القصة الكاملة لحرب روسيا ضد اللاجئين العرب في ألمانيا

عربي بوست
تم النشر: 2016/02/07 الساعة 15:38 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2016/02/07 الساعة 15:38 بتوقيت غرينتش

تجلس "سفيتلانا" إلى طاولة المطبخ في منزلها المزدوج بمنطقة مارتسهان هيليرسدورف بالعاصمة الألمانية برلين. سفيتلانا امرأة نحيلة تبلغ من العمر 39 عاماً، تفرك يدها بينما تستعيد ما حدث لابنتها قبل أكثر من 3 أسابيع، الحديث كان يتوقّف كلما تعسّر على الأم إيقاف دموعها. وهذا هو اللقاء الإعلامي الوحيد لها حسب موقع Spiegel الألماني، الجمعة 5 فبراير/شباط 2016.

"ابنتي ليست بحالة جيدة" هكذا قالت الأم عندما التقت محطة "شبيغل" التلفزيونية بها الخميس، كانت الفتاة في المستشفى، وهي محتجزة بقسم العلاج النفسي منذ الاثنين".

لم تعد الحياة مثلما كانت بالنسبة للعائلة منذ اختفت الفتاة البالغ عمرها 13 عاماً ذات صباح بينما كانت في طريقها إلى المدرسة. وأصبحت تلك الحادثة قضية سياسية دولية منذ أن تناولها الإعلام الروسي، وهاجم وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف السلطات الألمانية التي تحقّق في الواقعة.

مثلما يُقال "الحقيقة هي أولى ضحايا الحرب". ينطبق هذا في نحوٍ خاص على ما يتعلّق بحرب الدعاية التي تشنّها موسكو على الغرب ومجتمعاته المفتوحة منذ بدء أزمة أوكرانيا.

الفتاة البالغة من العمر 13 عاماً حادثُ اختفائها أصبح سلاحاً في تلك الحرب. بحسب النسخة الروسية من القصة، فإن القضية لها كلّ مقوّمات الأهمية: اغتصاب فتاة مراهقة، عنف لاجئين، الشرطة التي تستخدم المبرّر السياسي كذريعة لعدم التحقيق، والسياسيون الذين يخافون الحقيقة. هذه هي القصة التي ترويها موسكو بغض النظر عن الحقيقة.

روسيا تتهم ألمانيا بالتستر

يُظهر الكرملين نفسه الآن كمدافعٍ عن الفتاة. فالسفارة الروسية في برلين أرسلت خطاباً لوزير الخارجية الألماني في مطلع الأسبوع الماضي. كان الخطاب مكوناً من ورقة واحدة مكتوبة بالروسية، وكان يحتوي على عبارات المجاملة المُعتادة، ولكن اللهجة العامة كانت عدائية، إذ طالب الدبلوماسيون الروس بتحقيقٍ كامل في القضية، إضافةً إلى كونهم لا يفهمون سبب برود وتكتم السلطات الألمانية على تفاصيل الحادثة.

يوم الثلاثاء، اتهم لافروف السلطات الألمانية علانيةً بـ"التستر" قائلاً إنهم كانوا يقومون بتبييض الحقيقة لجعلها أمراً مقبولاً سياسياً. ووزير الخارجية الألماني فرانك والتر شتينماير ردّ على نحوٍ صارم فسمّى سلوك موسكو "دعاية سياسية".

ويوم الأربعاء تم استدعاء السفير الروسي فلاديمير جريني واطّلاعه على التحقيق.
ومع ذلك فإن معركة الدعاية استمرت، والرواية التي تزعم اغتصاب الفتاة مازالت منتشرةً على الإنترنت.

يعتقد خبراء أمنيون أن روسيا توسّع حملاتها الدعائية ضد دول الغرب، بما فيها ألمانيا في السنوات الأخيرة. تمثّل هذه الحملة محاولة الكرملين التلاعب بالرأي العام في الغرب، وإثارة الصراع وزعزعة الاستقرار في المجتمعات الغربية.

"الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان في السابق ضابطاً بالمخابرات، وفريقه يستخدمون حيلاً من قواعد اللعبة التي تمارسها وكالات الاستخبارات في إدارة السياسة الخارجية. الطرق القديمة للاستخبارات بالتضليل وزعزعة الاستقرار تظهر بشكل صارخ مجدداً"، هكذا يقول هانز جورج ماسين، رئيس المكتب الاتّحادي لحماية الدستور BfV، وهو جهاز الاستخبارات الداخلية بألمانيا.

