لا أم تساند ولا خالة تحنو.. ما هي أكثر 4 صعوبات تواجه الأمهات في الغربة؟

عدد القراءات
7,000
عربي بوست
تم النشر: 2020/07/13 الساعة 09:40 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2020/07/13 الساعة 12:05 بتوقيت غرينتش

ثلاث سنوات مرت أو تكاد منذ ولادة ولدي كرم، وأنا ما زلت لم أعتد على كمِّ الشغل والانشغال الذي فرضه ويفرضه الإنجاب.. تتقوض الحرية الشخصية للأم بشكل كبير وتتراجع الأحلام والطموحات إلى المقاعد الخلفية في هرم الأولويات.. وفي مرحلة ما تشعر الأم بفقدان تام للسيطرة على أي جزء من حياتها بدءاً من جسدها مروراً بجدول أعمالها اليومي وانتهاءً بطموحها المستقبلي.. هذا بكل صدق هو شعوري الذي أضمه بين جنبي مع مجموعة كبيرة من مشاعر المحبة الصادقة والرحمة الخالصة والدهشة المتكررة والامتنان الغامر والغبطة العميقة والتواضع أمام عظيم خلق الله وجميل صنعه وعميم فضله.. شغل وانشغال تضاعفا بلا شك لأنني أنجبت في الغربة.. وما أدراك ما الغربة؟ في الغربة يا أصدقاء لا أم تساند ولا أخت تحنو ولا خالة تعطف ولا عمة تدلل.. في الغربة أنت وحدك مع أمانة عظيمة وهبتها لك كف الكرم الإلهي.. ويا لثقل الحمل.

الصعوبات الجسدية والنفسية

ليس سهلاً أن تعالج الأم صعوبات الحمل والولادة وحدها فسواء كانت المرأة تحمل لأول مرة وتتعرف على عالم جديد كلياً عما عرفت وألفت أو كانت أماً مخضرمة لها من الأولاد من يحتاج عناية إضافة إلى متطلبات الحمل والولادة، فإن الغربة تزيد المهمة تعقيداً..

ولأن الإنجاب يتطلب فسحة من الزمان والمكان تشعر الأم أن العالم كله يمشي غير مبال بها وهي وحدها تعالج مشاكل لا تهم غيرها. في مجتمعاتنا التقليدية لابد أن يتصادف إنجاب المرأة مع إنجاب أخرى قريبة أو صديقة أو جارة فتتشكل تلقائياً شبكة داعمة مهما صغرت أو كبرت. أما في الغربة فتجد الأم نفسها باحثة عن حلول لمشاكل ولّدها غياب شبكة الدعم تلك. فمثلاً تسعى الأم للانضمام إلى مجموعة تحضيرية لما قبل الولادة أو كورس تعليمي للعناية بالرضع أو مجموعة رياضية لاستعادة رشاقة الجسم بعد الولادة. هذه كلها خدمات من مؤسسات حكومية أو خاصة تتشكل فيها شبكة لا بأس بها من الدعم. وترى أمهات المغترب أجرأ في إرسال أطفالهن لدور الرعاية في سن مبكر، فالأمر بالنسبة لهن ولأطفالهن ليس رفاهية بل هو ضرورة حقيقية. والحمد لله أن بعض هذه الحلول موجود فهي وإن لم تكن بحميمية وقرب شبكات دعم القرابة والجيرة في الوطن فلا غنى للمرء عنها. وأنا أزعم أن تحوّل هذه الشبكات إلى خدمات رسمية مدفوعة الأجر نشأ عن تفكك العائلات الممتدة وانهيار عرى الترابط في المجتمعات التقليدية. وهي حلول لها مالها وعليها ما عليها ولعل هذا حديث له مكان ووقت آخران.

الصعوبات التربوية

وقريب من هذا الذي ذكرت بحث الأم التي وضعت للتو عن مجموعات للعب والتعلم لرضيعها يتعلم فيها مهارات أساسية بدءاً من الحركة والزحف والمشي إلى المشاركة والتفاعل وانتظار الدور لأجل لعبة ما. أمور تحدث تلقائياً بين أولاد العموم أو الأخوال في لقاءات العائلة المتكررة، وهي بالتالي هموم لا تخطر على البال حين تنجب المرأة في حاضنتها العائلية الممتدة.

