“شعبك أصيل” بدلاً من “سعدك أصيل” لتجنب السجن والجلد! قصة أغنية “أهو ده اللي صار”

عربي بوست
تم النشر: 2022/10/19 الساعة 18:17 بتوقيت غرينتش
تم التحديث: 2023/01/09 الساعة 06:17 بتوقيت غرينتش
"أهو ده اللي صار"، واحدة من مجموعة أغنيات تغزل فيها سيد درويش بسعد زغلول/ مواقع التواصل

"أهو ده اللي صار"؛ تأثر المشهد السياسي والاجتماعي في مصر، خلال وبعد ثورة 1919، وقد وصلت ملامح التغيير آنذاك إلى الفن المصري. فقد شهدت الأغنية الوطنية انقلاباً تاريخياً، طُبع في أذهاننا حتى اليوم، عندما دخلت قضية الشارع على خط الصوت الغنائي. 

ويُمكن القول إن مصر لم تنتفض سياسياً فقط في وجه الاحتلال البريطاني، بل فنياً أيضاً، خصوصاً عندما قرّر المستعمر نفي زعيم الانتفاضة سعد زغلول. وبدأت في خضم كل ذلك تتبلور فكرة الأغنية الوطنية مع رؤيةٍ جديدةٍ للوطن، حتى ترسّخت الأغنية الوطنية الشعبية، التي صارت جزءاً من تاريخنا الغنائي. 

ولعلّ أبرز مثالٍ على ذلك أغنية "أهو ده اللي صار"، التي غناها أغلب المطربين؛ إما بشكل كامل، أو على الأقل في جلسة أصدقاء، أو في أحد البرامج التلفزيونية. تلك الطقطوقة التي شرحت بكلّ سلاسةٍ أسباب الثورة: "خير بلادنا ماهوش في إيدنا".

قصة "أهو ده اللي صار" رائعة سيد درويش

قدّم سيد درويش في هذه الأغنية لحناً بسيطاً وخفيفاً يسهل حفظه وترداده، لتصبح "أهو ده اللي صار" واحدة من أشهر وأهم الأغنيات الوطنية في التاريخ الموسيقي العربي، والتي ارتبطت في أذهان المصريين بثورة سنة 1919.

الأغنية عُرفت على أنها من تأليف الكاتب بديع خيري وتلحين سيد درويش؛ وقد غناها كثير من فناني الوطن العربي منهم السيدة فيروز، وما زال يتغنى بها أشهر الفنانين حتى اليوم، لكن عبد اللطيف البنا كان أول من غناها. 

وفي الواقع، اختلفت المصادر التاريخية على اسم مؤلف الأغنية. سُجّل اسم بديع خيري عليها، لكن بعض المراجع تُشير إلى أن الشيخ يونس القاضي هو كاتبها الأساسي. والشيخ يونس من الكُتاب الذين ألّفوا عدداً من المسرحيات الوطنية، التي أججت مشاعر المصريين خلال فترة الاحتلال البريطاني. 

تقول الرواية إنه أُلقي القبض على الشيخ يونس في إحدى مظاهرات 1919، وأُحيل إلى وكيل الداخلية للتحقيق معه. كان الشيخ أزهرياً، واعتاد أن يرتدي الجبة والقفطان، الملابس الموحدة لطلاب وخرّيجي الأزهر الشريف.

وحين أُلقي القبض عليه، أمسكه مفتش الداخلية من القفطان وقال له: "قبل أن تطالب بخروج الاحتلال من بلدك، تعلَّم أولاً كيف تصنع الجبة والقفطان". أثرت تلك الكلمات في الشيخ يونس القاضي، فكتب قائلاً: "تلوم عليَّ إزاي يا سيدنا وخير بلادنا ماهوش في إيدنا".

حُب سيد درويش للزعيم سعد زغلول 

لحّن الأغنية سيد درويش، أحد أهم أركان الغناء العربي الحديث، والذي كان مناصراً بشدة للزعيم سعد زغلول. وقد تجلى حُب سيد درويش لمصر وللزعيم في عددٍ من أغنياته، حتى تلك العاطفية، مثل أغنية "يا بلح زغلول"، التي استخدمها الشعب المصري لمحاربة الاستعمار رغم أن كلماتها لا تُصنّف وطنية.

لحن
لحن "أهو ده اللي صار" سيد درويش، المناصر الشرس للزعيم/ مواقع التواصل

في النسخة الأولى من "أهو ده اللي صار" كان واضحاً حُب سيد درويش والشيخ يونس القاضي لسعد زغلول، زعيم الحركة الوطنية التي كانت تنادي برفع الاستعمار عن مصر. ووفقاً لبعض المؤرخين، فإن الإنجليز منعوا التغني أو الهتاف باسمه في شوارع القاهرة، بعدما كانت كلمات الأغنية الأولى تقول: "مصر يا أم العجايب سعدك أصيل والخصم عايب".

وبعدما أصبح اسم الزعيم سعد زغلول يتردد على لسان كل مصري وقتذاك، تغيرت عبارة "سعدك أصيل" لاحقاً ليحلّ مكانها كلمة "شعبك أصيل"، بسبب تضييق الاستعمار. 

فقد شاع حينها أن سلطات الاحتلال كانت غاضبة، ومنعت ذكر اسم الزعيم، لا بل ذهبت لأبعد من ذلك عندما قررت عقاب المخالفين بـ20 جلدة، والسجن 6 أشهر، مع الأشغال الشاقة.

وُلد حينها نمطٌ جديد من التورية واللعب على الكلمات، في كتابة الأغنية السياسية. فقد استُخدم اسم زغلول في أغنية "يا بلح زغلول" للمطربة نعيمة المصرية، التي مُنعت لاحقاً من العرض على مسرح البالون ضمن المسرحية الغنائية التي تحمل اسم "سيد درويش".

ووفقاً لموقع "البوابة نيوز" المصري، فقد استُخدم اسمه أيضاً في أغنية "شال الحمام حط الحمام.. زغلول وقلبي مال إليه"، من كلمات الشيخ يونس القاضي، وألحان محمد القصبجي، وغناء منيرة المهدية.

الأمثلة كثيرة عن خداع صناع الأغنية الوطنية للحكم العسكري الإنجليزي حينها، وزجّ اسم سعد أو زغلول في أكثر من أغنية وطنية أو شعبية كانت تطالب أساساً بعودته إلى مصر بعد نفيه. وهكذا تلاعب الفن المصري بالقرار العسكري.

تحميل المزيد