تلك الطرق كانت بالفعل قد اتضحت إبّان أزمة أوكرانيا، حيت قامت روسيا بتوظيف محطاتها التلفزيونية لنشر الدعاية عبر الإنترنت والتشهير بوسائل الإعلام الغربية.

الدعاية الروسية تجد أرضاً خصبة في الغرب، حيث تنعدم الثقة بالسياسيين والإعلام على نطاق واسع. ويعتقد الكثيرون أنّ وسائل الإعلام القائمة يتمّ الاستخفاف بها باعتبارها "صحافة كاذبة" تقوم بحجب الحقيقة. ففي ألمانيا نحو 44% من السكان لديهم تحفظاتٌ تجاه الإعلام، بحسب ما أوردت نتائج استبيان أجرته شركة Forsa.

إثارة الاستياء

أزمة اللاجئين تمنح روسيا ذريعةً أفضل وأكثر ملاءمةً لتقسيم المجتمع الألماني، والدعاية الروسية تصوّر الغرب بأنه مُخترق من قِبل العديد من الأجانب، مما يجعله غير قادرٍ على ضمان سلامة مواطنيه. وهذا يثير الاستياء ضد اللاجئين والمهاجرين، ويحاول تقويض الثقة في مؤسسات الغرب الديمقراطية ووسائل إعلامه.

كل هذا يعدّ جزءاً من الاستراتيجية التي تهدف إلى سحب الثقة وإضعاف الغرب.

وروسيا ترى هذه الاستراتيجية ضرورية لتأمين مصالحها. منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، صار الكرملين في حالة دفاعية، وبحسب ما ترى موسكو فإن الغرب يحوز اليد العليا منذ التسعينيات، سواء عسكرياً عبر الناتو الممتد شرقاً، أو دعائياً، حيث تصور الديمقراطية الغربية على أنها الشكل الجذاب الوحيد من أنظمة الحكم. لمواجهة هيمنة الغرب، اتّجهت موسكو إلى تكتيكات حرب العصابات في محاولة منها لتقويضها.

وهذا يشمل أولاً: الهجمات الإلكترونية، مثل تلك التي لحقت بالبرلمان الفيدرالي الألماني، البوندستاغ، العام الماضي.

ثانياً: "الرجال الخضر الصغار"، أي الرجال المُسلّحون في زي عسكري لا يحمل علامةً على انتماء والذين نشرتهم روسيا في شبه جزيرة القرم.

ثالثاً: الدعاية. ويصف الخبراء هذه الاستراتيجية بـ"الحرب الهجينة"، حرب غير معلنة رسمياً، لا قواعد لها ولا حدود. فالدول المحاربة مجهولة ولا تكشف نفسها، وعادة ما تعمل في الخفاء، وبدلاً من استخدام الأسلحة، تستخدم الكلمات. الإنترنت هو ساحة المعركة الأكثر أهمية.

ولطالما رأت المستشارة أنجيلا ميركل ضعفَ المجتمعات الغربية تهديداً كبيراً، فهي قلقة حيال السرعة التي تصبح بها المجتمعات الغربية غير مستقرة، وقالت في مؤتمر الأمن العام في ميونخ، العام الماضي، إنه على الغرب معالجة قضية الحرب الهجينة على نحو عاجل.

تأجيج الاضطرابات

بالنسبة لموسكو، فإن الأقليات العرقية أداة سهلة الاستخدام لإثارة الاضطرابات، حيث أن روسيا ترى نفسها حاميةً لكل الأقليات الروسية التي تعيش خارجاً، والذين استخدمتهم كذريعة لغزو شه جزيرة القرم ودعم الانفصاليين في شرق أوكرانيا.

وبحسب أجهزة الاستخبارات الغربية؛ فإن موسكو نشطة أيضاً في دول البلقان، حيث توجد أقليات روسية. والآن؛ يبدو أن الكرملين يرى الألمان-الروس كمواطنيهم أيضاً. فقد أشار وزير الخارجية الروسي لافروف إلى فتاة الحادث، والتي تحمل جنسية مزدوجة "ألمانية وروسية" ناعتاً إياها بـ"ابنتنا".

بدأت قضية الفتاة بالظهور يوم 11 يناير/ كانون الثاني، في تمام الساعة السادسة مساءً؛ عندما أبلغ والداها المهاجران من روسيا عام 2004 عن فقد ابنتهما. تولّى القضية قسم المفقودين التابع لجهاز التحقيقات الجنائية في برلين، وبدأوا البحث عن الفتاة.