ثم تبدأ مهمة التربية العظيمة. وكلما ابتعد الأبوان عن موطنهما وجدا نفسيهما في محيط لا يثمّن ما يثمّنان ولا يثمّنان هما ما يثمّن. بالطبع يمكن لمجتمع الاغتراب أن يعلم الأبوين كثيراً عن مهارات التربية والعناية بالطفل. وبالطبع يعطي البعدُ عن نصائح وتدخلات كل من قَرُبَ أو بَعُد مساحة حرية واختيار يتحرك فيها الأبوان في انتقاء أنسب أساليب التربية. إلا أن لكل شيء ثمناً. ويبقى الأبوان في الغربة في حيرةٍ وشكٍّ تجاه أسلوبهما في تنشئة أبنائهما في وسط يختلف تماماً عما يعرفان. ويبقى أسلوبهما بين هذا الذي يحيط بهما وبين ذاك الذي ابتعدا عنه، فإن وُفّقا إلى اختيار خير ما في الأسلوبين فقد أحرزا خيراً عظيماً وإلا فخطر اهتزاز شخصية الطفل وأفكاره وارد إذا ما وجد نفسه لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء دون أن يلم شعث تشتته توجه قيَميّ ذو أساس متين وأولويات بيّنة.

ولا يجوز بالطبع أن ننسى غياب الدور التربوي الذي تلعبه العائلة الممتدة والمجتمع القريب، فقد عُرِف في علم المجتمعات أنه في المجتمعات التقليدية تربي القبيلة كلها الأطفال. وهذا وإن كان قد تراجع في شكل مجتمعاتنا الحديثة فإنه ما زال حاضراً على شكل ضبط اجتماعي واضح. فلا يتخفى الشاب مثلاً عن عيني أبيه وأمه وحدهما حين يدخن وإنما عن عين الجار والبائع الجوال والسيدة التي تسكن في الشارع المقابل حتى. الوضع المثالي طبعاً هو ألا يدخن الشاب ولكن وجود نوع من الإجماع القِيَمي في المجتمع يدعّم بلا شك المنهج التربوي الذي ينشأ داخل الأسرة ويتفرع عنها.

 ثم لا نغفل الدور التربوي للمدرسة ومحيط الأصدقاء؟ ففرق شاسع بين أن يرى الطفل تكاملاً بين ما يتلقى من هؤلاء جميعاً -إن كان التصادم الجزئي وارداً- وبين أن يحتاج إلى مقارنة كل جزئية بين داخل البيت وخارجه. فلماذا ترتدي ماما الحجاب وحدها بين جارات ومدرسات وبائعات لا علاقة لهن بالحشمة من قريب أو بعيد؟ ولماذا يختلف دعاء الطعام في البيت عما يقولون في الروضة؟ ولماذا علي أنا وحدي أن أسأل ما إذا كان اللحم المقدم في كانتين المدرسة حلالاً؟ هذه أسئلة يتعرض لها الطفل في عمر صغير جداً وعلى الأهل أن يجيبوا بحذر وحكمة بالغين.

هذا كله نتعامل معه نحن كجيل أول مغترب بكثير من الحيرة والصبر والاجتهاد، خاصة وأننا لم ننشأ في بيئة كهذه وحتى أمهاتنا وآباؤنا ليسوا بالضرورة قادرين على إسداء النصح في هذا المجال فهم أنفسهم لم يعالجوا مثل هذه المشاكل. فكيف تستقبل الأم أسئلة طفل في العاشرة عاد للتو من درس في التربية الجنسية وهي التي لم تطرق هذه المواضيع إلا لما صار عمرها كذا وكذا؟

إشكالية اللغة والدين

وهذا ينقلنا إلى النقطة التالية وهي مسائل اللغة والدين في مجتمع الاغتراب. لما أنجبت طفلي كنت أعيش في بلدة صغيرة في الريف الألماني وكان يُهيَّأ لي أن طفلي حين يعي سيظن أن الإسلام هو دين اخترعته أنا وأبوه أو هبط علينا من السماء وحدنا حيث لا أحد آخر ممن يحيط بنا يمارس أو يعتقد بما نعتقد به. فحين ينشأ طفل في مجتمع ما يكتسب كثيراً من المعتقدات والعادات كبدهيات دينية واجتماعية، الأذان المنبعث من مآذن الحي معناه أن وقت الصلاة قد حان والزينة في السوق معناه أن العيد أقبل، فكيف إذا خلا الحي من مسجد وخلا السوق من زينة؟ تغيب هذه البدهيات في حياة أطفالنا في الغربة وينبغي للبيت أن يصنعها اصطناعاً وهو أمر قد لا يكون مستحيلاً ولكنه يتطلب كثيراً من التركيز والتفكير والالتزام من جهة الأهل.

