<a كتبت على صفحتها في الفيسبوك: "كلما تألمنا أكثر؛ طالبنا بالأقل.. الاحتجاج علامة على أن الإنسان لم يجتَز أي جحيم" - إميل سيوران. ولما كنت أعرفها تمام المعرفة تعجبت طويلاً وأنا أتأمل الشاشة مُكذبة عيني، إنها لا تعرف سيوران ولا غيره، إنها ببساطة لا تقرأ! ناهيك عن سيوران! وظللت أفكر أنها حتماً طالعت الجملة في منشورات الفيسبوك فشاركتها بداعي العُمق، أو لعلها كانت تشعر بالألم فوجدت جملة تتحدث عنه، وأرادت أن تعلن للناس أنها متألمة، دون أن تدرك بالتأكيد المعنى الكامل للعبارة، رفعت رأسي لأحدق في الفراغ وأنا أفكر أن سيوران ليس حكراً لي، أو لغيري ممن أعرف عنهم قراءات متعددة، ولكنه الألم، حتماً الألم هو السبب. إنه السبب الذي جعلها تحجم منذ أيام عن نشر ما اعتادته من صور كوميدية وأخبار غريبة وأدعية وأغنيات، إن صديقتي الفيسبوكية تتألم بعمق ولا تعرف كيف تعبّر عنه من خلال ما اعتادته. المشكلة أنها بدأت اعتياد هذا النوع من العمق وبدأ ما تنشره يتغير ويتحول لنسخ ولصق متتالٍ للمشاهير مما يلاقي الإعجاب، ولكن السؤال الحقيقي هل أصبحت هذه الشخصية ذات بُعد آخر أكثر عمقاً لكثرة ما تفعله الآن؟ هل يُصاحب أقوالها المنسوخة قراءات حقيقية غيَّرت من شخصيتها؟ هل هي نموذج وحيد؟ إجابة السؤال الأخير: لا، إنها الكثيرون، إنها الجميع تقريباً. المياه تلامس أطراف أصابعي، وأنا أخطو بخوف داخل البحر، وأتخيل أنني سأغرق بينما من حولي يتضاحكون متسائلين: كيف سأغرق في شبر ماء؟ الحق أن الكثيرين غارقون في نفس الضحالة يظنونها عمقاً، الكثيرون لا يدركون أنهم فقط في شبر ماء. ماذا تعرف عن ليوناردو دافنشي؟ فنان الموناليزا.. حسناً، ليس هذا فقط، هذا الرجل كان يدرس التشريح والدورة الدموية ويخترع الأسلحة لحساب أحد الدوقات ويرسم اختراعات خرافية تحققت بعد وفاته بسنين. قديماً لم يكن هناك تخصص حقيقي للعالم فقد كان يبحر هنا وهناك، يكتشف ويبحث، وربما يرسم ويؤلف الكتب، ولعل زيادة مظاهر الحياة وتفرع العلم وأسباب أخرى دفعت دفعاً للتخصص، مما جعل عجلة التطور تزداد سرعة، لكن ظل دافنشي هو صاحب الموناليزا! صارت هي إنجازه الذي يتذكره به العامة؛ لأنه نجاحه الحقيقي. إن المعلومة قد تصلنا عبر مواقع التواصل منقوصة أو مُزيفة مُشوهة، تظهر لنا نبذة صغيرة فنتوهم أنها كل جبل الجليد ولا ندرك أبداً مدى عُمقه، ويملأنا الظن أننا نمتلك المعلومة كاملة لمجرد قراءة فقرة أو عنوان، لم يعد بإمكان أحد أن يصل لأصل المعلومة بغير بحث طويل بين الكتب أو المصادر الموثوقة، ولكن من يفعل هذا حقاً؟ قليلون جداً. أخبرني ما الذي تعرفه عن معلومة تاريخية تلفظت بها في مسابقة مثلاً وفزت واحتفلت بفوزك: من هو أول رئيس لأميركا؟ جورج واشنطن. ثم ماذا بعد؟ هل تعرف شيئاً عن حرب الاستقلال وإرسال جورج واشنطن إشارة البدء للحرب الفرنسية - الهندية على الأرض الأميركية في صراع بين القوات الفرنسية والبريطانية للسيطرة على أميركا الشمالية والتي راح في خضمها الكثير من السكان الأصليين؟ هل قرأت / بحثت عن ذلك الموضوع من باب الفضول؟ إن التاريخ ليس فقط للمتخصصين، ولكنه ملك لكل من يريد معلومة كاملة وليس شذرات متنافرة من قبيل: "الآباء المؤسسون"، "إعلان الاستقلال" التي ذُكِرت في أحد الأفلام. لن أتساءل عن معلومة تخص تاريخ الوطن الأم أو معلومة تتعلق بصحيح الدين أو جغرافية مكانك الذي تنتمي إليه عمراً كاملاً وسأدع ذلك لحكمة القارئ. وعندما أفكر أنه من الجميل أن يعرف المرء شيئاً عن كل شيء، يجب أن يترافق هذا مع معرفة جيدة جداً لشيء واحد على الأقل! شيء واحد يجب التعمق فيه ليمكنك الحديث عنه بهذا العمق، وأنت على أرض صلبة ولست عابراً فوق الأبحاث والكلمات ناقلاً لها. هل تعرف ما الذي تقود إليه ضحالة العمق؟ أن تجد علماء ما هم بعلماء، يطلقون التصريحات عن أبحاث وهمية لم يقوموا بها ويبني عليها الأبرياء مشاريع تنتهي بالخراب، أو أحلام شفاء زائفة، أو تفوق لا يمكن تحقيقه. وتجد شيوخاً ما هم بشيوخ يفتون بما يحيل حياة الناس جحيماً، أو ينهيها في لحظة يأس، أو يخلقون فتنة ويؤججونها، أو يختلقون بدعة ويؤصلونها ويحيلون مجتمعات بأكملها لساحات حروب. وتجد مُتحدثين عن التنمية البشرية لا يُدركون منها غير عبارات رنانة يُغرقون بها نفوس من يقرأون لهم ويتابعونهم، فيمتصون إرادتهم ليصبحوا مدمنين لسماعها عوضاً عن التطبيق، ويصبح أمل الأغلبية أن يصبحوا هم متحدثين عن التنمية البشرية ولغة الجسد وتفسير الأحلام وإكساب المهارات؛ ليصيروا نجوم الفضائيات ناشري الأكثر مبيعاً مُشار إليهم بالبنان!ِ لقد أحالتنا وسائل التواصل لمسوخ بشرية تقتات العبارات الضحلة بصورة روتينية يومية، ونرغب بالمزيد لنعبر عن لحظة أو رغبة أو حلم، ثم ينتهي الأمر بساعات أخرى من البحث عن عبارة أكثر عمقاً وأشد وطأة في التأثير. لم يعد هناك مساحة ووقت حقيقةً لقراءة كتاب أعلن المرء عن إعجابه به في منشور لصديق، ولم يعد هناك وقت للتسجيل في تلك المنحة المجانية فقد ظل رابطها في قائمة المفضلات حتى انتهى الموعد، ولا يمكن ممارسة تلك التمارين الرياضية التي احتفظت بصفحتها؛ لأن الوقت انقضى في التعليق على تفاهات الآخرين. لقد مات الفعل الحقيقي، أو كاد، بيد الأوهام الزائفة والادعاءات المُرضية للنفس بالعمق والجدية، وصرنا جميعاً نسير على الشاطئ، تلامس المياه أصابعنا بينما نحن موقنون أننا في منطقة العمق السحيق، والأدهى أننا نتوهم أننا قد نواجه الغرق! <blockquote>ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.</blockquote>