ثم سرعان ما تلى ذلك طباعة نشرة من قِبل العائلة تمّ توزيعها في مارتسهان هيليرسدورف، وانتشرت عبر الإنترنت كتبوا فيها "الفتاة طولها 155 سم، وذات شعر بني وعينين ملونتين بالأخضر البني"، وأن الفتاة البالغ عمرها 13 عاماً في عداد المفقودين منذ 30 ساعة.

بحسب آخر نسخة مطبوعة لصحيفة SPIEGEL، كانت شرطة برلين قد تمكنت من حل لغز قضية الاختطاف والاغتصاب. وكما اتضح؛ فإن الفتاة كانت بصحبة ألماني من معارفها يبلغ من العمر 19 عاماً، في الوقت الذي وقعت فيه الحادثة. وكان ممثلو الادّعاء قد قالوا إنه على ما يبدو؛ فقد قامت الفتاة بالاختباء بشقة صديق بسبب مشكلات بالمدرسة، وبعدها اختلقت قصّة لشرح غيابها.

وعندما جاء الأمر إلى مرحلة اختلاق العذر؛ فهي لم تبخل بالتفاصيل. بحسب الأم سفيتلانا، عادت الفتاة إلى منزلها يوم الثلاثاء بعد الظهيرة، "كانت ترتدي حمالة صدر وسروالاً وحذاء وجاكيتاً. وكانت قد فقدت قميصها وسترتها وحقيبة ظهرها ومحفظتها وخاتماً. كانت تبكي، وكانت هناك خدوشٌ على وجهها، وشفتاها تنزفان، بالإضافة إلى كدمة على أنفها".

في البداية؛ قالت الفتاة لأمها والشرطة إن 3 أشخاص مجهولين تبدو ملامحهم شرق أوسطية سحبوها إلى سيارتهم بينما كانت واقفة بمحطة السيارات، وأخذوها إلى شقّة حيث تم التعدّي عليها واغتصابها، بحسب زعمها، وتقول سفيتلانا إن ابنتها أخبرتها أن الرجال لم يكونوا يتحدثون الألمانية.

شائعات الإنترنت

كانت تلك هي الرواية؛ ولكن عندما أمرت الشرطة بإجراء كشف طبي على الفتاة، لم يتبين وجود إصابات تتفق مع روايتها. وكانوا كذلك قادرين على تقييم احتمال الاغتصاب الذي وصفته الفتاة. ومع ذلك فإن هذا لم يوقف الشائعات من الانتشار عبر الإنترنت كالنار في الهشيم.

بحلول صباح الخميس؛ كان موقعٌ إلكتروني يُحرِّض ضد الأجانب قد نشر ما يلي: "اغتصب على الأقل 5 أجانب فتاةً مفقودة طوال 30 ساعة! والشرطة لم تنشر معلومات بشأن تلك الجريمة". وقام أعضاء الحزب اليميني الوطني المتطرف (NPD) بنشر تلك القصة نقلًا عن الموقع. التفاصيل الحقيقية والمفترضة امتزجت ببعضها، وعلى الفور كانت الأحاديث تدور بشأن "رجال عرب". فالقصة جذبت الاهتمام خصوصاً بين المتطرفين اليمينيين والمهاجرين الحاملين للجنسية الروسية الألمانية.

وبعد يوم؛ تم استدعاء الفتاة ووالدتها للتحقيق أمام قسم التحقيقات الجنائية ببرلين. في تمام 9 صباحاً، وجدوا أنفسهم يجلسون في مواجهة مُحققين للمرة الثانية. "أنا طلبت أن أكون حاضرة بينما تُسأل ابنتي" هكذا قالت الأم. وكان الرد الذي تقول إنها تلقته من الموظفين هو أن هذا ليس ممكناً، وهذا الادّعاء تنفيه الشرطة، حيث يقولون إن التحقيق مع الفتاة البالغة من العمر 13 عاماً بمفردها تم بموافقة والدتها.

وبحسب مزاعم الأم؛ فإن التحقيق مع الفتاة استمر لأكثر من 3 ساعات من قِبل موظفين، رجل وامرأة. وبحسب مصادر مقربة من أجهزة التحقيق؛ فإنه بمجرد أن تراجعت الفتاة عن رواية اغتصابها، أخبرت المحققين أنها كانت على تواصل مع رجال تعرفهم بالفعل.

