي يكون ملائماً لأجهزة حبس انبعاثات الكربون في المستقبل.

وترجع خطة بناء محطة كوسيلي، وتوأمه ميدوبي، في إقليم ليمبوبو، إلى الفترة التي أعقبت مباشرة نظام الفصل العنصري القمعي. وكان ينظر إليهما باعتبارهما مصدرين للطاقة لأمةٍ نامية وحرة، وتصريحان قويان يبشران بالتزام جديد باقتصاد حديث سوف يحسّن من حياة كل مواطني جنوب إفريقي. وتعني كوسيلي "الفجر الجديد"، بلغة الزولو المحلية.

في السنوات الأخيرة، تعرضت جنوب إفريقيا لنقص حاد في الطاقة، أدى إلى انقطاعات متبادلة للتيار الكهربي. وعلى الرغم من أن الأزمة قد انخفضت حدتها، جزئياً بسبب مصادر الطاقة المتجددة التي تكمل المعروض من الطاقة، فإن مسؤولين محليين يقولون إن كوسيلي ما زال ضرورياً لضمان تطوير أمن الطاقة للبلاد لعقود قادمة.

لكن الظروف والمواقف قد تغيرت منذ أخذ القرار الأصلي ببناء المحطتين الضخمتين.

وقالت جانيت ريدمان، مديرة برنامج المناخ بمعهد دراسات السياسة في الولايات المتحدة بواشنطن العاصمة أوائل العام الجاري: "إن محطتي ميدوبي وكوسيلي مثلان على مشروعات البنية التحتية واسعة النطاق تراها الدول أساساً لنموذج تطوير بدأ في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ينظر للمشروعات بهذا الحجم على أنها تحويلية. تكلف هذه المشروعات الكثير، وتوظف الكثير من الناس. ويقصد أن تكون تأثيراتها كبيرة. لكن هذا النموذج لا معنى له الآن".

وقال روبين هوغو، من مركز الحقوق البيئية، وهي منظمة محلية غير حكومية: "إن استخدام الفحم في الطاقة مُكلف إلى حد كبير، وعتيق، وضد الصيحات العالمية، وغير مسؤول من الناحيتين المالية والبيئية".

وبحسب أحد التقديرات، فإن التكلفة الكلية لمشروعي كوسيلي وميدوبي قد تصل في النهاية إلى 23 مليار دولار. ويعتمد مشروع ميدوبي جزئياً على قرض بقيمة 500 مليون دولار من بنك التنمية الإفريقي إلى جانب 3 مليارات دولار من البنك الدولي، تمت الموافقة عليها في 2010. وقد اتُّهم هذان المشروعان بالكثير من الفساد. ونفى كل المتهمين أي ضلوع لهم في ذلك.

ويُتوقع لمشروع كوسيلي وحده أن ينتج عنه ما يقارب 36.8 طن مما يساوي ثاني أكسيد الكربون، وذلك بحسب تقديرات إسكون نفسها. وبالإضافة إلى محطة ميدوبي، فإنهما سوف يضيفان 16٪ إلى مستويات انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي تصدرها جنوب إفريقيا.

سوف يكون تأثير المشروعين على البلدات والقرى المحلية ضخماً. وليس الأمر مقتصراً على محطة الطاقة نفسها فحسب، ولا تلوث الهواء، والازدحام الذي سيجلبانه، وإنما بسبب عمليات البحث عن الفحم الضرورية لتزويد محطة كوسيلي بالـ17 مليون طن من الفحم التي تحتاجها سنوياً.

تختفي الأراضي الزراعية والأراضي الرطبة

سوف تختفي الأراضي الزراعية والأراضي الرطبة مع افتتاح المناجم الجديدة والمناجم تحت الأرض، أو إعادة افتتاح المناجم في بعض الحالات. سوف يضخم آلاف العمال الفقراء من حجم بعض المستوطنات. والبعض الآخر سوف يكون لزاماً عليه أن يتحول تماماً إلى مناطق أخرى. سوف تبنى الطرق، ما سيؤدي إلى توفير الوظائف والفرص للبعض، لكنها سوف تفاقم من الآثار البيئية.

