“لو أني قطعة أثاث”.

حينها، شعرت أن الأحرف تتضخم في فمها، وأن غصة بحجم المجرة علقت في جوف فمها، رسمته أمامها. القت نظرة الوداع الأخيرة لعينيه، قبلته بدفء، مع ابتسامة هادئة ساخرة في مكان. وتمنت له حياة سعيدة.

عربي بوست
تم النشر: 2015/10/10 الساعة 04:00 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2015/10/10 الساعة 04:00 بتوقيت غرينتش

كم تود أن تخبره أن شفتيه الخمريتين تغويانها، وأسنانه اللامنتظمة تفقدها توازنها للحظات، وكم تحلم أن تمرر أصابعها بين خصلات شعره التائهة، وأن ذقنه حقول من القمح تشتهي الخوض فيها، وأيضاً، كم تحب أن يلمسها على سبيل المساعدة في قطع الشارع أو صعود الدرج.
عندما تمشي في الطريق، تحضر القصص التي سترويها له. تكثف الأخبار، وتجمع أكثرها ضحكاً، كي تلقيها على مسامعه حينما تحدثه.
ربما جنى، من الشخصيات المازوخية، تلك التي إن أحبت تستمتع بتعذيب الحبيب لها، فرغم قسوته، أنانيته.. إلا أنها لا تريد أن تخسره، لكنها في الحقيقة تخسر نفسها مع كل دقيقة تصرفها في التفكير به.

يتكاثر الذكور أمامها، وهي لا تريد منهم إلا هو. رغم أن والدتها لا تحبه، ليس ذاك الفتى الملائم لابنتها بنظرها، كثيراً ما تردد على مسامعها "ليس نصيبك، افهمي!". وتقنعها أكثر بالقول: "هل نسيتي نجمك المفضل! الذي تعلقتي به في مراهقتك أين هو الآن، تخجلين من تلك المرحلة، ومع الزمن ستضحكين على هذه الأيام أيضاً"، وتؤكد "أحبي من يحبك".

أما صديقتها المقربة فتخبرها عن عيوبه التي لا تعد ولا تحصى، والتي تعمى جنى عنها. لكنها تعلمها أكثر منهم جميعاً، تراها وضوح الشمس، وتحبها!

وفي غمرة انشغال العالم بمظاهرات القمامة في لبنان، ومآسي اللاجئين السوريين، وانتهاكات الاحتلال في المسجد الأقصى، واكتشاف كوكب يشبه الأرض، وبين تعويم العدم، والتقاط اللاشيء من الفراغ. لم يعد يعنيها الأمر شيئاً. مللت العالم وحكاياته المجنونة، كل الذي يشغلها تلك الثانية التي ستلمح فيها اسمه على شاشة هاتفها.

استفاقت أخيراً، وقررت أن تصارحه بمشاعرها، مطمئنة نفسها أن الكون أكثر تعقيداً من قصتها البسيطة، وأن هناك أكثر من 80 مليار إنسان، تعاقبوا على سطح الكوكب الأزرق، وأن عدد الأحياء أكثر من عدد الأموات.

واست نفسها، بأنها جزء صغير وُجد على الأرض بغير إرادته، لو أن أحداً خيّرها، لأرادت أن تكون ناراً أو ماء، أو قطعة أثاث. لا تريد أن تكون كائناً يملك العواطف! في حين أنها لو صعدت إلى السماء وألقت نظرة على نفسها لما كانت رأتها في زحمة الحياة. فلا داعي لأن تتحمل أكثر، وتخسر شيئاً تريده في فوضى العدم.

وبعدها، رفعت عينيها للسماء، حاولت الحديث مع إله تؤمن به، ليقرر عنها ما تفعل، تريد إشارة تدلها على التصرف الصائب، لو يسقط ملاك الآن يحمل عنها عبئاً حملته في قلبها، وبعد تردد دام ساعات طوال مزقت صبرها، وبعد عدة محاولات للضغط على اسمه والتراجع.
حدثته أخيراً، بادرها بالقول آه كنت أريد أيضاً الحديث معك، شعرت بالريبة، أدركت أن هناك كارثة ستسمعها الآن. وتابع أنه سيخطب الأسبوع القادم فتاة تعرف عليها منذ أشهر، وتكتم الموضوع لخصوصيته.

حينها، شعرت بأن الأحرف تتضخم في فمها، وأن غصة بحجم المجرة علقت في جوف فمها، رسمته أمامها. ألقت نظرة الوداع الأخيرة لعينيه، قبلته بدفء، مع ابتسامة هادئة ساخرة في مكان. وتمنت له حياة سعيدة.

عبرت بخطوات ثقيلة إلى الشارع، وهي تحاول أن لا تفقد وعيها، وقد أفرغت مخزون جسدها من الدموع، دموع مالحة غريبة أمتعتها وهي تمشي وحيدة، لم تسمع إلا صوت ضربات قلبها، وسط صخب الشارع الباريسي والضحكات القادمة من كل صوب.
وهو، لم يعلم كم خذلها، وكم أتعبها.. وفكرت أن "من المرهق أن تحمل رأساً وجسداً وأنفاساً، ترغمك البقاء على قيد الحياة"، تمنت أن تكون شجرة أو حبة كرز، سريراً أو عصا عجوز.
ورغم أنها اليوم على أبواب الشفاء منه، إلا أنها تمنع نفسها عن نسيانه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

تحميل المزيد