وتبعاً لرواية الفتاة؛ فإن المحققين استجوبوا في وقت لاحق رجلين أحدهما من أصل تركي والآخر ألماني – تركي، كلاهما في مطلع الـ 20، يُزعم أنهما كانا على اتصال جنسي بالفتاة قبل اختفائها في 11 يناير/ كانون الثاني. وبدأت الشرطة بعد ذلك التحقيق مع هذين الرجلين بتهمة الاعتداء الجنسي على قاصر. فبحسب القانون الألماني؛ على المراهقين أن يتجاوزوا سن ال14 عاماً قبل أن يُسمح لهم بإجراء علاقة جنسية.

في اليوم التالي للاستجواب؛ كان هناك احتجاج أمام مركز إستيجيت التجاري في مارتسهان. قامت به امرأة شابة بعيون باكية قدّمت نفسها كابنة عم الفتاة، وسردت نسختها من القصة: "الفتاة بالفعل تعرضت للاغتصاب من قِبل 3 رجال"، وفي ذلك الوقت كان أشخاص من الحزب الديمقراطي الوطني يقفون حول السيدة؛ وطالب أحدهم بفرض عقوبة الإعدام في جرائم الاعتداء على الأطفال.

حرب الإعلام والهجمات الإلكترونية

في صباح السبت 23 يناير/ كانون الثاني، ظهرت القضية عبر الموقع الإلكتروني للمجموعة اليمينية التي تُدعى "روسيا الألمانية"، وهو مصطلح يصف الأقليات الألمانية التي هاجرت من روسيا إلى ألمانيا. وبحلول المساء من اليوم نفسه؛ كان الإعلام الروسي قد أطلق القصة عبر القناة الأولى الروسية التي خصصت لها 4دقائق في نشرة الأخبار المسائية.

وأغلب المحطات التلفزيونية بدأت في نشر تقارير عن مزاعم الاغتصاب، ومقاطع منتشرة عبر الإنترنت ليست على صلة بالقضية، فواحد من المقاطع المنشورة يُصوّر مشاهد بميدان التحرير بالقاهرة، بينما مقطع آخر استخدم صوراً كانت متواجدة على موقع يوتيوب منذ عام 2009.

شرطة برلين ردت على تلك الاتهامات عبر بيان صحفي يقول إن الفتاة لم تتعرض للاغتصاب. ولم يتعلق شيء مما جاء في التحقيق بحدوث تعدّ جنسي على طفلة. أصبحت القضية تمثل معضلة بالنسبة للشرطة، فإذا نشرت معلومات إضافية عن التحقيق تكون بذلك كشفت عن تفاصيل تتعلّق بالحياة الخاصة للطفلة، وإن لم تنشر فستلقى اتهامات بالتعتيم والتستّر.

بدأت في ذلك الوقت منصات إعلامية روسية مثل Sputnik، وRT (روسيا اليوم) في نشر تقارير عن القضية باللغة الألمانية. وبحلول ختام الأسبوع، في 23 يناير/ كانون الثاني، كان نحو 700 شخص قد أطلقوا نداءات احتجاج عبر مجموعة تُدعى "الاتفاقية الدولية لروسيا الألمانية"، واحتجّوا أمام مقر المستشارة ميركل. وذلك الاحتجاج الذي تم في العاصمة الألمانية تم تنظيمه عبر مجموعة تستخدم تطبيق "واتس آب"، وأصبح تمهيداً ليتحول إلى موجة من الاحتجاجات تضم الآلاف خلال العطلة.

ولأن القضية قد أخذت منحىً سياسي، فقد كشفت الطبيعة الجديدة لحرب الدعاية الروسية.

وكالات الأمن الأوروبية كانت قد حذرت منذ فترة من أن موسكو تستهدف الرأي العام بدول الاتحاد الأوروبي. فالمنصة الإعلامية "روسيا اليوم" التي يديرها الكرملين تقوم ببث الأخبار باللغات الإنجليزية، الروسية، الإسبانية، الفرنسية، والعربية، وهي ذات تأثير هائل.

قناة روسيا اليوم الناطقة بالألمانية وحدها لديها أكثر من 170 ألف متابع على فيسبوك، بينما النسخة الإنجليزية لديها أكثر من 3.3 مليون معجب. والقناة المملوكة للدولة تتجاوز ميزانيتها 222 مليون دولار. هناك أيضاً العديد من المُحرضين العاملين في الخفاء والذين يقومون بالتخريب عبر الإنترنت. فضلًا عن باقي المؤسسات الصحفية التي يتحكم بها الكرملين.