ومع ذلك، فالأمر أبعد ما يكون عن الأراضي الزراعية البكر أو الأراضي البرية؛ ذلك أن مركز مبومالانغا موقع لـ10 محطات توليد طاقة وصناعة تعدين ضخمة.

إحدى الشكاوى الرئيسة للمجتمعات المحلية هنا، هي أن الشركات نادراً ما تُوظّف الرجال سوى في الأعمال غير المنتظمة، بسبب تلوُّث الهواء الحاد الذي دمَّر رئاتهم، كما تدعي الشركات.

وقد تمَّ تعريف محافظة "مبومالانغا" في جنوب إفريقيا كمنطقة تعاني تلوُّثاً حاداً في الهواء. ويشكو سكان المحافظة من التهابات الجيوب الأنفية، والصداع، وسعال الأطفال.

وتقول سيبونجيلي سيبيكو، التي قضت حياتها كلها في "أربور" إنَّ بناتها الثلاث وابنيها الاثنين قد عانوا جميعاً أمراض الجهاز التنفسي التي يعزوها الأطباء إلى الـ"غبار".

تعيش سيبيكو في كوخ صغير يحتوي على 3 حجرات، يقع على بعد أمتار من موقعٍ لدفن النفايات على حدود منجم كبير يعمل منذ 5 سنوات تقريباً. ومحطة كهرباء كيندال، الأكبر في إفريقيا، لا تبعد كثيراً عن الكوخ. دخلت المحطة حيز العمل في ثمانينات القرن الماضي، وهي تعمل بالفحم، وتصل قدرتها الاستيعابية إلى أربعة آلاف ميغاوات.

وقالت سيبيكو: "فحص الطبيب ابني ذا الأعوام الأربعة مؤخراً، وقال إن صدره ينغلق بسبب الغبار".

والماء أيضاً لم يسلم من التلوث. فستكون إحدى تأثيرات محطة "كوسيل" تدمير بعض الأراضي الرطبة المهمة حول المحطة. لقد شُيّدت بنية تحتية ضخمة، من أنابيب وقنوات، لتزويد "كوسيل" بالمياه بغرض التبريد، لكن هذه الخطط قد وُضعت في وقتٍ كانت المياه فيه أكثر وفرة. تشهد جنوب إفريقيا الآن أسوأ موجة جفاف مرَّت بها منذ 50 عاماً، والتي يعزوها البعض إلى تغير المناخ.

نقص المياه والتصحر

وفي القرى المحيطة بمحطة "كوسيل"، يشكو الأهالي نقص المياه، والتصحر، ومشكلات بيئية واجتماعية أخرى مرتبطة بوفود العمال إلى القرى، من معدلات الجريمة المرتفعة إلى تكدس المدارس.

وقالت سيبيكو: "قبل أن يأتي المنجم إلى منطقتنا، كنا نأتي بالأخشاب من الغابات، والمياه من الآبار، وكنا نزرع الخضراوات في حدائق صغيرة. كان لدينا ماعز، وبقر، ودجاج، وكان هناك مزارع أبيض والناس هنا كانوا يعملون في أرضه. لكن ليس هناك أية وظائف في الزراعة الآن، وليس هناك غابة، والآبار كادت تجف، وهذا أمر سيئ، وليس هناك مساحة تصلح لتربية الماشية أو حتى إقامة حدائقنا بسبب كل أولئك الناس الذين أتوا إلى هنا".

قرية أخرى مجاورة، يعزلها عن الطريق السريع الرئيسي شريط من العشب الجاف، وتتناثر فيها زجاجات عصير التفاح وعلب صدئة، غالباً ما تتعرض لهزَّات بسبب التفجيرات في المنجم القريب.

وتقول باتريشيا ماباسو (30 عاماً): "هناك الكثير من الغبار هنا، خاصةً عندما يقومون بالتفجيرات. لقد أصابت الأمراض الكبار والأطفال بسبب الغبار. يوماً ما كان المكان هنا مليئاً بالخضرة، لكنه الآن صحراء!".

– هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Guardian البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

تحميل المزيد