ثم إذا أردت لطفلك أن يتواصل مع أقاربه ومجتمعه الأصلي فعليك أن تعلمه اللغة المحكية في ذلك المجتمع، وإذا أردت له أن يتواصل مع دينه وتراثه وآدابه وتاريخه فلابد له إذن من اللغة العربية الفصيحة. وهذا والله أمر جلل. فما معنى أن يحمل البيت على عاتقه تعليم نظام لغوي كامل متنافساً مع نظام لغوي آخر غالبٍ شئنا أم أبينا تقدمه المدرسة والصحبة وكل نشاطات الطفل تقريباً؟ معناه أن يتحول البيت كُتّاباً ومدرسة، وهذا يجر ما يجر من الأعباء على الأم أكثر من أي فرد آخر في الأسرة.

إنجاب أكثر من طفل

هذه الصعوبات كلها تجعل خيار الإنجاب محفوفاً بالتردد، وتجعل خيار إنجاب طفل ثان أو ثالث أمراً يحتاج إلى تفكير طويل. والمفارقة تكمن أن الغربة التي تصعّب مسألة الإنجاب وتجعل خيار إضافة طفل إلى العائلة قراراً شجاعاً لا يصله المرء إلا بعد لأي، هذه الغربة نفسها تجعل العائلة الكبيرة خياراً مغرياً، فأي شيء يخفف عن الإنسان غربته أكثر من بيت مملوء بالأصوات والحكايا والشجار والمحبة في آن معاً؟ إلا أن سؤال الثمن المدفوع يطفو مرة أخرى على السطح ليؤرق الأم. طفل آخر يعني تأجيل جديد لأية مخططات في مجال العمل والدراسة لعام أو عامين في الغالب. هذا التردد يبلغ ذروته حين ندرك أن الأم تعيشه في مجتمع لا يقيم للمرأة قائمة ما لم تكن عاملة خارج بيتها، بل وعنده عن المرأة العربية والمسلمة صورة نمطية مقيتة تعرفها كل من عاشت في مجتمع الاغتراب في عيون الناظرين إليها هنا وهناك. وهي صورة تتأكد كلما طال اعتزالها للعمل أو الدراسة في سبيل الإنجاب.

ما السبيل إذن؟

لا يمكننا أن نتوقف عن الإنجاب، أو بالأحرى لا نريد. ومن ثم فإننا تشتتنا في بلاد الله الواسعة ويبدو أن الغربة قدرنا. فما السبيل إذن؟ لعل السبيل يتلخص بزوج متفهم، وحاضنة مؤنسة، وفكر منفتح واثق، وكثير من التوكل والدعاء.

 جزء لا يستهان به من هذه الصعوبات يمكن تخطيه عن طريق تفهم الزوج ومساندته ودعمه على قدر الوسع والطاقة. وتتضاءل هذه الصعوبات أكثر إذا أحاط الإنسان نفسه بحاضنة اجتماعية تناسب فكره وإيمانه وقيمه، ولا شك أن جزءاً من هذا الأمر رزق خالص قد لا يتحقق للبعض في مكان غربتهم. ولكن جزءاً آخر من الأمر يتعلق بسعي الإنسان لإنشاء حاضنة كهذه وبذله في سبيل إنشاء علاقات اجتماعية تكون أقرب إلى القرابة في تراحمها وتعاضدها منها إلى علاقات الصداقة العابرة. وأما الفكر المنفتح الواثق فهو ما يجعلنا نذكر أنفسنا في كل حين أن الإنجاب أمر عظيم. كيف لا وهو المعجزة التي خصنا الله بها نحن معشر النساء. وأن التربية مهمة غالية مهما كانت نظرة مجتمعات الاستهلاك و"التحرر" هذه. وأن مقامنا حيث أقامنا الله وأن لكل شيء وقته. وأما الدعاء والتوكل على الله فهو من قبل ومن بعد سبيل من لا سبيل له. وعلى الله قصد السبيل.

أنتم أيضاً يمكنكم المشاركة معنا في قسم الآراء والتجارب الشخصية عن طريق إرسال كتاباتكم عبر هذا البريد الإلكتروني:[email protected]

مقالات الرأي المنشورة في “عربي بوست” لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

علامات:
إيناس الخالدي
طالبة ماجستير تعيش بألمانيا
تحميل المزيد