وتحاول موسكو أيضاً التأثير على القنوات الألمانية. فعلى سبيل المثال، تلقّت محطات راديو ألمانية عرضاً مغرياً من روسيا بشراء ساعات بث تتراوح بين الساعة والساعتين، أو عدة فترات إخبارية كل منها يستمر نحو 20 دقيقة، وكانت وكالة Sputnik وراء هذا العرض، وهي التي تبث الأخبار بـ 30 لغةً، "وتقول ما لا يُقال".

شأنها في ذلك شأن روسيا اليوم؛ سبوتنيك الناطقة بالألمانية هي جزء من الإمبراطورية الإعلامية الروسية التي تحمل اسم " Rossiya Segodnya"، والمنوط بها بث وجهة نظر موسكو إلى كل أنحاء العالم بناءً على طلب بوتين.

إمبراطورية بوتن الإعلامية

ديمتري كيسليوف، رئيس الدعاية لدى الكرملين، يشغل منصب المدير العام لسبوتنيك. وهو الصحفي الروسي الوحيد على لائحة عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد موسكو، وبحسب ما يقول فإنه يرى نفسه متورطاً في "حرب المعلومات". وهو يضيف أن هذا هو "الشكل الأساسي للحرب" اليوم.

والمبنى الذي يضم الشركات المتلاعبة بشبكات الإعلام الاجتماعية والمواقع الإلكترونية لصالح الكرملين، يقع على المشارف الشمالية لمدينة سانت بطرسبرغ. وحتى وقتٍ قريب، كان ذلك المبنى الحجري الرملي الأصفر يضم أيضاً مكاتب تابعة لوكالة دراسات الإنترنت.

أكثر من 400 موظف، يُعرفون بمصطلحات الإنترنت بـ"المتصيدون"، يكتبون مدونات أو تعليقات على محتويات إخبارية ومواقع أخرى. أحياناً يحرّضون ضد أعضاء المعارضة الروسية، وفي أحيان أخرى يحرضون ضد أميركا، ولكن في معظم الأحيان هم يمجّدون سياسات الكرملين بشكل عام وبوتين بشكل خاص.

الصحفي ليودميلا سافشوك، الذي ذهب متخفياً إلى وكالة سان بطرسبرج يقول: "عقب احتجاجات 2012 الواسعة، انتشرت الكيانات العاملة بهذا "التصيّد"، فالمئات من الشباب يتلقّون أجراً مدفوعاً مقابل نشر تعليقات ورسائل تدعم الكرملين".

وهؤلاء المتصيدون هم من أثاروا التحذيرات في أميركا، عندما انتشرت مئات التغريدات التي تزعم وقوع حادث كيميائي بمصنع لويزيانا في 11 سبتمبر/ أيلول لعام 2014.

وكانت تلك حملة منسَّقة رغم زيفها، ولكنها بدت كاختبار مبدئي يمهّد لحملات تضليل أوسع للمستقبل. وكان صحفي يعمل لدى نيويورك تايمز قد تتبّع المبادرين بتلك الحملة عبر تويتر عام 2014 ليتبيّن أن موقعهم هو 55 شارع سافوشكينا بسان بطرسبرج.

اختراق روسي للبرلمان الألماني

السلطات الألمانية تنسب الآن أغلب هجمات الاختراق التي وقعت للبرلمان الألماني، العام الماضي، إلى "وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية"، بحسب ما نقلت SPIEGEL عن مسؤول أمني رفيع.

ووفقاً لمسؤولين، فإن عدداً من الهجمات قد أخذت نفس الشكل في السنوات الأخيرة، والتي تستهدف شركات التصنيع العسكري الألمانية والدول الأخرى بحلف الناتو. وكان المدّعي العام الفيدرالي الألماني بجنوب مدينة كارلسروه قد أطلق تحقيقاً يوم 15 يناير/ كانون الثاني بشأن احتمال تورّط عملاء استخبارات في الحادث.

وقد تبيّن للمكتب الفيدرالي لحماية الدستور أن الهجوم الذي وقع على البرلمان في 30 أبريل/نيسان 2015، كان من قِبل قراصنة إلكترونيين تمكنوا من الوصول إلى 14 مخدّم إنترنت مخصصاً للبرلمان. بما في ذلك المخدّم الرئيسي الذي يحتوي على كافة معلومات البرلمان الألماني.

وما زال غير واضح تماماً أي المعلومات تمكن القراصنة من سرقتها من شبكة البرلمان. ولكن شيئاً ما حققوه، وهو إثارة الغضب لدى البرلمان الألماني، مما أدى إلى صراعٍ وفقدان الثقة المتبادلة بين الكتل النيابية وإدارة البرلمان.

حركة روسيا المحافظة العالمية الجديدة

فضلًا عن الهجمات الإلكترونية، والدعاية، تستخدم روسيا كذلك شبكات سياسية لمتابعة إجراءاتها التخريبية في الغرب. على النقيض مما كان في الماضي؛ فالمعسكر المؤيد لموسكو في الخارج لم يعد هو المعسكر اليساري، بل اليميني المتطرف. فروسيا ترى نفسها قائدة للتيار المحافظ الجديد، المناهض لليبرالية، والمعادي للأجانب، وضد الغرب الذي يُفترض انحلاله وتراجع قيمه. موسكو تستخدم مجموعات الجناح اليميني للمضي في أجندتها.

"تقوم البنية الفكرية لهذا التيار على التوسع في فكرة التوسع الأورو-آسيوي الجديدة التي أطلقها أليكساندر دوغين" هكذا يقول تقريرٌ صادر عن وكالة المخابرات التشيكية (BIS)، ودوغين هو أستاذ جامعي بموسكو يحلم بثورة محافِظة تمتد إلى كل أنحاء العالم.

دوغين هو مُستشار لرئيس البرلمان الروسي، وضيف دائم التردد على قنوات التلفزة الروسية، وينظر إليه باعتباره مُعلم بوتين، وقد استخدمت هيئة الأركان العامة الروسية كتاب دوغين المعنون "أسس الجغرافيا السياسية" باعتباره كتاباً لإلهام الضباط. وهدف دوغين هو توحيد قوى الجناح اليميني في أوروبا تحت راية حركة "أوراسيا".

المشروع قائمٌ منذ بعض الوقت. وفي سبتمبر/أيلول 2014 تلقت الجبهة اليمينية الوطنية الفرنسية المتطرفة قرضاً بعدة ملايين يورو من أحد البنوك الروسية التي يديرها رومان بوفوف الذي يدين بالولاء لبوتين. وحضر هاينز كريستيان شتراخه، رئيس حزب الحرية اليميني الشعبي بالنمسا (FPO) مؤتمراً أقامه رجل أعمال روسي. وأظهرت الحكومة الروسية أيضا اهتماماً كبيراً بحزب البديل من أجل ألمانيا (AFD) وهو حزب سياسي ألماني يميني متطرف.

في أواخر 2014، قام نائب زعيم حزب البديل من أجل ألمانيا الكسندر جاولاند (AFD)، والمتحدث باسم الحزب بزيارة السفارة الروسية ببرلين، حيث اقترح المبعوث الروسي إجراء تعاون مشترك مع الحزب. وعندما نشرت دير شبيغل عن الاجتماع، أعرب رئيس الحزب في ذلك الوقت، بيرند لوك، عن غضبه ونأى بنفسه عن تلك الخطط.

بعدها بعام؛ وبعد مُضي وقتٍ طويل من رحيل لوك عن منصبه، أطلق الحزب بياناً صحفياً عن الاجتماعات والاتفاقيات التعاونية مع ممثل بوتين في برلين. قام أعضاء من الحزب تابعون لمنظمة شبابية تُدعى "البديل الشاب"، بحضور المؤتمرات الداعمة للكرملين في أوكرانيا وصربيا، وكان أحد تلك المؤتمرات بعنوان "دونباس: الأمس، الحاضر، والمُستقبل".

ويستعد الحزب لاستضافة "ندوة سياسية أمنية" من المقرر أن تنعقد في بوتسدام، يونيو/حزيران المقبل، بالتعاون مع السفارة الروسية، ويقول مسؤولون بالحزب الألماني اليميني إن الحزب سيغطّي جزءاً من التكلفة. وعنوان الندوة سيكون "الهجرة باعتبارها عاملاً لزعزعة الاستقرار".

توافق الروس مع النازيين الجدد

الروس أيضاً لا يمانعون العمل المشترك مع النازيين الجدد الألمان، فقد حضر أودو فويت، ممثل الحزب الديمقراطي اليميني المتطرف مؤتمراً في سان بطرسبرج في مارس/ آذار 2015، بدعوة من حزب "رودينا"، وهو الحزب الذي يقوده نائب رئيس الوزراء الروسي ديمتري روجوزين. وفي نوفمبر/تشرين الثاني لعام 2015، قام اثنان من أعضاء الحزب القومي الديمقراطي اليميني المتطرف (NPD) بحضور مؤتمر بعنوان "السلام مع روسيا" وكان من يُنظمه رجلٌ يُدعى جورجين إلساسير.

الشيوعي السابق إلساسير، هو واحد من أبرز المُروّجين لبوتين في ألمانيا، وفي المؤتمر الذي انعقد بفندق ماريتيم ببرلين؛ وحضره 700 شخص، استمعوا لتأكيده أن بروكسل وليست موسكو هي عاصمة "الاتحاد السوفييتي الجديد".

وشمل الحضور مسؤولين من الحزب القومي الديمقراطي اليميني المتطرف (NPD) وكذلك جولاند نائب رئيس حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD)، وأوسكار فرايسينجر، وهو سياسي بالحزب الشعبي اليميني السويسري (SVP)، وكان بين الحضور كذلك فلاديمير ياكونين، أحد المقربين من بوتين، والرئيس السابق لشركة السكك الحديدية الروسية الحكومية.

"يوجد تزايد واضح في الروابط الإيديولوجية بين العديد من الأحزاب اليمينية المتطرفة في أوروبا، والقيادة الروسية الحالية"، حسب ما يشير معهد البحوث المجرية المسمى "العاصمة السياسية" بحسب ما جاء في دراسة موسعة. فهناك جوانب عديدة لروسيا الحالية تروق للمتطرفين؛ كالزعيم القوي، قمع الحقوق والحريات المدنية، سيطرة الدولة على القطاعات الاستراتيجية، والتأكيد المستمر على المصالح الوطنية.

جنود موسكو

على ما يبدو، يُعدُّ الكرملين الآن رؤيته لمجتمع "روسي ألماني". منذ سنوات كانت الجهود المبذولة من أجل كسب دعم مؤسسات الجناح اليميني المتطرف، مثل "حركة روسيا الألمانية". والتي يتولى رئيس مجلس إدارتها هينريك غروث، ويُعد حالياً مطلوباً إلى درجة كبيرة.

في ظهيرة يوم الخميس الماضي؛ كان يمشي في حي بهيليرسدورف في برلين وهو يتكلم بالهاتف. وكانت الشبكات التلفزيونية، محطات الراديو والصحف جميعها ترغب في معرفة ما الذي سيقوله غروث بشأن سياسة ألمانيا حيال اللاجئين والحوادث الواقعة عشية الاحتفالات برأس السنة بمدينة كولونيا، وكذلك قضية الفتاة البالغ عمرها 13 عاماً.

نحو 2000 من حركة روسيا الألمانية أعضاءٌ في الحركة المُحافظة التي يديرها غروث وهو عددٌ لا يبدو كبيراً عند مقارنته بنحو 31 ألفاً من الأقليات المهاجرة من روسيا إلى ألمانيا وجميعهم يعيشون في برلين؛ ولكن غروث يتصرف كما لو كان يمثلهم جميعاً. فهو على تواصل مقرب مع الحكومة الروسية، بحسب ما يقول.

وقبل المسيرات التي انطلقت في 23 يناير/ كانون الثاني؛ كان قد سافر إلى موسكو لإخبار وسائل الإعلام الروسية بشأن قضية الفتاة، وقال حينها: "نحن لن نقف مكتوفي الأيدي تجاه ما حدث، فنحن جميعاً في خطر بسبب ملايين المهاجرين".

بإمكان موسكو شنّ حربها الهجينة في أوروبا بدعم أشخاصٍ يشبهون غروث. فاليري جيراسيموف، رئيس هيئة الأركان العامة الروسية، وصف "الصراعات غير المتكافئة الجديدة" بشكل مُطوّل في كلمته التي ألقاها في أكاديمية عسكرية في موسكو في يناير/ كانون الثاني عام 2014. موسكو تستشعر التهديد ليس فقط من قِبل الناتو الممتد نفوذه شرقاً؛ ولكن أيضاً من قبل الثورات الديمقراطية التي تراها موسكو مؤامرة يقوم بها الغرب لمدّ دائرة نفوذه.

"التمييز بين الحرب والسلام أصبح مُشوشاً في القرن 21. فالحرب لم تعد مُعلنة؛ ولكنها ببساطة تبدأ ثم لا تنتهج الطرق المألوفة. خلال أشهر وأيام قليلة، يتحول البلد الذي كان مستقراً في السابق إلى ساحة نزاع مُسلّح وضحية للتدخل الأجنبي"، هكذا يقول جيراسيموف.

وتابع قائلًا "ثم تنحدر الدولة إلى الفوضى، إلى كارثة إنسانية وحرب أهلية" واستشهد بالربيع العربي والطرق التي استخدمتها أميركا والغرب، بحسب التحليل الروسي، للإطاحة بحكام بلاد مثل مصر وتونس.

استراتيجية أوروبا ضد الدعاية

الغرب يأخذ التهديدات بالحرب الهجينة التي تشنها روسيا على محمل الجد؛ فكلٌّ من الناتو والاتحاد الأوروبي قد ركّزوا على القضية قبل نحو عام. جابور إيكلودي مطّلع على كلتا المؤسستين (الناتو والاتحاد الأوروبي)، ومنذ عام 2011 إلى 2013 عمل الدبلوماسي المجري لدى حلف الناتو، حيث واجه "التحديات الأمنية الجديدة".

والآن هو يرأس إدارة الكوارث والتخطيط لدى وحدة العمل الخارجي الأوروبي، ويتولى فريقه مهام تحليل حالة التهديد الجديدة، بحسب مستند سرّي للناتو بشأن الخصوم الذين يحاولون استغلال نقاط الضعف بأي بلد.

من المتوقع أن يلعب فريق عمل The East StratCom Task Force، وهو قسمٌ مضاد للدعاية بالاتحاد الأوروبي، دوراً رئيسياً في الدفاع ضد الأهداف الروسية في المستقبل؛ ولكن الفريق الذي بدأ العمل في سبتمبر/أيلول 2015 يبدو ضئيلاً بالمقارنة مع ماكينة الإعلام التابعة للكرملين.

فهو يضم 10 أشخاص، وليس لديه ميزانيته الخاصة، وحتى الآن لم ينتج شيئاً سوى موقعٍ مُشتت على الإنترنت يُنشر عليه أسبوعياً ما يُعرف بـ "مُراجعة التضليل" ويتناول رسائل الدعاية الروسية، والتي يتم تلخيصها في جملة أو اثنتين بإيجاز.

خلال العام الماضي، قام حلف الناتو بمحاولة إطلاع الدول الأعضاء فيه بالحرب الدعائية. وقد أنشأ "مركز التميز" في ريجا عاصمة لاتفيا، حيث يتمّ تحليل الاستراتيجيات في حرب الدعاية المضادة وتطويرها.

الجهود المضادة لاستراتيجية روسيا تُسمّى "دفاع Stratcom"؛ ولكنها مازالت في مراحلها الأولى. حيث أن المركز المُعد من قِبل الناتو لديه فقط فريقٌ قوامه 20 موظفاً، ولديه مقرٌّ مؤقّت في فناء مبنى قديم بوسط مدينة ريجا.

ويُعد الجانب الغادر في الاستراتيجية التي تنتهجها موسكو هو نشر العديد من الأكاذيب الهادفة، تخلق أثر "الولد الذي بكى الذئب". وتشوّش على الخطوط الفاصلة بين ما هو حقيقي وما هو مُفبرَك، فبدلاً من أن تحاول وتضرب الخصم في حرب حول الحقيقة؛ تقوم روسيا ببساطة بتخريب اللعبة بأكملها.

فالدعاية الروسية لا تقوم بتقديم نسخةٍ واحدة من القصة، بل العديد من النسخ، وبفعل ذلك فإنها تقوم بتلويث المعلومة. بحسب ما يقول مصدرٌ مطّلع من داخل الاتحاد الأوربي. وفي النهاية؛ لن يقوم الناس بتصديق أيّ نسخة من القصة بما فيها النسخة الحقيقية.

تلك هي نقطة الضعف في المجتمعات الديمقراطية التعددية. ففي النظم الديمقراطية، تُعِدّ الدولة سباقاً للوصول إلى الحقيقة بدلاً من أن تقوم بإملائها. ويقوم هذا النظام على أساس الثقة والقدرة على الإقناع، وتُعدّ عاجزة نسبياً عن حماية نفسها ضد التعدّيات. فليس لديها خيار آخر سوى الاستمرار في تمجيد البحث عن الحقيقة.

يقول الأمين العام لحلف الناتو، يانس شتولتنبرج: "هدفنا هو إخراج الحقيقة إلى النور. نحن نعتقد أن الصحافة الناقدة والنقاش السياسي المفتوح هما أفضل السبل لمكافحة الدعاية."

هذه المادة مُترجمة عن موقع Der Spiegel الألماني، للاطلاع على المادة الأصلية؛ اضغط هنا.

تحميل المزيد